تَقْوَى اللّهِ وَ حسْن الخلقِ أكثر ما يدّخِل الجنَة (1)


chenoufe

ذ.محمد بن شنوف

 عن أبي ذَرٍّ جُنْدب بن جُنادة وأبي عبد الرحمن معاذ بن جبل رضي الله عنهما عن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال « اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ وأتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا وخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ » رواه الترمذي وقال : حديث حسن. ويدخل في هذا المعنى حديث أبي هريرة عن النبي  صلى الله عليه وسلم أنه سُئل : «مَا أَكْثَرُ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الجَنَّة؟ قَال تَقْوَى اللَّهِ و حُسْنُ الخُلُقِ » أخرجه الإمام أحمد وابن ماجة والترمذي وصححه.
هدف الحديث:

1 – يهدف الحديث إلى حث المؤمن على التزام التقوى والتحلي بالخوف من الله في السر والعلن وبيان حق الله على العباد

2 – التعجيل بالتوبة والاستغفار مما يقترفه المؤمن من المعاصي والذنوب خوفا من مفاجأة الموت.

3 – وجوب التحلي بمكارم الاخلاق لبناء مجتمع فاضل يستهدف تحقيق السعادة في الدنيا والآخرة.

معنى الحديث:

اشتمل هذا الحديث على وصايا جامعة لحقوق الله وحقوق العباد وسنقف خلال رحلتنا معه إن شاء الله في محطات ثلاث : التقوى، والتوبة، و الخلق الحسن.

أولا: التقوى

قوله : « اتَّقِ اللَّهَ حيْثُمَا كنتَ » الأَصْلُ في التقوى تَقْوى على وزن فَعْلى ويقال أصلها في اللغة قلة الكلام.  قال القرطبي  (ومنه الحديث : التَّقِيُّ مُلْجَمٌ والمتَّقِي فَوْقَ المُؤمِنِ و الطَّائِعِ) وهو الذي يتقي بصالحِ عمله وخالص دعائه عذاب الله تعالى مأخوذ من اتقاء المكروه بما تجعله حاجزاً بينك و بينه (-الجامع ج 1/165-)

التقوى في نظر السلف الصالح من هذه الأمة:

سأل عمر بن الخطاب أُبَيّاً عن التقوى فقال : هل أخذت طريقاً ذا شَوْكٍ؟ قال : نعم قال فما عملت فيه؟ قال : تَشَمَّرْتُ وَحَذِرْتُ، قال فذاك التقوى. وأخذ هذا المعنى ابـن المُعْتَز فنظمه فقـال: خَلِّ الذُنُوبَ صَغَيرَهَا و كَبِيرَ هاذَا كَالتُّقَى واصْنَعْ كَمَاشٍ فَوْقَ أرْضِ الشَّوْكِ يَحْذَرُ مَا يَرَى لاتَحْقِرَنَّ صَغِيرَةً إنَّ الجِبَالَ مِنَ الحَصَى وأما الإمام علي بن أبي طالب فقال: هي: «الخَوْفُ من الجَلِيلِ والعمَل بالتَّنْزِيلِ، والقَنَاعَةُ بالقليلِ، والاستعْدَادُ لِيَوْمِ الرَّحِيلِ». ويؤكد المعنى ابن مسعود فيشرح قوله تعالى : اتَّقُوااللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ (آلعمران: 102). بقوله : «أن يُطاع فلا يُعْصى، ويذْكر فلا يُنْسى، وأن يُشْكَر فلا يُكْفر» (وأشار القرطبي إلى أنه حديث رواه البخاري عن مُرة عن عبدالله ج 4/157). وقد يطول بنا المقام في سرد تعاريف للتقوى فنكتفي بالقول بأن ما يمكن استنتاجه مماسبق هو أن التقوى هي خشْيةُ الله في السر والعلن، فإن من علم أن اللَّهَ يراه حيث كان وأنه مطلع على باطنه وظاهره، وسره وعلانيته واستحضر ذلك في خلواته أَوْ جَبَله ذلك فِعْلَ الطاعات وتَرْكَ المعاصي، وأدَاءَ الأمانات إلى أهلها في سائر المعاملات : في الحكم والشهادة والبيوع والنكاح والإجارة والتعليم وسائر أنواع الحِرف والصناعات. وتِلْك علامةُ الإيمان التي عناها رسول الله بقوله : «اتق الله حيثما كنت».

ما الذي يجب على المؤمنين اتقاؤه؟

إذا تتبعنا الآيات القرآنية الداعية إلى التقوى بصيغة الأمر نجد أنها لاتخرج عن إضافتها إلى ثلاثة أشياء :

1 –  الله أو الرب ونكتفي بالإشارة إلى هذا النوع بمطلع سورتي النساء والحج : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبُّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَاَ وَبثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَّاءَلُونَ بِهِ وَالاَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًاً و يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيم. وتقوى العبد لله أن يجعل بينه وبين مايخشاه من ربه  -من غضبه وسخطه وعقابه – وقاية تقيه من ذلك. وهو فعل الطاعات واجتناب المحرمات واتقاء الشبهات. قال رسول الله « لاَ يَبْلُغُ العَبْدُ أنْ يَكُونَ مِنَ المُتَّقِينَ حَتَّى يَدَعَ مَا لاَ بَأْسَ بِهِ حَذَراً مِمَّا بِهِ بَأْسٌ»

2 – اليوم الآخر : أُضيفت التقوى إلى اليوم الآخر في عنصرين من مستلزماته وهو تشخيصٌ لهوْلِ الموقف في الزمان والمكان، فعن الزمان يقول الله تعالى: واتَّقُّوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَّفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُون (البقرة :281) وعن المكان يقول عزمن قائل : فَاتَّقُوا النَّارَ التي وَقُودُهَا النَّاسُ والحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (البقرة : 23).

3 – وأما ما يجب اتقاؤه في الدنيا فهو الفتنة يقول تعالى : واتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً (الانفال : 25) قال ابن عباس : «أمر الله المؤمنين ألا يُقِرُّوا المنكر بين أَظْهُرهم فيَعُمَّهم العذاب». قال القرطبي : «واتقوا فتنة تتعدى الظالم فتُصيبُ الصالح والطالحَ ». (ج 7ص 391).

من ثمرات التقوى في حياة الفرد والمجتمع:

تعتبر تقوى الله تعالى من الوصايا التي ثبت ذيوعها وشيوعها بين سائر الأمم وعلى ألْسِنة جميع الرسل : ولقد وَصَّيْنَ االذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مَنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمُ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ (النساء :131) وذلك لما تحققه من فوائد وما تُنْتِجُه من ثمارِ يانعةِ القطوفُ دانيةِ الجَنَي :

أ- أول هذه الثمار:  ثُبُوتُ مَعِيَّة الله تعالى للمتقي هدايةً ورُشداً وعِصْمةً من الزَّيْغ والانحراف عن المحَجَّة : إِنَّ اللهَ مَعَ الذِينَ اتَّقَوْا والذِينَ همْ مُحْسِنُونَ (النحل : 128).

ب- وثانيها ثَمرَةَ التمكينِ في الأَرْضِ للأُمةِ لتحقيقِ أمانة الخلافة في الأرض :إِنَّ الأَرْضَ للَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ والعَاقِبَةُ للْمُتَّقِين (الأعراف : 128).

حـ- وثالث هذه الثمار هي أنها خير زادٍ للمؤمن يَوْمَ ظَعَنِهِ ويوم إِقَامَتِهِ و خلال رِحْلَته القصيرة في هذه الدنيا الفانية بدايةً من المهْدِ وانتهاءً باللًّحْدِ: وَتََزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى (البقرة : 197). وقد يَنْتَابُ الإنسانَ شُعُورٌ بالزَّهْو والإعجابِ بالنفس على إثْرِ ارْتِدَائهِ لِثِيَابٍ فاخِرةٍ أوبذْلَةٍ أَنِيقَةٍ فَيَصُدّه الزَّهْوُ والإعْجَابُ عن سبيل الله إلى سُبل الشيطان، فَتُقْطَعَ لَهُ ثِيَابٌ من نَارٍ ويُطْعَمُ مِنْ شَجر الزّقُومِ. ولذلك فإن أبهى حُلَّةٍ تتجمل بها المرأة المؤمنة ويتَزين بها الرَّجُلُ المؤمن هي التقوى : قَدْ اَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوارِي سَوْءَاتِكُمْ ورِيشاً ولِبَاسَ التَّقْوَى ذَلِك خَيْرٌ (الأعراف :26). ونحن إذ نَلْفِت إلى عَيناتٍ من هذه الثمار الموجودة على مائدة الرحمن لا نَطْمَع في الإحاطة والشُّمُولِ وإنما حسبنا الاثَارَةُ والتَّنْبِيهُ فعسى أن نَحْظَى مِنْها بِنَصِيبٍ.

بماذا يبلغ المؤمن درجة التقوى؟

التقوى هي أَعلى درجة في سُلَّمِ الإِقْرار والإعْتِرَافِ بالعُبُودِيَّة لله الواحِدِ الأَحَدِ الفَرْدِ الصَّمَدِ بعد الإسلام والإيمان، وبلوغُ هذه الدرجة إنما يحصل كَما سَبَق القول بامْتِثَال الأوامِرِ واجْتِنَابِ النَّواهِي واتقاء الشبهات، محاطةً بِسِيَّاجِ الإحْسَانِ الذي عَنَاه رسُولنا بقوله : «الإحْسَانُ أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَراهُ فإنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ » على أن سائر الأعمال التعبدية إنما تَسْتَهدف حُصُولَ التقوى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَّامُ كَمَا كُتِبَ علَى الذِّينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (البقرة : 182). وليس الهدف من سُنَّةِ الأضحية هو حصولَ فَرْحَةِ العيد والتَّوْسِعَةِ على العِيَّالِ في أيامه، وخلق رواجٍ اقتصادي لتَشْجِيعِ الكَسَّابِينَ على الإنتاج بِقَدْر ما يكون الهدَفُ الأسْمَى حصولَ التّقوى: لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا ولاَدِمَاؤُهَا ولَكِنْ تَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ (الحج :37). وتلك هي المقاصد والنوايا التي يَنْبغي أن تؤدَّى بها المناسكُ. وقد يغيبُ هذا الفهم عن بعض الناس فيظنون أن الهدف من الصيام في شهر رمضان هو تزويدُ السُّوق بالمواد الاستهلاكية، فيتوجَّهُ اهتمام الناس فيه إلى أَصناف الحلويات وأشهر المأكولات التي تَزْخَرُ بها مَتَاجِرُنا، وإلى عادات الناس وتقاليدهم في إعْدادِ وجَبات الإفطار والسحور وكيف يصنع الذواقِيُّون والذواقيات أشهى المأكولات بلحوم العيد، فليس ذلك من مقاصد هذه العبادات.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *