مع سيرة رسول الله – نحـو تحديد منهجي لعلم السيرة النبوية الكاملة (*)


3. نسبة علمِ
السيرة النبوية الكاملة (3)

علاقة علم السيرة النبوية الكاملة بالسنة وعلم الحديث

يواصل الدكتور يسري إبراهيم في هذه الحلقة الحديث عن نسبة علم السيرة النبوية، ويخص علاقته بالسنة وعلم الحديث. فما هي علاقة علم السيرة بالسنة والحديث؟

علم الحديث في جانب الرواية والدراية قد اعتنى- من غير شكٍّ- بالسيرة النبوية، وتبدأ العلاقة وثيقةً بينهما من المعنى اللغويِّ المترادفِ للسنة والسيرة؛ إذ كلاهما- لغةً-: بمعنى: الطريقة، محمودةً كانت أم مذمومةً (1).
وأما في الاصطلاح، فيقول العلامة جمال الدين القاسمي- عن السنة-: «ما أُثِرَ عن النبيِّ من قول أو فعل أو تقرير أو صفة- خَلْقية أو خُلُقية- أو سيرة سواء أكانت قبلَ البعثة أو بعدَها» (2).
وهذا التعريف من القاسمي رحمه الله يُوقِعُ السيرةَ النبوية بتمامها داخلَ علمِ الحديث بتمامه.
وهو في هذا المنحى يؤكد ما قاله إمامان كبيران من أهل الحديث في جانب استيفاء ما يخصُّ المصطفى من وقائع أحواله وأعماله الشرعية والبشرية، إضافة إلى جانب المغازي، وارتباطها بعلم الحديث.
وعن الجانب الأول قال الرامهرمزي (360هـ): «إن أصحاب الحديث أَثبتوا ما عظم الله تعالى مِن شأن رسوله ، فنقلوا شرائِعَهُ، ودوَّنوا مشاهِدَهُ، وصَنَّفُوا أعلامه ودلائله، وحقَّقُوا مناقِبَ عترته، ومآثِرَ آبائه وعشيرته… وعبَّروا عن جميعِ فعلِ النبيِّ في سفره وحضره، وظَعْنِهِ وإقامته، وسائر أحواله: من منام ويقظه، وإشارة وتصريح، وصمتٍ ونطق، ونهوض وقعود، ومأكل ومشرب، وملبس ومركب، وما كان سبيله في حال الرضا والسخط، والإنكار والقبول، حتى القلامة من ظفره ما كان يصنع بها؟» (3).
أما بالنسبة للقسم الثاني المتعلِّق بالمغازي فقد اتجه المحدِّثون إلى تجريد ما صحَّ من مروياته في أبواب مستقلَّةٍ، ضمن مصنفات السنة، وقد عدَّ الحاكمُ النيسابوريُّ (405) أبوابَ المغازي النوعَ الثامنَ والأربعين من علوم الحديث، فقال- في هذا النوع-: «معرفةُ مغازِي رسولِ الله ، وسراياه، وبعوثه، وكتبه إلى ملوك المشركين، وما يصح من ذلك وما يشذُّ، وما أبلى كلُّ واحد من الصحابة في تلك الحروب بين يديه، ومَن ثبت، ومَن هرب، ومَن جَبُنَ عن القتال، ومَن كَرَّ، ومَن تديَّنَ بنصرته ومَن نافَقَ، وكيف قسمَ
رسولُ الله الغنائمَ، ومَن زاد ومَن نقص، وكيف جعل سَلَبَ القتيلِ بينَ الاثنين والثلاثةِ، وكيف أقام الحدودَ في الغلول، وهذه أنواع من العلوم لا يَستغني عنها عالِـمٌ» (4).
وإذا كانت مروياتُ القسم الأول جاءت متفرقةً في كتب السنة، تبعًا لموضوعاتها أو لرواتها؛ ومن ثم اقتضى الوصول إليها ملازمة البحث والطلب، والتنقيب والتتبع، فإن مرويات القسم الثاني نُقلت مجموعة ومرتبة على حسب وقوعها، ولم يكتفِ المحدِّثون بإفراد أبواب خاصة بالمغازي النبوية ضمن مصنفات السنة، بل ألَّفوا- أيضًا- في موضوعات جزئية لها تعلُّقٌ بهذا العلم، ومن ذلك- على سبيل المثال-:
كتاب السير، لأبي إسحاق الفزاري (186)، وموضوعه يتعلق بالفقه المستنبط من المغازي (5).
كتاب السرايا والبعوث، لأبي عبد الله محمد بن نصر (294) (6)، وموضوعه سرايا رسول الله فقط، وقد عدَّ منها نيفًا وسبعين.
كتاب الإكليل، للحاكم النيسابوري (405)، وقد رتَّب فيه البعوثَ والسرايا النبوية، وعدَّ في ذلك زيادةً على المائة (7).
وقد التزم المحدِّثون في رواية أخبار السيرة بقواعد علوم الرواية في القبول والرد؛ حيث يتعاملون مع السير تعامُلَهم مع السنن؛ إذ الأمر عندهم كما قال القاضي عياض : «… وكل ذلك إنما يوصل إليه ويعرف بالتطلُّب والرواية، والبحث والتنقير عنه، والتصحيح له» (8).
كما أنهم نَحَوا إلى تقطيع الأحاديث وتخريجها في أبواب مختلفة إذا الرواية بعضها قد يتعلَّق بالمغازي والسير، وبعضها بالعبادات، وبعضها بالبيوع وغير ذلك.
كما التزموا رواية الأحاديث بالأسانيد حتى ينتهي الخبر إلى رسول الله ، أو من سمعه أو شهده من الصحابة رضي الله عنهم، فإن وقع خلل في هذا الإسناد كان علَّة يوهَّن بها عند أهل الحديث.
وهذه القواعد الثلاث كان لها أثر في منهج المحدثين الذين كتبوا في السيرة فارقوا به منهج المؤرخين والإخباريين ممن كتبوا السيرة.
وبناءً على ما سبق فإذا أردنا أن نخلص إلى العلاقة والنسبة بين علمي السيرة الكاملة والسنة؛ فإنها قد تكون على ثلاثة أقوال:
القول الأول: العموم والخصوص المطلق:
فالسنة وعلم الحديث أعمُّ مطلقًا والسيرة أخصُّ، وقد بان هذا المعنى من كلام الحاكم النيسابوري، ومن صنيع البخاري وسائر المحدثين، حين جعلوا المغازي والجهاد والسير مع بدء الوحي والتفسير والمناقب وغيرها من الكتب ضمن الصحاح والمسانيد، إضافةً إلى أبواب كثيرة تَذكُرُ أحوالَ النبي ووقائع حياته.
وهذا المنحى في العلاقة قد يناقَشُ فيقال: إن السيرة النبوية أعمُّ وأوسعُ؛ لأنها تشتمل على كل ما له تعلُّقٌ بالنبيِّ في تصرفاته وأحواله الشرعية والبشرية كافة، وهذا يشمل عباداته ومعاملاته وعاداته وغير ذلك، فلا يشذُّ عن هذا المعنى شيء من أقواله، أو أفعاله، أو أحواله، من يوم مولده إلى وفاته، فهي أوسعُ دائرةً من أن تكون واقعةً بتمامها داخلَ علمِ الحديث بتمامه.
القول الثاني: العموم والخصوص الوجهيِّ:
حيث إن السنة قد تُعنَى في موضوعها بالعقائد والأحكام الفقهية ونحو ذلك من الأبواب والكتب؛ فهي من هذا الباب أعمُّ من السيرة التي تعتني بنقل أخبار زمانه ، وإرهاصات ولادته، وذِكْرِ نسبه الشريف، وما يتصل بذلك من الأخبار والمعارف، فهي من هذه الجهة- أيضًا- أعمُّ من الحديث.
