المسلم بين الوفاء بحق الله وعدمه


الخطبة الأولى:
وبعد،
أيها المؤمنون والمؤمنات:
نقف اليوم مع حديث يرويه لنا أعلم الأمة بالحلال والحرام، معاذ بن جبل ، حديث يُكتَب في رأس قائمة الأحاديث الأعظم منزلة في ديننا، حديث ما ينبغي أن تغيب شمسه عن أفئدة المؤمنين برب العالمين، ولا عن عقول المنتظرين لنصر الله تعالى، ولاعن نفوس المتشوقّين إلى نعيم الله الكريم.
يقول معاذ كما في الصحيحين:
« كنت رديف النبي ، على حمار يقال له عفير، ليس بيني وبينه الا مؤخرة الرّحل،
فقال لي: «يا معاذ بن جبل» !
قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك!
قال: «يا معاذ بن جبل، أتدري ما حق الله على العباد؟»
قلت: الله ورسوله أعلم!
فقال: «حقّ الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا».
ثمّ سار ساعة فقال:«يا معاذ بن جبل»
قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك!
قال: «هل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟»
قال: «أنْ لا يعذبهم» ».
وسبحان من قال: فمن زُحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز . فالمطلوب من المسلم أن يكون عبدا لله ، وأن يحيى ويموت على عبادة الله رب العالمين، وأن يحقق وصف العبودية لله تعالى.
عباد الله! إن أعظم وصف يمكن أن يوصف به الإنسان في هذه الحياة الدنيا هو وصف العبودية لله الخالق الرازق، ومهما وصف الإنسان في هذه الدنيا بأي وصف أو لقب، فلا قدر لذلك كله، ولا وزن ولا شرف، ما لم يكن مقرونا بوصف « العبودية لله »
هذا الوصف، الذي زهد فيه بعض الناس اليوم ورغبوا عنه، هو الوصف والوسام الذي اختاره الله لأحبّ خلقه إليه، ولأعظمهم منزلة عنده، اختاره لسيد الخلق محمد : سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ (الإسراء: 1)، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أُنْزلَ عَلَى عَبْدِهِ الكِتَابَ (الكهف: 1)، وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ (الجن: 19).
جاء جبريل ذات يوم إلى النبي فقال له: « يا محمد ! إن الله يُخيرك بين أن تكون عبدا نبيا، وبين أن تكون ملكا نبيا ويجعل لك بطحاء مكة ذهبا، فقال: «لا يا أخي جبريل، بل أكون عبدا نبيا» ». فهذا ما اختاره لنفسه سيد ولد آدم .
اختار أن يكون عبدا بدل أن يكون ملكا متوجا، لأنه عرف حقا معنى العبودية، وهي أن يعيش عبدا حرا فيكون محبوبا مقربا.
فالعبودية حق لله ، لها مدلولها ولها تبعاتها ونتائجها، قال : «حق الله على العباد: أن يعبدوه».
فحقّ الله عليك أيها الإنسان أن تعبده، أن تكون عبدا لله مالك الملك، هذا ليس أمراً اختياريا، ولا نافلة، ولا تبرُّعاً، ولا مِنَّةً من جنابك لله رب العالمين، بل هو حق عليك، محتم عليك، دَيْنٌ في عنقك، واجب في ذمتك، لازم عليك. وأنْ تكون عبدا؛ إنما هو أمر إلهي، وفرض رباني، وحق سماوي عليك أيها الإنسان . فالله يطالبنا بحقه الجليل العظيم لنؤديه ونقوم به.
أيها المؤمنون:
مطلوب منا جميعا أن نقوم بحق العبودية والطاعة، لأنه حق لله الخالق علينا نحن المخلوقين من العدم مصداقا لقول الله تعالى: أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئَاً؟ (مريم: 67).
فالقيام بحق العبودية، تقدير لله العزيز الحميد وإجلال له، وانعدامه استهزاء بالخالق . يقول ابن عمر : قرأ النبي على المنبر ذات يوم: وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعَاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ (الزمر: 67).
وقال: « يُمَجّد الربّ نفسه، أنا الجبار، أنا المتكبر، أنا الملك، أنا العزيز، أنا الكريم ». فرجف المنبر برسول الله ، حتى قلنا: لَيَخِرَنَّ به.
هذا الربّ، هذا الإله العظيم الجليل، قال لنا الحبيب محمد، إنّ حقه علينا أن نعبده، فهل نحن ملبون دعوته؟ وخاضعون لربنا؟.
لقد لبى حق الله تعالى هذا الملائكة المقربّون، والأنبياء المرسلون، ولستَ – أيها الإنسان- بخير منهم، لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدَاً لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ (النساء:172).
فجبريل أمين الوحي قام بحق العبودية لله، وآدم أبو البشر، وإبراهيم أبو الأنبياء عليهم السلام، ومحمد سيد الخليقة ، والصدِّيق خير الأمة، كلهم كان عبداً لله العظيم الجليل، وقام بحقّ العبودية لله.
ولكن أناسا مسلمين اليوم نكثوا العهد مع الله تعالى، فلم يقوموا بهذا الحق، فصَمّوا آذانهم، ونكسوا رؤوسهم، وعبدوا سراب الدنيا الخادع، لا يبالون بحق الله في أن يعبدوه، بل إن آخر شيء يفكّرون فيه هو حق الله تعالى.
