الصيام بين أسوار العادة ومقامات العبادة


د. امحمد الينبعي

إن لصيام شهر رمضان لنسمات ونفحات، ورحمات وبركات، وإن للصائمين لدرجات ومقامات، وأنوارا وتجليات، وإن لله لمنحا ونفحات يتعرض لها الوالهون بالأسحار، الذاكرون الله كثيرا بالعشي والإبكار. وليس الصائمون  هناك سواء.  فمنهم الظالم لنفسه، ومنهم المقتصد، ومنهم السابق بالخيرات بإذن الله. منهم الجاهل بحقيقة الصيام، ومنهم الجاهل بمقاصد الصيام، ومنهم الجاهل بذلك كله بسبب ما غشي الفؤاد من ظلمات التفكير وظلمات التعبير وظلمات التدبير. حتى إذا أدركوا حقيقة الصيام وتجاوزوا أسوار العادة  إلى مقام العبادة، هنالك تذوقوا حلاوة الإيمان، واستوعبوا فضل رمضان، وخرجوا من بطون تلك العادات والظلمات أحياء لهم أعين يبصرون بها ولهم آذان يسمعون بها ولهم قلوب يفقهون بها. فصح صيامهم وصدقت نياتهم وقويت همتهم واستقامت طريقتهم، فصاموا رمضان إيمانا واحتسابا، ونالوا من الله الرحمة والمغفرة والعتق من النار.

أما من توقفت همته في شهر رمضان عند أسوار العادات ولم يرتق إلى مقام العبادات فهو يصوم صورة لا حقيقة، تمثيلا لا تدليلا، نفاقا لا اعتقادا بدون أن يهتم أو يفكر في المصير يوم القيامة!! وهكذا تلافيا لمواقف الإحراج وتجنبا لمواقف الافتضاح أمام العامة فما عليه إلا أن يصوم رمضان عادة لا عبادة على هذه الكيفية التي تبدو في صيامه نهارا وتمضيته في لعب الأوراق ترفيها، وفي دخول دور الملاهي تسلية حتى يحين إبان الإفطار حيث يسمح له بأن يملأ بطنه بما لذ وطاب من الطعام ليعوض ما حرم عليه من أكل خلال النهار!، وشتان شتان بين من يصوم عن الطعام والشراب فحسب، ومن يحقق تقوى الله ويبذل وسعه وجهده ويستغل وقته ويجتهد في طاعة الله بعيدا عن الملهيات ومضيعة الأوقات. فهناك فرق كبير وكبير بين من يصوم عادة ومن يصوم عبادة.

وإن تعجب فعجب مما يصنعه القوم من أجل استقبال شهر رمضان. ففي كل سنة تتعبأ وسائل الإعلام بكل ألوانها وأشكالها كي تطمئن الصائمين وتخبرهم عن الاستعدادات التي  يقوم بها الناس أو ينبغي أن يقوموا بها لاستقبال شهر رمضان. حيث حديث القوم لا يتعدى مطالب البطن والطين، تطمينات من المسؤولين بتوفير ما يلزم من مواد غذائية وتهافت الناس على اقتناء متطلبات مائدة الإفطار وتجديد الأثاث المنزلي كلا أو بعضا، وفي سباق مع الزمن توضع اللمسات الأخيرة لإعداد البرامج الفكاهية التلفزية، مثلما تتنافس المجالس البلدية لتنظيم أمسيات غنائية تتمة لمهرجانات الصيف الصاخبة، أما الإدارات فتقلص ساعات العمل «رحمة بالصائمين»… هكذا يتحول شهر رمضان إلى عبء ثقيل على مستويات عدة: على الدولة بما يتطلبه من مؤن إضافية، على الأسر بما يحتاجه من نفقات خاصة، على الفرد بما يقتضيه من طاقة يصبح معها الترفيه وتقليص ساعات العمل ضرورة؛ في أجواء كهذه، أين ربانية شهر رمضان؟ وهل بهذا ينال الثواب وتعتق الرقاب وتتحقق مقاصد الصيام؟.

إن شهر رمضان أعطية ربانية للأمة الإسلامية تكريما لنبيه الحبيب ، وهو محطة للتزود تخفيفا مما كان من الأوزار واستشرافا لأعلى درجات الجنان، وهو كذلك وسيلة لنسج أواصر التآخي والتضامن والتراحم بين المسلمين رصا للصفوف وجمعا للكلمة تحقيقا لمعنى الجسد الواحد الذي شبه به المعصوم  المسلمين ليكونوا يدا على أعدائهم.

إن شهر رمضان موسم للتدريب على الرجولة الإيمانية تعلما للصبر وتدريبا على القصد في المؤونة وتجنبا للتبذير والإسراف واكتسابا لأسباب الانبعاث متى عرض المسلمون نفوسهم على المصحة النبوية ليتعافًوا من أمراضهم النفسية: أنانية وشح وتراخ وفُرقة وتكديس الثروات وصراع على زعـامات وهمية.

وختاما أقول: إن كل الشعائر التعبدية التي يتقرب بها المؤمن إلى الله جل جلاله، يلحظ أنها  وسائل تربوية، ومقامات تعبدية تهدف تحقيق الترقية الإيمانية والتزكية النفسية، والتربية الخلقية. وكل عبادة عارية عن هذه المقاصد والنيات فهي أشكال بلا أرواح، ومباني بلا معاني، وهي أقرب إلى العادات منه إلى العبادات. فكل عبادة لا تزكو بها نفس ولا يحيى بها قلب ولا تسمو بها روح، فهي عادة وليست عبادة.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *