رمضان فرصتك للتعرف إلى ربك فلا تضيعها مرة أخرى


minbar

الخطبة الأولى :

أيها المسلمون إننا اليوم نعود لنستقبل رمضان ككل سنة من عمرنا الفارط وكما قيل ما أشبه اليوم بالبارحة، نعد من أيامنا التي تترى وتطير بدون رجعة ما قدر لنا أن نعيش من العمر، والله جل وعلا يجعل لنا محطات للذكرى والتذكر والتدبر، محطات من العبادة السنوية والشهرية واليومية، ورمضان بلا شك شهر عظيم بل هو من أعظم الأشهر فيما خلق الله جل وعلا من الزمان، ومن أخطر مزالق إبليس وتلبيسه على المسلمين، أنه استدرجهم من أن يجعلوا رمضان كما جعله الله شهر عبادة بتميز، ليجعلوه شهر عادة بتميز.

ما يمارسه الناس من عادات الأكل والشرب واللهو في عموم حياتهم مع الأسف الشديد تدل على أنهم يمارسون ذلك أضعافا مضاعفة في شهر رمضان، بينما الأصل في تشريع الرحمن مما أنزله في القرآن أن يكون شهر رمضان فرصة لمضاعفة التعبد وتعميق التدبر في القرآن العظيم والتفرغ الكامل لله، بالانقطاع عن العادات لا بإتيانها أضعافا مضاعفة، يعني العكس تماما مما يمارسه الناس على غير قصد الشارع الحكيم، فالنصوص القرآنية القاطعة في مقصدها من أن هذا الشهر وجب على العبد بأن يجعله كاملا لله، وأن لا يبقي فيه لنفسه شيئا، حتى الأكل والشرب والنوم وكل أعمال العادات يجب أن تصير كلها في رمضان لله.

وخير مثال لذلك توقيت الأكل من رمضان، وقصده الذي وجب أن ينبني عليه، فمثلا لا يجوز للمرء أن يؤخر إفطار المغرب إلى العشاء: يعني ما إن يؤذن المغرب إلا ووجب عليه الإفطار، ليس لديك الحق في أن تقول لازلت لم أشعر بعد بالجوع وتأخر الإفطار إلى العشاء، هذا يجوز لك في غير رمضان، يمكنك تأخير الأكل لغير قصد التعبد، يعني ليس بنية العبادة، إذا لم تجد حاجة إلى الطعام، ولكن في رمضان وجب عليك أن تفطر المغرب في إبانه إلا أن يكون لك عذر شرعي، ما عدا إذا لم تجد شيئا تأكله أو لديك مشكل يمنعك من الأكل في وقتك.

فإذن الأكل نفسه الذي هو عادة من العادات يعني طبيعة بشرية تحول في رمضان وصار عبادة من العبادات، لأنه حد بوقت وحد بقواعد وضوابط، أي له آدابه وقواعده، الأكل وكذلك النوم وسائر أصناف عملك مما يتخلل ليالي رمضان من القيام وصلاة التراويح، ويتغير برنامج عادات الإنسان من الأكل والشرب والنوم والعمل، كل ذلك يتغير في رمضان على وفق العبادة، يبنى على ميزان العبادة، فصار رمضان كله وما فيه من العبادات بالأصالة أو التبع عبادة في رمضان، كل ذلك يجب أن يكون للواحد القهار.

ولا أدري ما بال كثير من الناس كيف تحايل إبليس عليهم وأذلهم وأخرجهم من أن يجعلوا رمضان كله لله فجعلوه في غالب أحوالهم إلا من عصمه الله وقليل ما هم مع الأسف، جعلوه شهر العادات والشهوات بامتياز.

عباد الله:

هذا شهر عظمه الله جل وعلا فوجب على العباد أن يعظموه، ويفتى أن فيه عبرتين عظيمتين لو تدبرهما مؤمن لتزلزل وجدانه ولانهد كيانه، أول شيء حصل فيه للبشرية في شخص رسول الله ، أن شهر رمضان كان شهرا للتعرف إلى الله رب الكون بعد تيه وحيرة وضلال، سيدنا محمد  قبل أن يتنزل عليه القرآن كان في حيرة من أمره. ووجد عادات العرب في عبادة الأصنام سفها في سفه، وجعل يبحث في حيرة من أمر الكون وأمر الحياة والموت، باحثا عن رب هذا الكون كما بحث قبله الأنبياء إبراهيم وغيرهم، والصديقون والصالحون عبر تاريخ الدين، إلى أن كان ما كان من أمر نزول الوحي في ليلة من ليالي رمضان أن اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَق(العلق :1)، أول كلمات القرآن التي نزلت على رسول الله  كان مضمونها الأول التعريف برب الكون، فعرف  أول ما عرف من الدين، عرف الله جل وعلا أولا، وتعرف إليه في شهر رمضان ولذلك نسجل أن رمضان كان مناسبة للتعرف إلى الله أولا، وتجديد الصلة به لمن كانت له به معرفة، ولم يزل سيدنا رسول الله  كل رمضان يتفرغ إلى الله متهجدا قائما صائما سائرا إلى الله لا يلتفت إلى شيء، إنما هو القرآن ذكرا وتلاوة وقياما، والعمل الصالح المتفرغ لله، معارضة للقرآن مع جبريل وعرضا له على المسلمين على قُرَّاءِ الصحابة خاصة، وعملا دؤوبا لله ومع الله وبالله،  كذلك كان شأن رسول الله ، ومن انحرف عن سنته وهديه فلن يلقى إلا الخسارة والعياذ بالله.

فيا أيها العبد المصلي، أتعرف لمن تصلي؟ أم أنك تمارس عادة وحسب، رمضان فرصتك للتعرف إلى ربك فلا تضيعها مرة أخرى، كما ضاع رمضان الذي قبله والذي قبله والذي قبله من عمرك هذا المتصرم من بين يديك قهرا، أعمارنا تتصرم من بين أيدينا ونضيع الفرص الذهبية، بل التي هي أغلى من الذهب كله، لأن الدقيقة الواحدة يستحيل عليك أن تستردها، لا يمكن أن تعيش اللحظة الواحدة مرتين، مستحيل.

عمرك دقائق تعيشها فإذا مضت انقضت ولن تعود إلى يوم القيامة، عجب أمر الناس يهدرون السنة كلها في لا شيء، ثم يأتي شهر الله رمضان يفتح أهم فرصة نادرة للتوبة وتجديد الصلة بالله والبحث عن المعرفة الإيمانية، كل منا وجب أن يسأل نفسه : هل أنا فعلا أعرف الله؟ ولكل قول حقيقة ولكل حقيقة مصداق، فإن أجبت بنعم، فما دليلك لنفسك على نفسك، لا تُجِبْ أحدا إنما أجب نفسك ماذا تعرف عن ربك؟ لو امتحنت نفسك حقا لوجدت أن بينك وبين الله سترا وحجبا، ولوجدت أن ما تعرفه أشكال الأسماء والكلمات، هذا حال أغلبنا، وجب إذن أن نطرق باب المعرفة بالله جل وعلا توحيدا وتفريدا له سبحانه وتجريدا له عن كل صفات النقص، عسى أن يورثنا ذلك اليقين في قلوبنا، لأن أحوالنا تدل حقيقة على أننا لا نعرف الله حقا، أحوال التدبدب في السير إلى الله، أحوال التردد في التعامل مع أحكام الله تحليلا وتحريما وإيجابا ونبذا إلى غير ذلك من علامات السير إلى الله من أحكام الشريعة.

التهافت على الحرام من المأكل والمشرب والعادات والموبقات كل ذلك يدل على أن العباد لا صلة لهم بالله بله أن يكونوا عارفين بالله.

عباد الله:

العودة، العودة إلى الله تعالى فرمضان تفتح فيه أبواب السماء، ومن أراد أن يغتنم رمضان فليتجرد له الآن، الإقلاع لا بد أن يقع الآن، والعبد الذي يعرف الأدب مع الله لا ينبغي أن يبقى حتى يستدرجه إبليس إلى اليوم والغد وبعد غد، يدخل رمضان فيقول لك إبليس ما هذه إلا العشر الأوائل اتركنا حتى النصف، وهذا يقع كثيرا، فإذا جاء منتصف رمضان قال لك ما هذا إلا النصف دعك حتى العشر الأواخر، ثم في العشر الأواخر  يقول لك ابحث فقط عن الوتر، حتى لا يبقى لك شيء من رمضان ويمضي كما مضى رمضان الذي قبله هباء منثورا، الأشياء التي تسمى موانع تكبلك، اقطع حبالها وتفرغ بقلبك لمولاك.

في رمضان عرف محمد  ربه، وفي رمضان ليلة هي أعظم ليالي الزمان، ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر، هذه الليلة أقول الرهيبة، لها جلال ولها جمال لو تدبر العبد حقيقتها لارتعدت فرائسه ولوقع في قلبه الخوف والوجل، ولسارع فارا إلى مولاه الذي خلقه.

أليست هي الليلة المباركة؟ بلى وربي، أليست هي الليلة التي هي أعظم من ألف شهر وأشد أثرا؟ بلى، أليس فيها يفرق كل أمر عظيم؟ بلى، كل مقادير العباد من الخير والشر من القضاء النازل بك وبالعالمين يتنزل في ليلة القدر، فهي ليلة القدر، وهي ليلة الأمر والتقدير في شأن الكون، وأنت أيها العبد لك صحيفة في صحف اللوح المحفوظ، ولك مادة تتعلق بالقدر مما يتعلق بك أنت، كل ينظر إلى نفسه، فلان، أنا فلان بن فلان، بن فلانة إسمي مسطور في اللوح المحفوظ فيه كذا وكذا من القضاء والقدر لمائة سنة كتابة، سينزل هذه الليلة، وعجيب أن الناس يمرون عليها وهم معرضون، وجب على العبد أن يحيط  لا عشرها الأواخر، بل أن يحيط رمضان بنفسيه من الخوف من الله جل وعلا، بنفسية من الرهبة والتكبير والإجلال لرب الكون، عسى أن يكون في قضاء الله وقدره من المرحومين، من الذين غفر لهم وأثابهم، من الذين اجتباهم واصطفاهم، لا من الذين سخط عليهم، لا من الذين غضب عليهم والعياذ بالله، لا من الذين نسيهم، نسوا الله فأنساهم أنفسهم.

الخطبة الثانية :

عباد الله :

رمضان شهر ولا كأي شهر، مختلف اختلافا كليا. شهر لا قبل للناس به إلا فيه، لا يوجد شهر مثله، ومن ذا يضمن أن يعيش الآخر الذي بعده، من ذا يتأنى على الله أن يحيه إلى غيره، ويعطيه فرصة أخرى لرمضان، وحتى لو أعطاك ليس صاحب الفرصتين كصاحب الفرصة الواحدة، أعطاك فرص ذهبية من عمرك وتقوم بتضييع الأولى والثانية والثالثة والرابعة والخامسة، وكل عام وحدة زمنية كاملة من عمر العبد، يعني واحد واثنان وثلاثة إلى ماشاء الله لك من العمر، يعني كل شهر قد ضيعت فيه عاما، لأن العام ليس فيه شهران من رمضان، فضياع رمضان يعني ضياع سنة، يعني ضياع وحدة من وحدات عمر العبد، أي عام كامل نقص من عمرك، وعجيب وغريب حقا ليس فقط أولئك الذين يضيعون فرصة هذا الشهر، وإنما أعجب منه وأغرب أولئك الذين لا ينقطعون عن الحرام فيه ولا يتوبون، فالوزر فيه أعظم،  والذنب فيه أضخم، والجريمة فيه أخطر، لأنها مضاعفة بشكل رهيب، فالذنب فيه ذنب كسائر الذنب الذي وقع قبل رمضان لأنه ذنب، ثم يضاف إليه ذنب آخر، وهو انتهاك حرمة هذا الشهر.

شهر جعله الله له لا لغيره، قال الله عز وجل في الحديث القدسي: «إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به» رواه البخاري ومسلم.

شهر الله الذي فيه يعرف، وبه جل وعلا يعرف، واقرأ إن شئت قول الحق جل وعلا: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي  عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُومِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (البقرة 186) ، هذه الآية وردت في سياق أحكام رمضان، جاءت في الوسط بين أحكام رمضان سابقة ولاحقة ما بين قوله جل وعلا: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ اَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185) وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُومِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (البقرة : 186)، ثم قال جل وعلا بعد مباشرة وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي، وبعد إنهاء  الآية مباشرة أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ (البقرة : 187) ، «معنى أنه جاء بأحكام رمضان. هذا واجب، هذا ممنوع، هذه رخصة، هذه عزيمة، ثم جاء أيضا برخص وأحكام لإحلال الرفث إلى النساء أي جِماعهن ليلة رمضان، وفي الوسط، وبين هذه وهذه، بين آيات إيجاب رمضان وبيان بعض رخصه، وبين بعض أحكامه الأخرى، في الوسط جاء قول الله عز وعلا وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي، والإنسان حين يلقي النظرة الأولى يقول ما علاقة هذه الآية بما قبلها وما بعدها، جاءت وسط أحكام التشريع من الحلال والحرام والواجب وهي آية تتعلق بمعرفة الله، والتعرف إليه، وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُومِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ، آية ذلك -علامة ذلك- وكل آية في كتاب الله علامة على هدى لمن أبصره، على أن هذه الآية تخبر على أن الأحكام  التي تتلى الآن من أحكام رمضان شأنها أن تصلك بالله تعالى مباشرة، المفسرون يتكلمون في هذه الآية كلاما عجيبا من قولهم أن بعد السؤال في القرآن والجواب، أينما جاء السؤال والجواب في القرآن في الغالب أن يأتي فيه لفظ «قل» عند الجواب» وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى(البقرة :222)، وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْو(البقرة : 219)، أينما جاء السؤال قبل الجواب يقول «قل» أي يبين  أن بيان الأحكام  يتعلق بهذا الذي أمر بقل، هو سيدنا محمد ، أي قل لهم يا محمد، أي بين لهم بسنتك العملية أحكام الحلال والحرام من أمور الشريعة.

هذه الآية لم يأت فيها «قل» لأن الناس ما سألوا عن العمل، عن الحلال والحرام، بل يسألون عن الله، فتولى الرب جل وعلا بنفسه الإجابة والبيان دون واسطة محمد  ، فقال وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي  ليس عن العفو ، ليس عن المحيض عَنِّي لم يقل قل، قال عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ.

يعني إذا قصدت الله بوجدانك وقلبك، فسيتولى هو بذاته جل وعلا هدايتك واجتباءك واصطفاءك إليه بنفسه، وهذا هو رمضان بالذات، الله يقول: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به»  عبادة يتولى الحق جل وعلا بنفسه سبحانه كما يليق بجلاله وجمال وجهه التعامل فيها مع عباده مباشرة، أشكالها تكتب، لكن مقاصدها أي ما تحسه في القلوب من عمران الإيمان والتقوى  كُتِبَ عَلَى الذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(البقرة : 183) هذا الأمر  هو يتولاه، فيجعل في كل قلب على قدر صدق صاحبه من نور الإيمان، ولا يدرك ذلك أحد إلا هو، فيكون في الصف الواحد من الصلاة قوم غمر الله قلوبهم بالإيمان ولا يدري بهم أحد لما أخلصوا ولما تفرغوا وانقطعوا له وحده لا شريك له.

عيب، عيب كبير وعار على المسلمين ألا يلتفتوا في رمضان إلا إلى الأكل والشرب والنوم أو اللهو مع الأسف.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *