افتتاحية – إلــى عــقــلاء الأمــة


ما فتئ هذا المنبر وفي هذا الركن من الجريدة يرفع صوته أحيانا ويهمس أخرى بأن واجب الوقت على الأمة حفظ وحدتها وصون بيضتها وجمع كلمتها، وهجر ما يفرقها، والسعي كل السعي في ما يوثق عراها، ويلحم بين مدنها وقراها، ويدفع إلى تكامل أمصارها وأقطارها، ويؤلف بين مشاربها ومذاهبها. غير أن الفتق لا يأبى إلا اتساعا، والقلوب لا تُؤْثِر لحد الآن إلا اختلافا ونزاعا، فهي لصوت الفرقة سماعة ولكل داع للحرب طائعة منصاعة، ولِـمَا يَنْقُضُ عُرى الجماعة نَزَّاعة.
لقد مرت على الأمة قرون طوال من المحن، أوغِرت فيها الصدور بالكراهية والإحن، ومرت عليها عصور من الضعف والقصور عجزت عن حفظ ما شاده الأخيار ـ في مراحل ازدهارهاـ من القصور في المباني والمعاني، وجاءت فترة تكالبت عليها الأمم، وتطاوَل عليها ضعاف الهمم، وسِيمَ فيها ذوو الكرامة والشيم كل ألوان البلايا والنقم، فتعالى الطعن بالألسنة والأسنة بين السنة والسنة، واستعرَّت الوقيعة بين الإخوة: السنة والشيعة.. فرحماك ربنا من العواقب الوخيمة والشنيعة، ورحماك رحماك أن تحفظ أمة الخيرية قوية منيعة.
فيا عقلاء الأمة ورشداءَها !أدركوا هذه الأمة من ازدياد تفرق القلوب، واشتعال نيران الحروب، وادفعوا عنها ما استطعتم شرور المحن والكروب!
فهلا سعيتم إلى الوحدة التي أمرنا بها ربنا السميع العليم، وهلا سمعتم ووعيتم قوله جل وعلا: {وإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ}(المومنون: 52)، وقوله سبحانه: {فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا. كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}(الأنبياء: 92)، {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعبدونِ}(الأنبياء: 92) وهو القائل: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ. وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}(الحجرات: 10)
وهيا للإصغاء لنبينا الهادي الأمين وهو يأمرنا حيث يقول: «المسلمون تتكافأ دماؤهم وهم يد على من سواهم، يسعى بذمتهم أدناهم ويرد عليهم أقصاهم» (سنن ابن ماجة)
وهيا لتجنب ما حذرنا منه رسولنا الكريم [ حين قال: «من شق عصا المسلمين والمسلمون في إسلام دامج فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه» (الطبراني في الكبير)
ومن منا يلقي السمع وهو شهيد إلى قول الله العلي الحميد {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا}، وإلى قول الرسول [ حين ينصحنا بما يجمع شملنا ويحذرنا مما يضعف قوتنا ويوهن شوكتنا: «ألا أخبركم بأفضل درجة من الصيام والقيام والصدقة:؟! إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة» (مسند الإمام أحمد)، وإلى قوله [ : «لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا، وكونوا عباد الله إخوانا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث»(سنن أبي داود)؟!
وكم حذر مصلحو هذه الأمة من الفرقة وبذلوا جهودهم في جمع الكلمة لما فيها من خير ورحمة، وكم عانى كثير منهم من لهيب الألسنة وطعن الأسنة لدفع دواعي الفرقة وما تجره من بأس ونقمة!
وكم وضع علماؤنا من ضوابط لفقه الاختلاف والائتلاف التي ترَشِّد مسيرة الأمة نحو الوحدة والوفاق وتعصمها من الانزلاق في براثن الشقاق والافتراق! ويكفي شاهدا على هذا ذكر القاعدة التي قررها الإمام الشاطبي المغربي الأندلسي رحمه الله تعالى وهي قاعدة ذهبية لتمييز الحق من الباطل في كل خلاف فيقول: «كل مسألة حدثت في الإسلام فاختلف الناس فيها ولم يورث ذلك الاختلاف بينهم عداوة ولا بغضاء ولا فرقة، علمنا أنها من مسائل الإسلام. وكل مسألة طرأت فأوجبت العداوة والتنابز والتنافر والقطيعة، علمنا أنها ليست من أمرالدين في شيء..»(الموافقات4/ 186، والاعتصام 429)
فهل من أوبة جماعية للاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة رسوله الكريم [؟!
ألم يان للذين آمنوا أن يذروا ما شُيِّد باطلا من الخلافات المذهبية والعرقية وما رفع من رايات العصبية الماحقة ماضيا وحاضرا، ويلتئموا تحت راية الإسلام العاصمة من الشرور والقواصم، والجامعة لما تفرق من البلدان والعواصم، والرابطة بين ما تنازع وتباعد من القلوب والشعوب؟!
أليس في الأمة رشداء حكماء من السادة العلماء والأمراء والوجهاء يسعون بالخير بينها ويصلحون ذات بَيْنِها ويؤلفون قلوب بَنِيهَا؟!
أليس من واجب الوقت ترك ما مضى من خلافٍ وهِجران ورأب ما تصدع من البنيان، وتوحيد قبلتنا جميعا قلبا وقالبا، حقيقة ومجازا نحو كلمة سواء تصفو معها القلوب صفاء؟!
نعم آن الأوان لأن يتعافى جسم الأمة من كل الخلافات والاصطفافات فينهض تعليمه بواجب التربية على الأخوة الإيمانية على موازين السنن القرآنية، وهدايات السنة النبوية، وحان الوقت ليكف إعلامنا عن زرع بذور الفرقة وتوسيع الهوة والشقة.
إن أمتنا اليوم أحوج ما تكون لفقه قواعد الاختلاف وسنن الله تعالى في الاجتماع والائتلاف فقها وعملا ودعوة؛ فعلى قواعد الائتلاف ومقاصد الوحدة يجب أن يربى صغيرنا وكبيرنا، وبها ينصح أميرنا، وبها يصلح واقعنا المشهود ونرتقي إلى موقعنا المنشود.
{ لِمِثْلِ هَٰذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ}، {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً ۖوَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}(الأنفال: 25).

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *