حوار النبي إبراهيم عليه السلام مع أبيه وقومه من خلال القرآن الكريم (1)


 نظرات في الدعوة  الخاصة لأبيه والعامة لقومه
 يمكن أن يُقسم الكلام ـ انطلاقا من هذا العنوان ـ إلى أربعة محاور:

المحور الأول: إبراهيم عليه السلام ودعوته.

المحور الثاني: حواره مع أبيه: دعوة الأقارب أولا.

المحور الثالث: حواره مع قومه: دعوة عامة الناس.

المحور الرابع: من تجليات الحكمة والموعظة الحسنة في دعوة إبراهيم.
وسيقتصر الكلام في هذه الحلقة على المحورين الأول والثاني.

المحور الأول: إبراهيم  ودعوته :

يمكن القول فيه: إن إبراهيم خليل الرحمن من الأنبياء، والده آزر، وُلِدَ بالعراق، وهاجر إلى الشام ومصر ثم إلى مكة، فبارك الله في سعيه كما بارك في نسله وولده، كان زمن الملك نمرود، ونمرود هذا كانت عاصمة ملكه هي بابل، وكان مَلك المشرق. وقيل: مُلك المشرق والمغرب بين يديه، جاء في بعض الروايات التاريخية أنه لم يجمع ملك الأرض ولم يجتمع الناس على ملك واحد إلا على ثلاثة ملوك: نمرود بن أرغوا، ـ وقيل: ابن كوش بن نعمان ـ، وذي القرنين، وسليمان بن داود.

وكان آزر يصنع أصنام قومه التي يعبدون، ثم يعطيها إبراهيم وإخوته كي يبيعوها، فيذهب إبراهيم فيما يذكرون، فيقول لزبنائه: من يشتري ما يضره ولا ينفعه، فلا يشتريها منه أحد، فإذا بارت هذه السلعة يذهب بها إلى نهر فيصوب فيه رؤوسها استهزاء بها ونكاية لها؛ وهذا من الفطنة والرشد الذي آتاه الله إبراهيم  منذ أن كان صغيرا.

لما أراد أن يخالف قومه على ما هم عليه من عبادة الأصنام والشمس والقمر والنجوم، والبدء بالدعوة إلى الله عز وجل فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ(1)، يقول الله تعالى : فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (2)، فقوله: إِنِّي سَقِيمٌ معناه إني طعين أي مصاب بطاعون، أو لسقم كانوا يهربون منه إذا سمعوا به، ومراده أن يخرجوا عنه ليبلغ من أصنامهم التي يريد، فلما خرجوا عنه، خالف إلى أصنامهم التي كانوا يعبدون من دون الله، فقرب إليها طعاما، ثم قال لها: أَلا تَأْكُلُونَ مَا لَكُمْ لا تَنْطِقُون  (3) استهزاء بها وتعييرا في شأنها.

ويمكن التمييز في دعوة إبراهيم بين دعوة خاصة وأخرى عامة؛

فأما الدعوة الخاصة فتتمثل في حواراته مع أبيه وما اشتملت عليه هذه الحوارات من عِبَر وعظات وآداب دعوية.

وأما الدعوة العامة فتتجلى في حواراته وجداله مع قومه أو مع بعض منهم، والأمر هنا مخصوص بجداله مع الملك نُمرود.

المحور الثاني: حواره مع أبيه : دعوة الأقارب أولا:

يقول الله جل وعلا: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (4)

أول المتوجه إليه بالإنذار والتبرؤ مما يعبد هو الأب باعتباره الأقرب إلى إبراهيم ، وهو توجه فطري يعكس ارتباط الابن بأبيه وحبه له رجاء هدايته إلى ما فيه خيره وصلاح دنياه قبل مغادرتها إلى أخراه، وهو أيضا توجه ينم على أن أول المعنيين بالهداية والانتفاع بها هم عشيرة الأنبياء وأسرهم الصغيرة، حيث تبدأ الدعوة والنصح منهم بحكم القرابة والخلطة، وهذا ما فعله إبراهيم  مع أبيه علَّه يتخلى عن المعبودات الباطلة ويتجه إلى المعبود الواحد الفرد الصمد الذي هو الله خالق إبراهيم وغيره من الخلق، فهو المستحق بالعبادة دون غيره من الخلق أو الأصنام المعبودة ظلما؛ وقد كان قوم إبراهيم على الشرك، كما كانت العرب في الجاهلية يعبدون الأصنام التي اتخذوها آلهة من دون الله، يقول الله تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِين (5) ليس بعده ضلال بسبب جعل الأصنام آلهة واتخاذها معبودات، وبسب التسوية غير العادلة بين الأصنام والآلهة  والتي دلت عليها صيغة المبالغة في الاتخاذ التي هي بمنزلة الإنكار والتوبيخ على عبادة من لا يستحق أن يعبد.

ويظهر أن إبراهيم  قد أغلظ في القول لأبيه عندما أوغل في شركه وعبادته للأصنام، على خلاف الخطاب الآتي في الآيات الموالية الذي فيه رفق ولين بالأب المخاطب، وعلى خلاف المعهود في الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن؛ وهذا الذي فعله إبراهيم مع أبيه لا ينافي القاعدة العامة والأصل في خطاب المدعويين والآخرين إلى الاهتداء للتي هي أقوم، فإغلاظ القول للمدعويين وخاصة ممن هم على الشرك والكفر يكون مقبولا ومحمودا أحيانا لخلخلة ما هم عليه من الفهم الخاطئ والعبادة المنحرفة والزائفة لكونها مخصوصة بمن ليسوا أهلا لها.

ويقول سبحانه في سورة مريم والخطاب من إبراهيم لأبيه: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (6)

الصديقية الموصوف بها إبراهيم  هي مرتبة أو درجة من الصدق خاصة بالأنبياء والصالحين، إذ الصدِّيق الذي لم يكذب قط، فمن خلال هذه الآيات الكريمات يظهر أن إبراهيم  خاطب وَالِده آزر بنداء الأبوة يَا أَبَتِ أربع مرات لإيقاظ عاطفة الأبوة، رجاء أن يلين قلبه فيستجيب لنداء الله ويدخل في دينه، ورغم أنه على الكفر فإبراهيم  يعترف بحق أبيه عليه ولم يبخل في تقديم النصح له ودعوته إلى الإسلام، وهذا من أسمى درجات البر بالأب، فإبراهيم   خاطب أباه بحكمة الأنبياء؛ وتكلم معه بكلام وجيز وبليغ في منتهى الوضوح والفصاحة.

في النداء الأول نبهه إلى أن من خصائص المعبود أن يسمع ويبصر وينفع ويضر، والأصنام التي اتخذها آلهة لتُعبد، ليس لها من هذه الخصائص والصفات شيء؛

وفي النداء الثاني أخبر بخبر الصدق وهو أن هذا الذي يدعوه إليه علم اليقين لا شك فيه، فهو علم النبوة، أشرف العلوم التي يجهلها الناس والمدعوون المتوجه إليهم بهذا العلم، ولم يصرح إبراهيم  بجهل أبيه تأدبا وحكمة في دعوته؛

وفي الثالث بين له أن الطريق الذي هو عليه هو طريق الشيطان العاصي لربه وهو يريد أن يهديه إلى طريق الرحمن المستحق للعبادة.

ثم جاء النداء الرابع والأخير من إبراهيم لأبيه بتخويفه من سوء المصير والعاقبة التي تلحق السائرين مع الشيطان وفي طريق الشيطان الذي هو طريق الخسران والهلاك المبين، ولم يقل له إن العقاب سيلحقك لا محالة، تأدبا وتلطفا.

إثر هذه الآيات، قال الله تعالى على لسان آزر: قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا  (7) أينما حللتُ وارتحلتُ وعلى كل الأحوال، فلن يحول تعاملكَ بهذا الأسلوب القاسي الجافي المنافي لعلاقة الأب بابنه من سؤال ربي أن يغفر لكَ ذنوبكَ، فهو في عناية وإكرام دائم بي وبجميع خلقه. فهذا الجفاء الذي تعامل به آزر مع ابنه إبراهيم الداعية لم يثنه عن جوابه بلطف، لأنه داع إلى الله تعالى همه وهدفه إخراج أبيه من عبادة الأصنام إلى عبادة الواحد الأحد. فرغم التهديد بالرجم والهجر الطويل من الأب آزر، فإن إبراهيم  قابل ذلك بما لا يسوء أباه المدعو إلى التخلي عن المعبودات؛ قابل أباه بالهجر الجميل وطلب المغفرة من الله. وهذا سلوك جميل من داع إلى الله مع أب مدعو إلى طريق الله.

يتبـع

—————-

1 – الصافات: 88-89.

2 – الصافات: 90.

3 – الصافات: 91-92.

4 – الزخرف: 25-26.

5 – الأنعام: 74.

6 – مريم: 40-45.

7 – مريم: 46-47.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *