سلسلة منازل الإيمان – منزلة العِلم (الأخيرة)


بالعِلم المفيد تكتسب الربانية

1 – منزلة العلم منزلة ربانية:
عندما ترى من له علم بالكتاب أو السنة، ولكن لا يتحلى بالرَبَّانية، فاعلم أنه لم يسلك الطريق الحقيقي للعلم، {وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أو {تَعَلَّمُونَ الْكِتَابَ}، أو {تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ}، العالم بالله، أو العارف بالله هو الذي سلك بعلمه إلى الله عز وجل، {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا}، لأن زيادة العِلم تكون بالإيمان، والعلم الذي لا يزيد صاحبه إيماناً ليس بعلم في التعريف الرباني للعلم، من هنا أصدر العلماء قاعدة عجيبة، قالوا فيها: (كل علم ليس تحته عمل فهو باطل)، أي علم في الشرع لا يزيدك إيمانا وعملا فهو باطل، لا حاجة لك بِه، وهذا منهج قرآني ونبوي، فحينما سأل الناس النبي [ عن الروح، ماذا يعملون بها؟ -علم لا ينفع-، لماذا؟ لأنه يستحيل على العقل البشري تحصيل الفائدة ويستحيل عليه الإحاطة والإدراك، ولذلك فهذا مما لا ينبغي للإنسان أن يسأل عنه، فكان أن أجاب الله عز وجل عنه بقوله: {قُلِ الرُّوحُ مِنْ اَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا}، وأغلق الباب في وجه كل طالب علم ليس وراءه عمل، لأنه يضيع عمره كاملا وهو يبحث في ذلك المجال ولا يصل لشيء، فيبقى دون عمل، ودون إيمان {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا، فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا، إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا}، لا يمكن نهائيا للإنسان أن يعمل في طريق الإيمان وهو يبحث عن الساعة، لكن يستفيد من أماراتها كما في حديث جبريل لما سأله عن الساعة قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، -أنا وإيَّاكْ مْتساويين في الجهل بها- « … قال: فأخبرني عن أماراتها، قال: أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة رعاء الشاه يتطاولون في البنيان…» إلى آخر الحديث، أعطاه الأمارات، وهذه الأمارات مُشَجِّعات على العمل، الإنسان عندما يرى الدنيا تتقلب وتتبدل، عليكَ بالمساجد وبالذكر، تلك نُذُر من الله أن قد اقترب موعدها، فالمؤمن الكيس الفطن من يرى أن الحقائق التي تقع إنما هو الربُّ عزّ وجلّ يتصرف في ملكه، لا يظن أحد أن دولة ما تملك قراراتها، أو أن حكومة فعلت شيئا بقدرتها وذكائها، ولكن الله عز وجل يُقدِّر مقاديره في الكون، ويتصرف فيه، ويهيئ له أسباب الحق وأسباب الباطل على أيدي عباده فتنة وابتلاء {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً}، المؤمن إذن من يرى الوجود على أنه خيوط، حركاته، سكناته، أحياؤُه، نباته، جماداته، خيوط كلها تنتهي إلى يد الرحمن رب الكون سبحانه وتعالى، إذن العِلم المفيد هو الذي يَسلُك بك إلى الله عز وجل وتكتسب به الربانية، الانتساب إلى الرب سبحانه وتعالى، يعني أن تكون عبدا لله، مرتبة عُليا من مراتب العبادة الربانية، من يُربي بصغار العِلم قبل كباره، يكتسب خُلُق كل واحدة ثم ينتقل للأخرى، يكتسب خُلُق الصغيرة كي يُحصِّل القدرة ويصعد درجة، هذه سلوكات، ومهارات وقُدرات، الطفل الصغير الذي مثلنا به سابقا، لم تكن لديه معرفة لصعود درجة، ولكنه اكتسبها، وحينما اكتسبها صار يتعلم اكتساب الدرجة الثانية، ولا يمكن أن يفكر في الدرجة الثالثة حتى يُحَصِّل معرفةَ صعود الدرجة الثانية، يُربي بصغار العِلْم قبل كباره كما هو منهج النسخ في القرآن.
2 – علم الآخرة هو غاية العلم :
والعلم الذي نتحدث عنه هو علم الإيمان الذي يملأ القلب والوجدان بِحُبِّ الله عز وجل، ويُعلِّقُه بالمساجد، «ورجل قلبه مُعلّق بالمساجد»، ويملأه بحبّ الله عز وجل وبالرغبة في الدار الآخرة، وهذه درجة أخرى من العِلم الرباني الذي يُعطي هذه المنزلة، منزلة الإيمان الربانية، إنه عِلم الآخرة، كما في الحديث الصحيح قال رسول الله [ : «إن الله يبغض كل جعظري جواظ، صخاب بالأسواق، جيفة بالليل، حمار بالنهار، عالم بالدنيا، جاهل بالآخرة»(رواه البيهقي في السنن وابن حبان في صحيحه.. وقال عنه الألباني في صحيح الجامع: صحيح)
الإنسان الخبيث، الذي صوته يعمر الدنيا بالآثام، وأخلاقه خشنة، قال فيه الرسول عليه الصلاة والسلام: عالِمٍ بالدنيا، جاهِلٍ بالآخرة، فعالِم الدنيا يعرف أمور الدنيا، لا يخدعه الناس وهو يخدع الناس، هذا عالِم بالدنيا، جاهل بالآخرة، لأن له الرّغبة في الخداع والغش، همه الدنيا ولا يلتفت للآخرة، فهناك العالم بالآخرة وهناك الجاهل بالآخرة،
