خطبة منبرية – من مقاصد الزكاة في الإسلام


الخطبة الأولى:
الحمد لله رب العالمين، إله الأولين والآخرين، أكرم بالإسلام أولياءه، وشرف بالإيمان أصفياءه، وأقام بالميزان والعدل أرضه وسماءه، اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، وأشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك شهادة أدخرها ليوم لقائك، وننال بها جميعا رضاك، وأشهد أن سيدنا ونبينا وقائدنا وإمامنا وقدوتنا محمدا عبدك ورسولك وخاتم أنبيائك ورسلك صلى الله عليه وعلى آله الكرام والصحابة الأبرار والتابعين الأخيار وكل من تبعه واقتدى بسنته إلى يوم الدين. أما بعد،
أيها المسلمون: إن الله تعالى سخر الأرض لعباده، يبتغون الرزق من ظاهرها وباطنها، وجعل ذلك قوام حياتهم، وأساس معاشهم، وفطرهم على السعي لتحصيل ذلك بما أودع فيهم من القدرات المادية والمعنوية. ولما كانوا متفاوتين في هذه الإمكانات، وأن بعضهم تنعدم فيه أو تكاد، وأن أحوالهم هذه ينتج عنها اختلافهم في عطائهم وإنتاجهم المادي والمعنوي، وأن كل ذلك يفضي إلى تفاوتهم فيما تقع عليه أيديهم من خيرات الأرض ظاهرها وباطنها، من تباين وتفاوت بين المكثر والمقل والمعدم، بناء على الفرق في أحوالهم تلك، ارتضى الله سبحانه وتعالى لهم رحمة بهم أن يحيوا حياة طيبة جماعية، منضبطة بضوابط الشرع الحنيف، في إطار من التكافل والتكامل والتآلف، حياة ملؤها الحب في الله، والعطف والتراحم والتواد، حياة مبنية على أساس التعاون الهادف على البر والتقوى، مصداقا لقوله تعالى: ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا (الزخرف:32). وقوله : «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد…» فالحياة الجماعية في الإسلام، حقيقة ومعنى يمثل سنة ربانية كونية من سنن الله في خلقه، لا يمكن لأي أحد أن يحيا في أمن وأمان وسعادة في غير ظلها. والحياة الجماعية القائمة على شرع الله هي التي تضمن للناس الحياة الطبيعية الطيبة الآمنة التي يكون أساسها التوازن المعيشي والاقتصادي البعيد عن الكوارث والأزمات المادية والخلقية. وإن أبرز ما يحقق هذا التوازن الفطري، ويضمن استمراريته في الناس وفي الحياة: هو نظام الزكاة الذي شرعه الله عز وجل في كتابه وسنة رسوله ، وصاغه الإسلام وجعله وسيلة عادلة حكيمة لقيام مجتمع سليم متكامل قائم على أساس من العدل والمساواة والتكافل والحب والإخاء.
عباد الله : إن نظرة الإسلام ورؤيته إلى المال في حقيقة الأمر والواقع، هي أن المال مال الله تعالى، وأن الإنسان إنما هو مستخلف فيه، وأن لإخوانه من الفقراء وذوي الحاجات حقا في هذا المال باعتبارهم خلق الله وعياله، وكذلك المصالح العامة للدين والدولة باعتبارهما في سبيل الله . ونظرة الإسلام هذه، تشمل كل نوع من الأموال إلا ما استثني، وتنطبق على كل غني دون استثناء رجلا أو امرأة، سواء كان ماله من الزراعة والفلاحة وتربية المواشي أو من الصناعة أو التجارة أو غيرها من الأعمال الحرة.
أيها المسلمون : إن الزكاة في الإسلام هي الركن الثالث من أركان الإسلام، وهي الموالية للصلاة بين تلك الأركان، وقرينتها في الذكر في كثير من آي القرآن، حيث قرنها الله سبحانه وتعالى بالصلاة في نيف وثلاثين آية، مما يدل على أهميتها وعظيم منزلتها ومكانتها، ولما فيها من مصالح ومقاصد عظيمة شرعت لأجلها، نذكر من بينها ما يلي:
1 – شكر الله تعالى وامتثال أمره بالإنفاق مما رزق، والفوز بوعده الكريم للمنفقين بالأجر الحسن والثواب والمغفرة. قال تعالى: لئن شكرتم لأزيدنكم .
2 – تطهير النفس البشرية من رذيلة البخل والشح، والطمع والشره، وتطهير المال من الحرام وحمايته من الآفات، قال تعالى: خذ من اموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم .
3 – تربية المسلم على خلق الجود والكرم والعطف والرحمة على ذوي الحاجات من أبناء الأمة، وغيرهم.
4 – مواساة الفقراء، وسد حاجات المعوزين والبؤساء والمحرومين والغارمين وابن السبيل وفي سبيل الله تعالى.
5 – إقامة المصالح العامة، التي تتوقف عليها حياة الأمة وسعادتها ووحدتها وتكاملها، وما يعتز به دين الإسلام ودولته.
6 – الحد من تضخم الأموال عند فئة الأغنياء، أو بأيدي التجار والحرفيين والمهنيين، كي لا تحصر الأموال في يد طائفة محدودة، وكي لا تكون دولة بين الأغنياء.
7 – تثبيت أواصر المودة بين الأغنياء والفقراء وسائر طبقات المجتمع، لأن النفوس مجبولة على حب من أحسن إليها.
8 – جلب البركة واستزادة الزيادة والخلف من الله سبحانه وتعالى القائل في كتابه الكريم: وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين (سبأ:39). وفي الحديث القدسي الصحيح: يقول الله تعالى: «يا ابن آدم أَنفق أُنفق عليك».
9 – إقامة العدل وتحقيق المساواة وإزالة الفوارق، أو التقليص منها على الأقل بين أفراد المجتمع الواحد، حتى يعيش في انسجام وتكامل ووحدة واستقرار، ودون انقسام وانشقاق وفتنة.
تلكم أهم المقاصد والحكم من مشروعية فريضة الزكاة نسأل الله تعالى أن يوفقنا لاستيعابها وحسن فهمها والعمل على تحقيقها، حتى تعيش أمة الإسلام في وحدة وتكامل وتآلف ومحبة واستقرار. أقول ما سمعتم وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
الخطبة الثانية :
الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الإله المرتجى، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله النبي المجتبى وعلى آله وصحابته والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين آمين، وبعد،
أيها المؤمنون والمؤمنات: كما أن للزكاة مقاصد وفوائد يعود نفعها على المجتمع والناس بالخير والبركة عند أدائها وإخراجها وإعطائها لمستحقيها، فإن هنالك مضاراً ومصائب تنتج بسبب عدم إخراجها وعدم أداء حق الله فيها، يعود هذا الضرر أولا على مانعي الزكاة وعلى المجتمع والأمة جميعا، وعلى المال بالتبع. ومن هذه الأضرار نذكر ما يلي:
1 – حلول غضب الله تعالى وذلك بالحرمان من المصالح والمقاصد المترتبة على إخراج الزكاة في الدنيا، ومنها تعريض المال للتلف وكل أنواع الهلاك، التي يقدرها الله جل جلاله، ففي الحديث الذي رواه البزار عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله قال : «ما خالطت الزكاة مالا قط إلا أهلكته».
وأما العقوبات الآجلة فهي أشد وقعا من ذلك ومنها عذاب الله الخالد في جهنم، قال تعالى: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ الِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ (التوبة :34/35).
2 – منع القطر من السماء الذي به وعلى أساسه قوام حياة الناس والبهائم ونمو النبات والثمار والأشجار وكل ما خلق الله من الكائنات الحية، ففي الحديث: «وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء». والجميع يعلم ويشاهد ويتابع ما قد يحدث بسبب عدم أداء حق الله في الأموال من انحباس للأمطار أو تأخيرها عن كثير من البلدان، أو إغراقها بالفيضانات، وما قد ينتج عن ذلك من أضرار تقضي على الأخضر واليابس لا قدر الله تعالى.
نسأل الله تعالى العظيم رب العرش العظيم أن يحفظنا وإياكم وجميع المسلمين من جميع الفتن والآفات، وأن يوفقنا لطاعته وامتثال أمره واجتناب نهيه، إنه القوي والقادر على فعل ذلك، اللهم طهر قلوبنا من البخل والشح والحقد والضغينة يا رب العالمين. وطهر أعمالنا من الرياء وألسنتنا من الكذب وأعيننا من الخيانة. اللهم ارزقنا حبك وحب جميع أنبيائك ورسلك وحب دينك، وحب وَالِدِينَا وجميع أقاربنا وحب جميع المؤمنين والمؤمنات، واجعل اللهم حبك وحبك رسولك أحب إلينا من كل شيء آمين

د: عبد اللطيف احميد
—————
* خطيب مسجد سعد بن أبي وقاص بفاس

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>