فبسبب من اختلاف موضوعَيِ العِلمين يقع هذا التباين الجزئيُّ؛ فالحديث موضوعه عقدي وفقهي، والسيرة موضوعها تاريخي، ثم هما يجتمعان في ذِكر طرف واسع من أقواله وأفعاله وأحواله، ثم إن مادة السنة والحديث هي المنقول عن النبي والصحابة بمنهج مرضي معتبر عند أهل الفن. في حين أن منهج كتابة السيرة عند المؤرخين يعتمد أقوالًا ورواياتٍ وأسانيدَ غير مقبولة ولا معتمدة عند المحدثين، علاوةً على مصادرَ من كتب الأدب والشعر، وتاريخ المدن، وتراجم الصحابة، وكتب الأنساب، وكتب التاريخ العام، وغير ذلك.
كما أن كتب السيرة تتضمن تصرفاتٍ وعباراتٍ من مؤلفيها تعتمد على اجتهاد واستنباط في ترتيب أحداث أو تواريخ مما لا يرد غالبًا في كتب الحديث التي تتعامل مع روايات فقط.
وهذا القول قد يناقَش بأن هذه الفروق إنما هي في منهج الكتابة والتدوين، لا في حقائق العلمين، وما يصدقان عليه؛ فإن معنى كونِ علمِ السيرةِ تاريخيًّا أنه يُعنَى بالترتيب الزمني للوقائع والحوادث، التي تشمل الجانب الفقهي والعقدي والأخلاقي والسلوكي لأقواله وأفعاله ، وهذا لا يجعله قاصرًا عن نقل العقائد والأحكام الفقهية.
وما ذُكِرَ مِن اختصاص الحديث بمناهجَ وقواعدَ خاصَّةٍ في قبولِ الروايةِ واعتمادها فهذا مع التسليم به لم يُخرِّجْ كتبًا شملت الضعيفَ بأنواعه من المرسل والمنقطع وغيره عن كونها من كتب الحديث، وغاية ما فيها أن تُنتقدَ فيقبل منها ويُرد، وهذا جارٍ في السيرة ومروياتها، على أن من مرويات السيرة ما لا تعلُّقَ له بالعقيدة والفقه، وهذا ما اتفق العلماء على التخفيف في ضوابط قبوله.
وأما ما نُقل من كون كتب السيرة التاريخية تتضمن اجتهاداتِ مؤلفيها في العبارة، وترتيب الأحداث، ونحو ذلك؛ فهذا يعتبر قَدْرًا زائدًا عن الحديث، لكنه يفيد في اعتبار دائرة علم السيرة أوسعَ من دائرة علم الحديث، وليس يدل على العموم والخصوص الوجهيِّ.
القول الثالث: إذا لم يكن عِلمُ السيرة الكاملة أعمَّ مطلقًا من علم الحديث والسنة؛ فإنه سوف يكون مطابقًا ومرادفًا لهما.
فكما أنهما متطابقانِ من جهة المعنى اللغويِّ فهما كذلك من جهة المعنى الاصطلاحيِّ. فإن قيل: إن أخباره [ قبل بعثته داخلة في السيرة غير داخلة في السنة؛ فالجواب «… وقد يَدخل فيها بعضُ أخباره قبل النبوة، وبعضُ سيرته قبل النبوة، مثل: تحنُّثِهِ بغار حِراء، ومثل: حسن سيرته؛ لأن الحال يُستفاد منه ما كان عليه قبلَ النبوة من كرائم الأخلاق ومحاسن الأفعال… ومثل: المعرفة بأنه كان أميًّا لا يكتب ولا يقرأ، وأنه كان معروفًا بالصدق والأمانة، وأمثال ذلك، مما يُستدلُّ به على أحواله التي تنفع الناس في المعرفة بنبوته وصدقه، فهذه الأمور يُنتفع بها في دلائل النبوة كثيرًا؛ ولهذا يُذكَرُ مثلُ ذلك في كتب سيرته… وهذا يدخل- أيضًا- في مسمى الحديث» (9).
فمادةُ السيرة مكوِّنٌ أصيلٌ للبنية المعرفية للحديث والسنة (10).
وعلى الصعيد المنهجيِّ تعتبر السيرة مقوِّمًا من أهمِّ المقومات التي يُبنَى عليها منهجُ أصولِ الحديث ومصطلحه.
ولعلم السيرة أهمية بالغة في الحديث وعلومه، نُجْمِلُ ذلك في النقاط التالية:
< تُعَدُّ السيرةُ من أهم سبل التعرُّفِ على السند ورجاله من الصحابة رضي الله عنهم، وهذا من الأهمية بمكان في معرفة اتصال الإسناد من عدمه.
والسيرة -أيضًا- من أهمِّ مقاييسِ نقدِ متونِ السنة، والكشف عن الخطأ أو الكذب والوضع في متن الحديث. وكم من حديث حُكِمَ عليه بالوضع بسبب جهل واضعه بالتاريخ (11).
< والسيرة عليها المعوَّلُ في معرفة الناسخ من المنسوخ في الحديث، كما بيَّن الحافظ العراقيُّ أنَّ النَّسْخَ لا يُصارُ إليه بالاجتهاد، وإنما يُصارُ إليه عند معرفة التاريخ (12).
< والسيرة أهمُّ مصادرِ معرفةِ أسبابِ ورودِ الحديثِ (13).
< والسيرة شارحةٌ لِـمَا أُجمِلَ، ومفصِّلةٌ لِـمَا أُوجِزَ من أحاديث النبي [ الخاصة بموضوعات السيرة والمغازي والفتن، وقد عَوَّلَ الشارحُ للحديث النبوي عليها كثيرًا عند شرح تلك الأبواب (14).
< وأخيرًا؛ فإن الحاجة ماسِّة لأنْ يُجرَى دمجٌ بين السيرة والسنة؛ لتخرجَ أيامُهُ [، وقد رُتَّبتِ الأحداثُ والأحاديثُ فيها ترتيبًا تاريخيًّا لننتهي إلى سيرة متكاملة الأجزاء، تُحكَى فيها سيرته [ بوقائعها، وليس بأحاديث مفرَّقة على أبواب موضوعية، أو عبر دراسات موضوعية، أو نوعية !!

د. يسري إبراهيم
———————————
(1) لسان العرب (13/220)، مختار الصحاح (ص133).
(2) قواعد التحديث في فنون مصطلح الحديث، لجمال الدين القاسمي (ص38).
(3) المحدث الفاصل (ص159).
(4) معرفة علوم الحديث، للحاكم (ص238).
(5) كتاب السيرة، للإمام الفزاري، تحقيق د. فاروق حمادة (ص78).
(6) سير أعلام النبلاء، للذهبي (9/22).
(7) معرفة علوم الحديث (ص239).
(8) الإلماع إلى أصول الرواية وتقييد السماع (ص6).
(9) قواعد التحديث في متون مصطلح الحديث، للقاسمي (ص218).
(10) مصادر السيرة النبوية، د.ياسر نور (ص494).
(11) يراجع للأمثلة: الموضوعات الكبرى، لابن الجوزي، تحقيق: عبد الرحمن محمد عثمان، ط المكتبة السلفية بالمدينة، 1386هـ- 1966م (2/251).
(12) فتح المغيث، للسخاوي، تحقيق: د. عبد الكريم الخضير، ود. محمد الفهيد، دار المنهاج، الرياض، ط1، 1426هـ (3/449).
(13) يراجع للأمثلة: أسباب ورود الحديث الشريف، للسيوطي، تحقيق: د. يحيى إسماعيل، دار الوفاء (ص326-327).
(14) يراجع للأمثلة: فتح الباري (7/279-519)، (8/3-153).
———
* المحاضرة الافتتاحية للمؤتمر العالمي الثاني للباحثين في السيرة النبوية

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>