من أوراق شاهدة – لماذا تقدم المسلمون وتأخر غيرهم؟


ماذا لو أطلقنا العنان للحلم في أزمنة غدا فيها الحلم جنحة، وقد يقود إلى المنافي والمعتقلات بتهمة الإرهاب والتفكير بما من شأنه..

وندرك بشعور المسلمين المؤمنين بمفهوم البنيان المرصوص أن الحلم غدا واحة سراب بالنسبة لمسلمين كانوا يحلمون بالكرامة والعزة فأصبح همهم ملجأ في منفى بعيد وإن كان رفقة الخنازير بحظائر الغرب.

ومع ذلك دعونا نستل جذوة الأمل من كنزنا المهجور كتاب الله تعالى الذي أمرنا فيه سبحانه بأن لا نقنط من رحمته وأن نتشوف إلى موعوده سبحانه بالتمكين..

دعونا نحلم بمنقذ جديد مستنسخ من رجالات الأمس ونسائه، ونذكر تحديدا الأمير شكيب أرسلان، منقذ ينكب على تسطير ملامح هذا الشتات العربي ومعالم مأساويته في خرائط العالم العربي، فيحدثنا عن هذا التأخر الجديد أمام تقدم متواصل لذلك الآخر حد مروره إلى السرعة القصوى في استعمارنا، وتفصيله بدهاليز مخابراته لربيع زائف على مقاسنا  بخرائط عربية ملغومة الحدود حتى نظل نتهارش، مع تعطيل القدرات والهمم بزرع زعماء من ورق، وتحريك بيادقه من الداخل والخارج للتخلص منهم عند انتهاء مهامهم الوضيعة، وتأجيج انتفاضات بلا رأس ولا قدم؛ لشرعنة ما يسميه بالتدخل الإنساني باسم الدفاع عن الديمقراطية وحق الشعوب في تقرير مصيرها، ثم بعد إطفاء شموع زفة المسطولين المبتهجين بربيع هجين من بلاستيك، تدمير البنيات الإنتاجية وباقي القصة معروف.

وندرك بأننا لم نـأت بجديد، وأن التشخيص لهذه الأوضاع الاستعمارية التي تمعن في تشتيت العالم العربي مشاع ومعه شجون وشجون، لكن ما يجعل لكتابات الأمير أرسلان خصوصيتها هو أن ملامح سيرة هذا الرجل الفذ تشير إلى أن محنة العالم الإسلامي إبان حياته كانت موطن دائه ومصدر أرقه وبنزين رحلاته المكوكية بين شرق وغرب ليصلح أو يحذر أو يحشد، وتلك هي أمارات الصدق التي قادت مفكرين مهتمين بالشأن الإسلامي إلى دعوته لصياغة معالم وجذور هذا النكوص الحضاري كتابة، فكان كتابه الشهير (لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟)، ولأن استيفاء هذا المؤلف حقه من البسط يستغرق مدادا كثيرا ليس هذا موضعه، فإن من بين أهم الملاحظات التي تستوقفنا في كتاب الأمير أرسلان هي اعتزاز كل الأمم بدياناتها وخصوصياتها الحضارية إلا الشعوب الإسلامية التي لا ترى لنفسها إقلاعا إلا بالتخلص من الدين، في الوقت الذي يورد فيه الكاتب أخبارا مذهلة عن الدعم المادي العملاق الذي تقدمه الدول الغربية لتنصير المسلمين وتستهبل عقول أبنائهم من المثقفين موازاة مع اختراقاتها التنصيرية لهم حين تنشر خطاب « الدين أفيون الشعوب »، ولا تفتأ تحيي في عقولهم المستلبة فكر فصل الدين عن الشؤون العامة للمواطنين، لتحقيق الإقلاع، وتشحنهم بإيديولوجية مقاطعة الدين للخروج من نفق التخلف.. بل تؤجج منسوب الكراهية لكل مظاهر التدين باعتبارها العائق الأساسي أمام اللحاق بركب الحضارة.

وما نتابعه من بوادر انشقاق وفرقة بين أبناء الشعب الواحد، واختزال مظاهر اعتلال الأوطان في تشبثها بالدين هي توابل متقنة الوصفات والجرعات لزرع مشاعر النفور من تمظهرات الدين معاملة ولباسا، وقد قرأت لمثقفة في صفحة للتواصل الاجتماعي وهي تكسر كل حواجز الحياء، وتستعمل قاموسا جنسيا مخيف الاجتراء على الثوابت الدينية، فتتندر ساخرة وبلهجة إباحية من استعانة المتدينين بحديث رسول الله : «أترضاه لأمك، أترضاه لأختك..» وتلك قصة أخرى.

وبالعودة إلى الأمير فإنه يرى أن بلاء الأمة في جاحديها لا يوازيه إلا تكلس عقلية جامديها من أبنائها الغاضبين من الغرب جملة والمشيعين لفكر مقاطعته تماما، وتلك داهية الدواهي؛ إذ كان الغربيون نفعيين فاستفادوا من زادنا ورمونا بالداء، ويرميهم أبناؤنا الجامدون في زماننا هذا بالداء والدواء..

وفي السياق يذكر الأمير أرسلان رحمه الله أن العرب وبشهادة غربيين كانوا إبان العصور الوسطى أساتذة الغربيين، وكان هؤلاء يعتبرون تخرجهم على يد أساتذة عرب مصدر تباهي وفخار، بل حين سئل الفيلسوف والكاتب الفرنسي فولتير عن لوتر وكالفين كمصلحين مسيحيين، قال كما ذكر ذلك أرسلان: « كلاهما لا يصلح أن يكون حذاء لمحمد ».

إن دينا الذي أعطى المدنية القديمة معناها الحضاري الراقي سلما وحربا، وزودها بكوكبة عظيمة من العلماء والمفكرين والفقهاء المتنورين؛ لأجدر أن يظل المنارة لكل المدنيات التي استنسخت علومه وحضارته، وأجدر أكثر بأبنائه من المثقفين المسلمين أن يستعيدوا ثقتهم بقدرته على قيادة شعوب العالم.

لقد كان من معالم الهجرة النبوية المباركة تثبيت ساريتين عملاقتين ستسندان البناء الإسلامي في عز امتداده، وتسطر خطوات تقدمه وتألقه وهما: الصلاة والأخوة.. بناءان حاسمان في عودة الخيرية والوحدة الإسلامية الشريدة. الصلاة لأنها توثق خيوط المعية مع الله سبحانه؛ إذ تنهى عن الفحشاء والمنكر، وتمتن حبل العلاقة معه، والأخوة لأنها تغزل نسيج المحبة والتآزر بين المسلمين، وتقيم معالم البنيان المرصوص وترفعه عاليا بين الأمم المتتلمذة عليه كما فعل رجالها ونساؤها الذين صدقوا الله ما عاهدوه عليه بالأمس، قبل أن يشتد ساعد التلاميذ ويرمون الدين الإسلامي والخوالف بنبال الجحود السامة.

ذة. فوزية حجبـي

اترك تعليقا :

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *