نظـرات في « الوعـي الحضاري وإشكـالات الـمصطلح والـمفهـوم »


مقدمة:
هذه الكلمة عبارة عن نظرات، تمثل وجهة نظر من الوجهات، لم يقدر لها -لظروف قاهرة- أن توفى كل حقها من التحقيق والتوثيق؛ لكنها مع ذلك -فيما أحسب- لا تخلو من فائدة إن شاء الله تعالى، ولاسيما إذا اتسعت الصدور، لبعض ما فيها من نفثة مصدور، مما يخالف المألوف.
ومدارها على ثلاث نظرات هي:
النظرة الأولى: في ضرورة ضبط مصطلح الأمة.
النظرة الثانية: في الوعي الحضاري مصطلحا ومفهوما.
النظرة الثالثة: في إشكالات المصطلح والمفهوم.
النظرة الأولى: في ضرورة ضبط مصطلح الأمة.
المصطلح عنوان المفهوم، والمفهوم أساس الرؤية، والرؤية نظّارة الإبصار التي تريك الأشياء كما هي؛ بأحجامها وأشكالها وألوانها الطبيعية، أو تريكها على غير ما هي: مصغَّرة أو مكبَّرة، محدَّبة أو مقعَّرة، مشوهة النسق والخلقة، أو ملونة بألوان كالحمرة والزرقة. وما عهد قراءة الغرب بعينيه لتراثنا ببعيد. وما أثر نظارتيه الزرقاء والحمراء فينا بخفي.
ولقد كان مدار وحي الرحمن جل وعلا، مذ آدم حتى محمد عليهما الصلاة والسلام، على حفظ مصطلح الذكر من أن يصيب مفهومه تغيير أو تبديل؛ فتفسد الرؤية، ويقع الإفساد في الأرض إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (الحجر: 9) والتطابق بين الكتاب وأم الكتاب في الملأ الأعلى تام؛ وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم (الزخرف: 4) والتطابق بين الكتاب، ودين الله، وفطرة الله، وخلق الله، في الكون تام فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون (الروم: 30) ومن غيّر فقد أفسد ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها (الأعراف: 84).
وإنما مدار عمل الشيطان وحزبه، مذ إبليس إلى قيام الساعة، على محاولة تغيير المفهوم وتبديل المصطلح، أي تغيير الدين، والفطرة، والخلق؛ وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله (النساء: 11)، وفي الحديث القدسي: «خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم..» (أخرجه مسلم في كتاب الجنة، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار).
وما الجهود التي بذلها المستكبرون في الأرض، المعبِّدون الناس للطاغوت، قديما وحديثا، إلا صور من تلك المحاولات لتغيير المفهوم وتبديل المصطلح. وهذا فرعون ومومن آل فرعون في القديم، يتنازعان مفهوم مصطلح سبيل الرشاد وقال فرعون: ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد (غافر:29).
جواب: وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد مصطلح «سبيل الرشاد» متنازع بين مؤمن آل فرعون وبين فرعون.
وها هو اليوم مصطلح شريف كالجهاد، يغير مفهومه المتكبرون في الأرض، ويبدلون مصطلحه ليصير إرهابا، بعد أن غيروا مفهوم الإرهاب ليصير فعلا بعد أن كان حالا، ومكروها بعد أن كان مطلوبا. وكذلك الأمر في أغلب المصطلحات التي تقوم عليها الحياة؛ كالخير والشر، والعدل والظلم، والحق والباطل، والسلام والإجرام… غيّر مفاهيمها العالون في الأرض أصحاب الأهواء، ولووا أعناقها كما لوى فرعون عنق مفهوم الفساد، وهو يقول عن موسى إني أخاف أن يبدل دينكم وأن يظهر في الأرض الفساد (غافر 26).
وكأني بجميع الذين أنعم الله عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين في المنطق الإبليسي مفسدون، وكأني بهم في المصطلح الإبليسي المعاصر إرهابيون.
ألا ما أحوج الأسماء كلها التي عُلِّمها أبونا آدم إلى من يصونها ويحميها؛ بحراسة مفهومها، وصيانة استعمالها وتنزيلها.
وألا ما أحوج الأرض اليوم إلى من يقيم فيها مصطلح الذكر كما أنزل، لتستدير من جديد كهيأتها يوم خلق الله السماوات والأرض، ويقام الميزان والوزن بالقسط، فيقال للحق حق، وللباطل باطل.
ألا إن شأن المصطلح العام لعظيم، وتغييره أو تبديله مما يحسبه الناس هينا وهو عند الله عظيم، ومسه بسوء مس بالنظام العام للكون والحياة والإنسان.
هذا، والأمة اليوم، وهي على عتبة تجديد النطق والعمل بالشهادتين، تعاني من أمر المصطلح ما تعاني:
تعاني من أمر المصطلح الأصل، الذي به قامت، وعليه قامت، وله قامت، المصطلح الذي به كانت الأمة الوسط، وبه كانت خير أمة أخرجت للناس، وبه كان رجالها شهداء على الناس: مصطلح القرآن والسنة البيان؛ لا تفهمه حق الفهم، ولا تقوم به، أو عليه، أو له، ولا تقيمه، كما أمرت صدقا وعدلا، كما ينبغي له.
وتعاني من أمر المصطلح الفرع، الذي يمثل خلاصة تفاعلها مع التاريخ وفي التاريخ، المصطلح الذي يمثل كسبها وإسهامها الحضاري، في مختلف المجالات: مصطلح العلوم والفنون والصناعات؛ لا تعلمه حق العلم، ولا تقوّمه حق التقويم، ولا توظفه حق التوظيف.
وتعاني من أمر المصطلح الوافد، الذي يمثل فيضان الغرب وطوفانه الذي أغرق أغلب أجزاء الأمة، ولاسيما في العلوم المادية والعلوم الإنسانية، نتيجة هبوطها وارتفاعه. إذ المصطلح في الأمة اليوم:
• إما مصطلح أصل فيجب أن يقام:
وإقامة المصطلح الأصل هي الأصل، وإذا لم يقم الأصل، لم تقم الفروع، ومن ثم كان البدء ضرورة عند محاولة القيام بإقامة المصطلح، إقامة المصطلح الأصل: مصطلح الوحي الإلاهي، مصطلح كلام الله ، مصطلح كلام رب السماوات ورب الأرض رب العالمين، … مصطلح القرآن والسنة البيان؛ ففيهما خلاصة حق مصطلح الخلق من رب الخلق، وفيهما خلاصة حق مصطلح الأمر من رب الأمر. وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ (المائدة:48)، أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (الأعراف: 54).
وذلك يستلزم فيما يستلزم:
- إقامة لفظ المصطلح الأصل؛ بـأن يكون لفظه هو المستعمل في التواصل بين الناس بيانا وتبينا.
- وإقامة مفهوم المصطلح الأصل؛ بأن يفهم من لفظه ما فَهِمَه أو فُهِّمه من أنزل عليه أول مرة دون تغيير أو تبديل، بدلالة زمن التنزل للألفاظ.
- وإقامة العمل بالمصطلح الأصل؛ بالتخلق بما يقتضيه مفهومه في الفرد والجماعة والأمة؛ ذلك بأن الدليل على حاق التحقق هو التخلق. وكل ادعاء للفهم دون شاهد من العمل فإنما هو محض افتراء. ولو أحسنوا الفهم لأحسنوا العمل.
- وإقامة بيان المصطلح الأصل؛ بأدائه كما حُمِل، بعد حَمْله كما أُنْزِل. وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَه (آل عمران:187).
ولا إقامة للبيان دون إقامة لما سبق من التبين، لفظا ومفهوما وعملا.
• وإما مصطلح فرْع فيجب أن يُقَوّم:
بالنسبة لذاته أولا أي مدى كفاية جهازه المصطلحي في تمثيل بنية التخصص في كل تخصص.
وبالنسبة لأصله ثانيا أي مدى ملاءمة مصطلحاته ومفاهيمه للأصل الذي تفرعت عليه.
وبالنسبة لحاجة الأمة إليه ثالثا أي مدى استجابته وإجابته عن بعض حاجات الأمة الآنية أو المستقبلية.
وذلك يقتضي فيما يقتضي:
- حل معضلة النص توثيقا وتحقيقا وتكشيفا.
– وحل معضلة المصطلح إحصاء ودراسة وإعمالا.
• وإما مصطلح وافد:
فيجب قبل اعتماده أن يستقيم؛ بإخضاعه لفظا ومفهوما لعدة عمليات حتى ينسجم مع رؤية الأمة وخصوصيتها قبل المصادقة عليه للتداول.
النظرة الثانية: الوعي الحضاري مصطلحا ومفهوما.
والدرس له بمنهج الدراسة المصطلحية المعتمد في المعهد (معهد الدراسات المصطلحية) في الوقت المتاح للإعداد متعذر؛ ولذلك اقتصر على تناوله مفردا ومركبا كالآتي:
• مفهوم الوعي: وقد ذكرت له المعاجم عدة معان متقاربة متكاملة أهمها:
معنى الحفظ ولاسيما للحديث وهو أكثرها. جاء في لسان العرب: وعى الشيء والحديث يعيه وعيا وأوعاه: حفظه وفهمه وقبله فهو واع، وفلان أوعى من فلان أي أحفظ وأفهم ومنه الوَعِيّ: الحافظ الكَيّس الفقيه
ثم معنى الضم وهو أضلها عند ابن فارس. قال في المقاييس الواو والعين والياء كلمة تدل على ضم شيء . أما صاحب التحقيق فقال: والتحقيق أن الأصل الواحد من المادة هو حفظ مع احتواء بأن يحفظ شيء يجعله في ضمن شيء آخر واستيلائه (عليه) كالظرف، ماديا كان أو معنويا .
وزاد المعجم الوسيط في العصر الحاضر:
معنى سلامة الإدراك مشيرا إلى أنه مولد.
ومفهوم شعور الكائن الحي بما في نفسه وما يحيط به مشيرا إلى أنه مما أقره المجمع في علم النفس.
ولم تكد عبارة المعجم الفلسفي للمجمع تختلف عن ذلك.
أما المفسرون لكلمة واعية في آية الحاقة: 12 والشارحون لحديث «أبي أمامة: لا يعذب الله قلبا وعى القرآن» فأضافوا:
معنى الانتفاع مما حُفِظ، وإلا فلا وعي. قال قتادة: قوله أذن عقلت عن الله، فانتفعت بما سمعت من كتاب الله وقال ابن الأثير في (وعى القرآن): أي عقله إيمانا به وعملا، فأما من حفظ ألفاظه وضيع حدوده فإنه غير واع له .
فتحصل من هذا:
1 – أن مدار الوعي في المعاجم على المعاني المتكاملة الآتية: الجمع والضم، والحفظ والفهم والعلم، والعقل والتدبر والانتفاع، ومجموع ذلك يؤدي ويدل على سلامة الإدراك التي منها لدى علماء النفس: «إدراك المرء لذاته وأحواله وأفعاله إدراكا مباشرا وهو أساس كل معرفة».
• أن مجموع تلك المعاني يرشد إلى أن مكونات الوعي المعنوي -وهو موضوعنا- ثلاثة:
مادة هي موضوع الوعي، فهي التي تُحفظ وتُفهم…
وإنسان هو القائم بفعل الوعي، فهو الذي يعقل ويتدبر…
ونتيجة هي ثمرة فعل الوعي، فهي التي تميز الوَعِيّ، من الواعي، من غير الواعي، من الدّعِيّ.
وقد كادت كلمة ابن عطية النادرة في آية الحاقة تفي بالغرض حين قال إنها عبارة عن الرجل الفَهِم المنوّر القلب الذي يسمع القول فيتلقاه بفهْم وتدبر».
هذا عن الوعي لدى المعجميين والمفسرين والمحدثين
أما عن الوعي لدى المستعملين العرب المعاصرين في مختلف المجالات والتخصصات فبحر لا ساحل له، يمده من خلف الديار بحار، تحول، قبل السيطرة على متنه رقميا ببرامج حاسوبية، وعلى درسه منهجيا بالدراسة المصطلحية – تحول بينه وبين أي محاولة علمية جادة لضبطه -كغيره من نظائره- مصطلحا ومفهوما.

وعلى قاعدة (فإن لم يصبها وابل فطل) يمكن القول بالخرص لا بالدرس:
1 – إن الوعي في الاستعمال المعاصر واسع الانتشار في مختلف المجالات والتخصصات.

2 – إن حضوره في صنف العلوم الإنسانية
كالفلسفة وعلم الاجتماع وعلم السياسة وما يشبهها أكثر بكثير من حضوره في صنف العلوم المادية والعلوم الشرعية.
3 – إن استعماله بالمفهوم الغربي المترجم حديث السن، وإن كان أصله الغربي يرجع إلى عدة قرون.
4 – إنه يستعمل بمفهومين بارزين:
- أحدهما: يراد به الفقه الذي ينبغي أن يكون للشخص عن ذاته ومحيطه بمفهومهما الشامل في مجال ما. وهذا الأكثر انتشارا. وهو الذي يوصف بأوصاف حسب المجالات فيقال: الوعي السياسي، والوعي الاجتماعي والوعي القومي…الخ.
- وثانيهما: يراد به نوع من الإدراك المباشر للذات والمحيط، به نحدد موقعنا في الزمان والمكان. وهو الذي يقابل في علم النفس اللاوعي ، بمعنى الانقطاع عن العالم الذي تمثل الغيبوبة صورته القصوى.
• إن من التعاريف التي عُرف بها:
• أنه جميع العمليات النفسية الشعورية.
• أنه قدرة إدراكية يستعملها الإنسان في إدراك ذاته وإدراك الوجود من حوله.
• أنه إدراك للذات والأشياء في ديمومتها، فهو انفتاح على الحاضر والماضي والمستقبل (برغسون).
• مفهوم الحضارة: وأبرز معاني الحضارة اللغوية:
الإقامة في الحضر قال القَطَامِي:
ومن تكن الحضارة أعجبته
فأيَّ رجال بادية ترانا
وهي من الحضور نقيض المغيب قال صاحب التحقيق: والتحقيق أن الأصل الواحد في هذه المادة هو ما يقابل المغيب؛ أي الحالة المتحصلة المستقِرّة بعد القدوم إلى شيء .
وقد تطور معناها إلى معنى قدحي عند ابن خلدون؛ إذ جعل الحضارة غاية العمران ونهاية لعمره وأنها مؤذنة بفساده أي إنها مظاهر الترف والتنعم التي يقبل عليها المجتمع بعد إقبال الدنيا عليه فتهلكه. قال مفصلا فيها القول:
والحضارة إنما هي تفنن في الترف وإحكام الصنائع المستعملة في وجوهه ومذاهبه من المطابخ والملابس والمباني والفرش والأبنية وسائر عوائد المنزل وأحواله، فلكل واحد منها صنائع في استجادته والتأنق فيه تختص به ويتلو بعضها بعضاً، وتتكثر باختلاف ما تنزع إليه النفوس من الشهوات والملاذ والتنعم بأحوال الترف، وما تتلون به من العوائد. فصار طور الحضارة في الفلك يتبع طور البداوة ضرورة، لضرورة تبعية الرفه للملك.
أما في العصر الحاضر فلها مفهومان مدحيان بارزان:
- أولهما: أنها جملة مظاهر التقدم المادي والمعنوي التي يعرفها مجتمع من المجتمعات
– ثانيهما: أنها مرحلة سامية من مراحل التطور الإنساني المقابلة لمرحلة الهمجية والتوحش والاستعمالان معا وافدان من الغرب، حسب رؤية الغرب.
ومصطلح الحضارة إنما هو ترجمة لمفهومهما معا، دون تعريب أو أسلمة.
• مفهوم الوعي الحضاري:
وهو مركب وصفي من مصطلح الوعي بالمفهوم الأول، ووصف الحضاري من مصطلح الحضارة بالمفهوم الثاني. أي إنه مجموع الفقه الذي ينبغي أن يكون للشخص عن ذاته ومحيطه بمفهومهما الشامل، في اتجاه إنتاج المستقبل الأفضل بمفهومه الشامل، له ولأمته وللبشرية جمعاء.
- فبـ مجموع الفقه يخرج بعض الفقه، ويخرج ما لم يصل من الفهم إلى درجة الفقه.
- وبـ ينبغي أن يكون يخرج ما هو كائن مما لم يصل إلى درجة ما ينبغي أن يكون.
- وبـ مفهومهما الشامل تخرج الذات الخاصة والجزئية، والمحيط الخاص والجزئي. ويدخل الزمان عموديا، والمكان أفقيا، على امتدادهما.
- وبـ في اتجاه إنتاج يخرج العلم الهائم غير القاصد، والفقه الساكن غير المحرّك.
- وبـ المستقبل الأفضل بمفهومه الشامل له ولأمته وللبشرية جمعاء يخرج كل نظر قصير، أو مصلحي، أو جزئي.
ويبقى مع ذلك تأثر الواعي الحضاري ضرورةً بالرؤية التي منها ينطلق، والمعايير التي بها يزن الأفضل من غيره، والمفاهيم التي له عن الكليات والمكونات العامة للذات والمحيط والمستقبل الأفضل.
هذا، ومجال تحرك هذا المصطلح بهذا المفهوم هو مجال الفكر الإصلاحي، بما له من استيعاب وتوظيف للمعطيات التاريخية والواقعية، زمانيا ومكانيا ويشريا، من أجل صنع المستقبل الأمثل، مستفيدا من الموجود إلى أقصى الحدود، ومن الممكن إلى أقصى حد ممكن.
ذلك بأنه –وهو مصطلح مركب من شقين- ينبغي أن يكون على الأقل مكونا من عنصرين كبيرين:
1 – عنصر المادة/الموضوع التي هي إدراك للذات والأشياء في ديمومتها حسب تعريف برغسون للوعي.
2 – عنصر الوصف/الهدف الذي هو رسم لملامح مستقبل شامل أمثل يمثل «مرحلة سامية من مراحل التطور الإنساني» حسب التعريف القيمي للحضارة/الوصف، لا للحضارة/المظاهر التي يتجلى فيها الوصف.
والمفروض أن يكون لهذا المفهوم موقع في نسق أو أنساق الوعي والحضارة، يحدد خصائصه وعلائقه، وضمائمه -إن كانت- وقضاياه، وييسر فهمه بغيره، وفهم غيره به. ولكن ذلك ومثله لا يستطاع:
في غيبة حل معضلة النص، بالإعداد العلمي الشامل للنص.
وفي غيبة حل معضلة المصطلح، بالإعداد العلمي الشامل للمصطلح،
وفي غيبة حل معضلة المنهج، بالإعداد العلمي الشامل للمنهج.
النظرة الثالثة: إشكالات المصطلح والمفهوم.
تلكم كانت نظرات في الوعي الحضاري مصطلحا ومفهوما.
فماذا تثير تلك النظرات من إشكالات ؟
للجواب عن السؤال لابد من تقديم بعض المقدمات الممهدات:
المقدمة الأولى: في أن المصطلح الأصيل، أولى في الاستعمال من المصطلح الدخيل أو الذي يحتاج إلى تأصيل؛ ذلك بأنه يمثل استمرار الذات، ويمنع القطيعة مع التراث، ويسهل التواصل والحوار بلغة الذات، ويمكن لمصطلحات ومفاهيم الذات، ويجعل الخطاب يتغلغل، والرسالة تبلغ، إلى أعماق الذات، في أقل الأوقات وبأقل النفقات.
المقدمة الثانية: في أن المفهوم الجاهز البناء، أولى في الإحالة عليه من المفهوم الذي يحتاج إلى بناء أو إعادة بناء؛ ذلك بأن الطاقة في الجاهز تصرف في الترويج والتمكين، والإحالة عليه إحالة على معلوم محدد. أما الذي يحتاج إلى بناء، فأغلب الجهد فيه ينصرف أولا إلى إعطائه حق الوجود. وفي ذلك ما فيه من ضياع الطاقة والوقت والجهد، لاسيما في مجالٍ رصيدُ الأمة المفهومي فيه ليس بهين.
المقدمة الثالثة: في أن الأمة أمة القرآن، فلا تجمعها ولا تحركها مصطلحات كمصطلحات القرآن، ذلك بأن الأمة صنعت بالقرآن؛ عرفت ربها بالقرآن، وصدقت نبيها بالقرآن، وتعلمت دينها من القرآن، وعرفت الدنيا والآخرة بالقرآن، وكونت رؤيتها ومنهاجها بالقرآن؛ به قامت، وعليه قامت، وله قامت. هو الذي أمدها بأصول المصطلحات، وهو الذي بنى لها مفاهيم تلك المصطلحات. فلا يجوز لمن حمل هم الإصلاح والبعث في الأمة، أن يلتمس الهدى المصطلحي أو المفهومي في غير عالم القرآن الذي هو أصل أصول الإصلاح.
إن المصطلح القرآني، لقرآنيته، ذو طبيعة جامعة.
وإن المفهوم القرآني، لقرآنيته، ذو طبيعة منهضة.
فالقرآنَ القرآنَ يا أهل الإصلاح !!
المقدمة الرابعة: في أن غموض المصطلح واضطراب المفهوم، يمنع وصول الرسالة بدقة إلى الخاصة من الأمة بله العامة. وهذا الأمر في غاية الوضوح.
ولذلك على المتصدين للإصلاح -بارك الله تعالى في جهودهم- أن يرفعوا اللافتات الدقيقة الواضحة، وان يخاطبوا الأمة بما يسهل عليها وعيه واستيعابه، وإلا كثر المجهود وقل المردود.
وبناء على ما تقدم،
فالإشكالات التي يثيرها الوعي الحضاري مصطلحا ومفهوما كثيرة متعددة منها:
1 – أنه غامض غير دقيق في تسميته للمراد وإحالته عليه مفردا ومركبا، ولاسيما حين يوضع في سياق بعث الأمة، ودفعها للنهوض من جديد: ما المقصود بالوعي المراد من الأمة بالضبط؟ ما المقصود بالحضاري بالضبط؟ ما المقصود بالمركب منهما؟ ما علاقته بكتاب ربها؟ ما علاقته بسنة نبيها؟ ما علاقته بتراثها؟ ما علاقته بآلامها الحاضرة؟ ما علاقته بآمالها وتطلعاتها؟
إن المصطلح، أي مصطلح، لا يفلح في أداء وظيفته أو وظائفه حتى يدق.
وإن المصطلح، أي مصطلح، يجب أن يعين مسماه (أي مفهومه) كما يعين العَلَم مسماه.
فهل الوعي الحضاري يعين مسماه كما يعين العَلَم مسماه؟
2 – أنه غريب عن الجهاز المصطلحي والمفهومي للأمة مفردا ومركبا؛ فلم تألف الأمة في مصطلحها الأصل قرآنا وسنة، ولا في مصطلحها الفرع في مختلف أصناف العلوم الشرعية والإنسانية والمادية، شيئا يقال له «الوعي الحضاري»، ولا شيئا يقال له الوعي، أو الحضارة، بالمفهومين اللذين يستعملان بهما اليوم.
3 – إن التمكين له، وهو الضخم القامة والحجم، تمكين تتأثر به –إن لم نقل تتضرر به- مساحات هائلة من الخريطة المفهومية للأمة؛ ذلك بأنه قابل لأن يبتلع عددا من المفاهيم، ويحيل عددا من المصطلحات بغير حق على التقاعد، ولكنه في الآن ذاته غير مرشح لا مصطلحيا ولا مفهوميا لوراثتها.
وبالمثال يتضح المقال:
لنقرأ هذا النص لأحد العلماء الغيورين المتعطشين شوقا إلى نهضة الأمة والتمكين للدين. يقول في سياق تحديد المقصود بالوعي الحضاري: الوعي هو الوقود الحقيقي لحركة العمران التي انطفأت في الأمة منذ قرون. ولابد من إشعال الوعي الحضاري الذي يدركه كل مسلم، وينطلق من خلاله إلى الإصلاح والتغيير .
في هذا النص جملتان كبيرتان:
الجملة الأولى تقرر أن الوعي هو الوقود الحقيقي لحركة العمران التي انطفأت في الأمة منذ قرون.
وباستعمال معجم الأمة المصطلحي وجهازها المفهومي، لا يستطاع فهم المراد من هذه الجملة، وذلك بسبب كلمة «الوعي» التي تتصدر الجملة، وتتصدر الحكم، والتي أسند إليها ما أسند من تأثير كبير وخطير في تاريخ الأمة؛ إذ يلتفت المتلقي من أبناء الأمة اليوم وراءه إلى التاريخ فلا يجد ذكرا لهذا المصطلح الذي فعل كل هذا، والذي أمد الأمة على مدى قرون بهذه الطاقة العمرانية الهائلة؛ يفتش في الموروث ثم يفتش،… يُرجع البصر في الأصول والفروع، فينقلب إليه البصر خاسئا وهو حسير.
ماذا يصنع لفهم المراد؟
يرجع إلى مخزونه من معجم الأمة، فتتسابق إليه المصطلحات الجديرة بذلك الإسناد، يقْدمها مصطلح الإيمان، وتتزاحم على ذاكرته ألفاظ الدين والإسلام والوحي والقرآن وأشباهها؛ زحزحها لفظ الوعي بغير حق عن مواضعها، فيضع مصطلح الإيمان بحق، مكان مصطلح الوعي بغير حق، فتستقيم له العبارة هكذا:
الإيمان هو الوقود الحقيقي لحركة العمران …
فيفهم المراد، ويطمئن إلى الإسناد الحقيقي للإسناد.
ومثل ذلك يمكن أن يقال عن:
الجملة الثانية: «ولابد من إشعال الوعي الحضاري الذي يدركه كل مسلم وينطلق من خلاله إلى الاصلاح والتغيير».
أي لابد من تعويض مصطلح الوعي الحضاري بمصطلح الإيمان أو شبهه؛
فالإيمان هو الذي انطفأ قبل ويجب أن يشعل،
وهو الذي يدركه كل مسلم، وينطلق من خلاله إلى الاصلاح والتغيير،
أما الوعي الحضاري فيكاد النسق المفهومي المرجعي للأمة يتبرأ منه تبرؤا.
خاتمة:
الأمة، كما تقدم، لها معجمها الاصطلاحي الخاص:
فيه المصطلح الأصل: مصطلح القرآن والسنة البيان. وهذا أساس البنيان.
وفيه المصطلح الفرع: مصطلح العلوم والفنون والصناعات. وهذا، بعد التقويم له على هدى الأصل، منه تتكون طوابق البنيان.
وبهما معا، على رتبهما، يستقبل المصطلح الوافد: مصطلح ما جد على الأمة مما ليس عندها في مختلف العلوم والفنون والصناعات. وهو، بعد المصادقة على استقامته، فيه بعض التكميل للبنيان.
ذلكم المعجم الخاص، ولاسيما المصطلح الأصل، قد فرطت فيه الأمة غاية التفريط؛ فلم تعد تفهمه حق الفهم، ولا تعمل به حق العمل.
فوجب تجديد العناية به، ليتجدد مفهومه والعمل به، ويتجدد إعمال مصطلحه بعد إهماله.
ولن ينهض بذلك في الأمة إلا الجيل الراسخ الناسخ، الذي خرج من الظلمات إلى النور، ليخرج الناس بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد.
فهل إلى ذلك الخروج أو الإخراج من سبيل؟
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات

الأستاذ الدكتور: الشاهد البوشيخي*
————-
(*) الأمين العام لمؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع).
والمدير المؤسس لمعهد الدراسات المصطلحية.
فاس – المغرب

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>