ولكن الويل والثبور إذا قصّر أحد في حقّهم، وتجاوز الحدود! وأما حق الله رب العالمين فهذا لا بأس بأن يهدر، وأن يؤخر، وأن ينسى، وأن يضيع، في نظرهم. ولقد قدم بعض المسلمين اليوم وبعض المتسلطين والحاكمين كل الحقوق على حق الله مع العلم أن حقه سبحانه آكد من كل الحقوق. يقول ابن الجبير: « وحَقُّ الله آكَد عليك من حق أبيك وأمك، وولدك وزوجك والناس أجمعين. فهل تدري أيها المسلم ما حق الله على العباد؟ »
أيها المسلم الكريم:
ماذا تنتظر حتى تقوم بحق الله؟ ألا تأخذ بوصية النبي حينما نصَحَك قائلا: «بادروا بالأعمال سبعا: هل تنتظرون إلا فقرا منسيا، أو غنى مطغيا، أو مرضا مفسدا، أو هرما مفندا، أو موتا مجهزا…».
ماذا تنتظر؟ بادِرْ وبَكِّر وقم واقطع حبائل الأماني والغفلة، واتصل بحبل الحق والعصمة.
أيها المسلم! ما يمنعك أن تقوم بحق الله؟ إن كانت الشهوات فقد جاء في الحديث: «يؤتَى بأنْعَم أهل الدنيا من أهل النار، فيُغمَس غمسة واحدة في النار، ثم يسأله الله: هل ذقتَ في حياتك نعيما؟ فيقول مقسما بالله: لا والله يا رب! ما ذقت في حياتي الدنيا نعيما قط».
وإن كان المال؟ ففي الآية الكريمة يقول الحق : يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (التوبة: 35).
وإن كان الأهل والأقارب ؟ فاله تعالى يقول: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (عبس: 34-37).
وإن كان الرزق والوظيفة؟ فقد جاء في الحديث :«لقد نفث فيَّ الروحُ القدُس: إنه لن تموت نفسٌ حتى تسكتمل رزقها وأجَلَها».
وإن كان اللهو ومغريات الدنيا؟ فقد جاء في الآية الكريمة : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ ولا أَولادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (المنافقون: 9).
فهل تدري أيها المسلم بعد ما حق الله على العباد؟.
أيها المؤمنون: أمْرُنا والله! عجيبٌ وغريب! لعدم استقامة أحوالنا. مع العلم بأن الله أنزل إلينا أحسن كتبه. وأرسل إلينا أشرف خلقه. ووهبنا الجسد والقوة والعافية، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة.
ودعانا إِلَى دَارِ السَّلَامِ، ووعدنا الجنة، وفتح لنا أبواب التوبة، وضاعف لنا الجزاء عن العمل ووعدنا بالسعادة والحياة الطيبة فقال: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً (النحل: 97).
عجيب ـ يا عباد الله ـ فعلا أمر هذا الانسان! يقول الله تعالى في الحديث القدسي: « إني والجن والإنس في نبأ عظيم، أخلق ويُعبَد غيري، وأرزق ويُشكر غيري، خيري إلى العباد نازل وشرهم إليّ صاعد، أتحبب إليهم بنعمتي وأنا الغني عنهم، ويتبغَّضون إليَّ بالمعاصي وهم الفقراء إليّ! ».
لا! لا أيها المتهاون بحق الله العظيم! لا! أيها المتغافل عن حق الله العظيم! فالله عزيز وشديد العقاب، قد حَذّرك نفسَه، فقال: وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ (آل عمران: 28-30).
فاحذر الله جيدا! إن الله خلَّد إبليس في النار لأمرٍ رفَضَه، وأهبط آدم من الجنة لنهْيٍ ارتكبه، وقطع يد السارق في ربع دينار، ورجم الزاني رجم الموت لشهوة دقائق، وأدخل امرأة النار بهرة حبستها، وأحبط عمل رجل لتألهه على الله، فكيف بك وقد أهدرت حق الله في أن يعبد؟.
أيها المتهاون بحق الله العظيم، لا تلومنَّ غدا إلا نفسَك، إذا اشتدت وطأة الملائكة على روحك وهي تنزعها من جسدك، إذا ضمّك القبر حتى اختلفت أضلاعك، إذا طردتك الملائكة عن حوض رسول الله .
أقول ما سمعتم وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسولنا الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: «يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد؟» .
أيها المؤمنون والمؤمنات: يقول بعض السلف الصالح: إن حياة العبد في علاقته بالله تعالى كلها دائرة بين أمرٍ ونهي، ومعصية ونعمة،
فأما حقه في الأمر فأَنْ تلتزم به،
وأما حقه في النهي فأَنْ تجتنبه،
وأما حقه في المصيبة فأَنْ تصبر عليها،
وأما حقه في المعصية فأنْ تتوب منها،
وأما حقه في النعمة فأَنْ تشكره عليها.
فاسلك أيها الإنسان طريق العبودية لله تعالى، وأَدِّ ربَّك حقَّه يعطك فضله، ويُدْخِلْك جنته ونعيمه،
اسلك أيها الإنسان طريق العبودية لله، فبها وحدها تشعر بأنك إنسان، وبأنّ لك كرامة، وبأنّ لحياتك قيمة ومنزلة.
اللهم اجعل أعمالنا صالحة، واجعلها لوجهك خالصة، ولا تجعل لأحد فيها نصيبا يا رب العالمين…

د. عبد اللطيف احميد

اترك تعليقا :

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *