خروق في سفينة المجتمع 78 – المجاهرة بالإفطار في رمضان


يأبى المناوئون للإسلام المناوشون لتشريعاته وأحكامه، الساعون لزعزعة أركانه، والنيل من حرمته وهيبته وقداسته في بلد دينه الإسلام، إلا أن يوجهوا سهامهم المسمومة لكل شيء له علاقة بالإسلام كنظام عام، أو بأي جزئية من جزئياته، سواء تعلق الأمر بسلوك تعبدي، أو حق ذي طابع اجتماعي اقتصادي، أو سلوك له مساس بحق الحياة، أو غير ذلك من الأمور التي لها ارتباط بوجود الأمة الحضاري وشخصيتها العقدية والفكرية التي تميزها عن باقي الأمم، وتسعى من خلالها إلى أن تدخل في تفاعل خلاق معها، بهدف الإسهام في إقامة المجتمع الإنساني على أساس من التعارف المفضي إلى إرساء دعائم الأمن والسلام، وإلى الارتقاء بالفكر والسلوك، وصناعة النموذج الإنساني الرشيد، الكفيل بحراسة مكتسبات الإنسانية، وحمايتها من الإتلاف والتدمير.

في سياق هذا المسلسل الاستفزازي لثوابت الشعب، يتم تجديد الهجمة على شعيرة الصيام من قبل هؤلاء، كلما هل هلال رمضان، تحت ذريعة الحق في حرية الاعتقاد والسلوك.

والذي يتابع ما يصدر عنهم من مقالات تتمحور كلها حول الدعوة المستميتة إلى إطلاق حرية  المجاهرة بالإفطار، ومن ثم إلغاء القانون المجرم لذلك، يتبين له تهافت الحجج والطروحات التي يدفعون بها للإقناع بجدارة دعواهم، وخلوها من أي ذرة من الحكمة أو الحق، وأن الذي يوجهها إنما هو محض الهوى، وأن هدفها الأساس، إنما هو زعزعة الاستقرار، وكسر الإجماع، وبث روح الشقاق والتفرق والشتات.

يحاول أحد هؤلاء الدعاة إلى شرعنة الإفطار الفردي والجماعي جهارا نهارا خلال شهر الصيام في مقالة له في جريدة هسبرس الإلكترونية تحت عنوان سيكولوجية الصائم، أن يعتلي منصة المحلل النفساني الذي ينتهي تحليله إلى إظهار الصائم المشمئز من المجاهرين بالإفطار، بنية وسبق إصرار، في صورة الإنسان الذي يعز عليه أن ينفرد بمعاناة الجوع والعطش، بينما ينعم المجاهرون بالطعام والشراب، ويسمي هذه الحالة بالغيرة النفسية، في سياق تعديده للأسباب التي يراها كامنة وراء ما سماه اعتداء من الصائم على من يخالفه قناعاته،  بينما يحاول إظهار المجاهر بالإفطار في صورة المناضل البطل الذي يسعى إلى تحرير فعله المعاكس لتيار المجتمع العام، ناعيا على سلطة الدولة انحيازها إلى جانب المحتجين الآخذين على المعلنين بالإفطار، علما أن ذلك الانحياز، إنما هو ترجمة للقانون المجرم للإفطار علانية في نهار رمضان، الذي هو بدوره ترجمة لمقتضى الحفاظ على وحدة الشعب وهيبة المجتمع، أي على النظام العام. إنه بتعبير آخر، حيلولة مشروعة دون خرق سفينة المجتمع في موضع من مواضعها، أو نقطة حساسة من نقاطها، وهي نقطة الالتزام بركن من الأركان التي يقوم عليها صرحها وبناؤها. ومن عجب أن يأبى عصيد صاحب المقال على شعائر الدين وأركانه أن تكون قواما للنظام العام الذي يؤطر حركة المجتمع، يقول: إن الدين الذي يتم استعماله بإفراط من طرف السلطة في المجال السياسي سرعان ما يتحول إلى نظام عام عوض أن يظلّ في حدود الاختيار الشخصي، والمشكل هنا يتمثل في أن ما ينبغي أن يكون نظاما عاما لا يجب أن يدخل ضمن المعتقدات التي يختلف فيها الأشخاص فمن الواضح هنا أن هذا الكلام الفاسد في منطقه ومنطلقاته، يعبر عن كون صاحبه يعيش غربة قاتلة وغيبوبة شاملة عن حقيقة المجتمع المغربي وخط سيره، واستشراف مآلاته. فلو كان له أدنى قدر من الموضوعية والتجرد، لعلم أنه في مجتمع صاغه الإسلام الذي من أبرز خصائصه أنه يؤطر كل جزئية، ويهندس كل مجال من مجالات الحياة في ذلك المجتمع.

إن من أبرز مظاهر فساد المنطق عند صاحب المقال ومن لف لفه، أنهم لا يتورعون عن الاستناد في دعاواهم المضادة للدين، إلى آيات الدين، فتجدهم يحتجون بقوله تعالى:لا إكراه في الدين وكأن هذه الآية الكريمة تبيح لهم التطاول على أصحاب الدين ومشاكستهم، رغم كون هؤلاء هم المجتمع، وكون المتنصلين من الدين، ومنهم المطالبون برفع الحظر عن المجاهرين بانتهاك حرمة رمضان، قلة قليلة لا اعتبار لها في ميزان المجتمع، بأي معيار من المعايير.

والذي يتابع طروحات هؤلاء، يتبين أن ما يطالبون به وينشدونه على الحقيقة ليس هو حرية الكفر بالدين انطلاقا من قوله تعالى:ومن شاء فليكفر وإنما هو حرية انتهاك حرمة الدين ومحاربة الدين، في عقر دار أهل الدين، التي قامت على أساس الدين، وتلك لعمر الحق منتهى الصفاقة ومنتهى العقوق.

ومن مظاهر الغرابة في منطق هؤلاء، ومن عجيب المفارقات في الموضوع الذي نحن بصدده وهو الصيام، أنه عنوان الستر والتخفي بالنسبة للصائم الذي يتوجه بصيامه لرب العالمين الذي يعلم السر وأخفى، وتلك قمة التجرد والتسامي في خلق المسلم الذي ينشد رحمة الله وفضله، في مقابل غاية الانحطاط والارتكاس، لمن تركوا لشأنهم في التعامل مع شعيرة الصيام ممن لا يعتقدون فيه، فلم يكفهم ذلك، وراحوا يتباكون في مشهد مثير للاشمئزاز على حرمانهم من حرية الاعتقاد والسلوك، والحال أنهما مكفولتان لمن كفر بالإسلام، شريطة مراعاة شروط النظام.

إن من شأن الانسياق مع منطق المطالبين بالمجاهرة بالإفطار أن يفتح الباب واسعا على المجاهرة بأي سوء، فهل من معتبر؟

وصدق الله العظيم القائل في محكم التنزيل: وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُون(المؤمنون:71).

د. عبد المجيد بنمسعود

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>