إذن قد يكون الإنسانُ عالماً بمعنى حافظاً لكثير من النصوص وكثير من الفقه، ولكنه جاهل بالآخرة، فإذن ما العلم الذي يوصل إلى الآخرة؟ إنه عِلم الربانية، الذي يُربِّي بصغار العِلم قبل كباره، {وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ}، فعِلم الآخرة إذن هو غاية العلم، فأي شيء يريد الإنسان أن يتعلمه يجب أن يسأل: ما حظّه من الآخرة؟ هذه الصنعة، هذه الحرفة، هذا العلم، هذه الخطوة، هذا الشغل، ما موقعه من الآخرة؟ طبعا لا يُعرف هذا إلا بعلم الكتاب، إلا بمعرفة الحلال والحرام، ومعرفة الحلال والحرام عندها حقائق، حقائقها هي هذه، تسأل عن وضعها في الآخرة، والمؤمن هو الذي يَحمِلُ همّ الآخرة، ومن جعل همَّه همّاً واحداً، أي همّ الآخرة، كفاه الله هموم الدنيا والآخرة، عن عبد الله بن مسعود ] قال: سمعت نبيكم [ يقول: «من جعل الهموم هماً واحداً، هم آخرته، كفاه الله هم دنياه، ومن تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا لم يبال الله في أي أوديتها هلك « (رواه ابن ماجه وهو صحيح) ، كفاه الله هم دنياه معناه أن الإنسان لا يتصرف تصرفاً دنيوياً إلا على وِزان الآخرة، وقواعد اليوم الآخر على هذا الوِزان.
3 – العلم بحقائق الدين لا برسومه وأشباحه :
إذن وعلى هذا المعنى قال الله عز وجل {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}، وإنما أداة حصر، بمعنى أنه من يخاف الله حقيقة من الناس هم العلماء، وبعض الناس يَستشكِل هذا، يقُول: هناك كثير من العلماء ولكن لا نرى فِيهم خوف الله؛ العلماء هنا هم العلماء بالله، هم العلماء بحقائق الدين لا برسومه وأشباحه، العلماء بالله، هم العلماء بالآخرة، عندما أنكر الكفار ما أنكروا، واستهزؤوا بالرّسل، وفعلوا ما فعلوا، وتبعهم المنافقون في ذلك، قال لهم الله عز وجل {ذَلِكَ مَبْلَغهُم مِنَ الْعِلْمِ}، وهل كفّار هذا الزّمان ليسوا بعلماء؟ بل كثير منهم علماء، ولكن ليسوا علماء بالله، ولا هم علماء باليوم الآخِر، كثير منهم علماء بيولوجيون وجيولوجيون، ولكن ما قادهم ذلك إلى الله عز وجل بل ضلوا به ضلالاً بعيداً، فلا ينطبق عليهم قول الله عز وجل: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}، لأنهم ليسوا بعلماء، الاصطلاح في الآية خاصّ بالعلماء بالله الذين امتطوا صهوة العلم سيراً إلى الله عز وجل، ويمكن للإنسان أن يكون من العلماء بهذا المعنى الذي في الآية، بآية واحدة {بلغوا عني ولو آية}، عندك آية من كتاب الله، يمكن أن تكون من العلماء الذين يخشون الله بتلك الآية، مراراً قال الصحابة عن سور وعن آيات قليلة لو عمل الناس بهذه الآية أو بهذه السورة لكفتهم، كفتهم في العِلم بالله، كما قالوا في سورة {وَالْعَصْرِ، إِنَّ الاِنْسَانَ لَفِي خُسْر، إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}، آية واحدة تعمل بِهَا عمرك، توصلك إلى الخشية، تَدَبَّرْ ولو آية من القرآن، تدبر ما استطعت من كتاب الله عز وجل، {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}، كل عالم إلا وهو ناقص في شيء، فكمال العلم إنما هو لله، {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}، أنتم، أي أنتم جميعا بني آدم، فإذن يسير العلمِ يُبلِّغُك مبلَغَك إن كنتَ من العاملين، إن كنتَ من المتربِّين بصغار العلم قبل كباره تفز بإذن الله عز وجل، وإلا ولو حَفظْتَ ما حَفِظتَ فسيُقال لك {ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ}، حتى أنت، ولو كنتَ من الحفَّاظ، لكن حفاظ بغير عمل، أو بغير تَدَبُّر ما تَحفَظ فسيقال لك: {ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ}، أما العلم الراقي العالي الذي يُبَلِّغُه الربّ عز وجل فإنما هو {وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ}، مما يُفيدُ في التّخلُّق بأخلاق القرآن الكريم، كما قيل عن رسول الله [ : «كان خلقه القرآن» ويفيد في اكتساب صفات النبوة من الشمائل المحمدية.
فاللهم اجعلنا من المتقين، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه واجعلنا لك من الشاكرين، اللهم خلِّقنا بخُلُق القرآن، اللهم ارزقنا أخلاق النبوة، اللهم ارزقنا أخلاق رسول الله عليه الصلاة والسلام، اللهم اجعلنا على أثره، اللهم لا تزغ طريقنا عنه يا ربنا يا أكرم مسؤول ويا خير مأمول.
فريد الأنصاري رحمه الله تعالى
———–
* منزلة العلم من حلقات منازل الإيمان التي ألقيت بالجامع الأعظم بمكناس وهي مادة مسجلة على شريط سمعي.

أعدها للنشر : عبد الحميد الرازي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>