الشيخ أبو الحسن الندوي، حكيم الوسطية (6) – الوسطية في السياسة 2


يرى الشيخ الندوي أن السلطة نتيجة لا غاية، وكان يرشد الجماعات الإسلامية إلى ان تجعل غاية سعيها وعملها الدعوة إلى الله، كما كان يؤكد أن الهدف من إقامة حكم إسلامي هو الهداية وليس الجباية، وكتابه (التفسير السياسي للإسلام في مرآة كتابات المودودي وسيد قطب) يترجم عن موقفه من الفكر السياسي الإسلامي» [أبو الحسن الندوي، العالم المربي والداعية الحكيم: د.محمد أكرم الندوي، ص.155 ـ 156]. وللشيخ أبي الحسن رسالة «بين الجباية والهداية»، وهي رسالة كتبها في الحجاز.قال رحمه الله:» كتبت هذه الرسالة بعضها في مقري وبعضها على الحافلة التي تنقلني مع الركاب من مكة إلى جدة، وبعضها على الميناء في انتظار الباخرة، ثم سلمتها إلى الشيخ عبد الله البياوي المقيم في مكة المكرمة، الذي بلغها إلى الشيخ عمر بن الحسن، وعلمت فيما بعد برسالة منه إلي أنه قرأها على الأمير سعود». [رحلات العلامة أبي الحسن الحسني الندوي، ص.31]. وهذه الرسالة كان من مبادئها وأصولها الدعوة إلى إصلاح ما بدأ يظهر في البلاد العربية، ولا سيما في جزيرة العرب من فساد. يقول: «لقد لاحظت في إقامتي الطويلة في الحجاز ــ في تجربة دارس للقرآن ونهم بالتاريخ ــ المرحلة الانتقالية التي هي من أدقّ مراحل الشعوب والبلاد ، وكيف بدأ البلد يحذو حذو البلد النامي الذي تشيع فيه الرفاهية والرخاء، وتتغير أوضاعه بسرعة، ويقفو أثر بلاد مصر والشام والعراق التي تتزعم التحرر والانطلاق، ويقلد البلدان الغربية التي لا وازع لها من خلق ولا دين، وكل ذلك إنما هو نتيجة تخلي هذه البلاد عن تلك الدعوة والحركة التي قامت لإصلاح العقيدة وإشعال العاطفة الدينية، فتحقق بفضلها ما لم يكن يتصور، وأصبح بها المستحيل ممكنا، فقامت دولة تستطيع ـــ إذا أراد الله ــ أن تعيد التاريخ على أعقابه، وتحقق من تكوين المجتمع الإسلامي المثالي ما كان يحلم به المعنيون بالإسلام، والذي هو من أشد حاجات العصر). [رحلات العلامة أبي الحسن الحسني الندوي، ص 30]. وهكذا نجد أبا الحسن دائما يبشر ولا ينفر، ويُطمعُ من يتحدث إليه من الحكام في أن يضطلع بمهمة إعادة مجد الإسلام. ولكن هذا لا يمنعه من أن يحذر من مغبة الانزلاق إلى الشهوات، والانحراف عن منهج الله تعالى، والركون إلى الترف والإسراف، والجحود بنعمة الله، فإن ذلك من أهم أسباب زوال النعم، وإحلال النقم. يقول متمما كلامه عن أرض الحجاز: « ولكنها منيت ــ على مرّ الأيام ــ بمشاكل ومحن، تمنى بها الحكومات الناشئة، من ضعف الدعوة والحسبة الدينية، وفقد القدوة الصالحة، وسيطرة الدوافع الاقتصادية والاستغلالية على الجهاز الإداري، وما قدر الله أخيرا من التضخم المالي، والعثور على منابع الثروة وأسباب الرخاء، فكانت تلك نتائج طبيعية منطقية نفسية، يقررها القرآن في إيجازه وإعجازه، ويشهد به تاريخ الحكومات والمجتمعات في حدوده وأسلوبه». لعله يتبادر إلى الذهن أن هذه النصائح التي كان الشيخ يقدمها إلى حكام الحجاز، وينتقد من خلالها مظاهر التغريب والانحراف التي بدأت تفرض سلطانها على تلك البلاد ، قد تجعله مائلا في مواقفه السياسية إلى خصومها، مثل ما حدث لغيره، عندما وقعت كارثة احتلال الجيش العراقي للكويت. فقد سارعت جهات عدة، حكومية وغير حكومية، إلى مساندة حاكم العراق آنذاك، وكان من بين هذه الجهات منظمة التحرير الفلسطينية، وكذلك كان شأن بعض الحركات والشخصيات الإسلامية، وزلت الأقدام مرة أخرى، وزاغت الأفهام، ولكن الشيخ أبا الحسن وقف موقف الحكيم، مستنكرا ما سيجره ذلك الموقف الأثيم على الأمة من الهزائم والمصائب المنكرة. فقد اعتبر الغزو العراقي للكويت مأساة، «نكس رأس الملة الإسلامية بكاملها» [في مسيرة الحياة»3/84]، ولكن ذلك لم يمنعه من أن يصور ما آلت إليه الأمور في دول الخليج من انهيار في الأخلاق، وانغماس في حياة الترف، حيث أشار إلى حياة الترف والبذخ، ودعا إلى هجرها. وفيما يلي بعض مما كتب في سيرته عن ذلك الحادث الأليم : «وقصرت في المقال الذي قدمته في هذا المؤتمر على الإشارة إلى هذا الغزو اللاديني واللاخلقي واللامبدئي، الذي جاء في غير أوانه، وفي غير مكانه، وبدون أي مبرر له، والذي يتنافى مع الضمير الإنساني، ومبادئ الأخلاق العامة، والقوانين الدولية، فضلا عن التعاليم الإسلامية السامية النبيلة، وأكدت بالإضافة إلى ذلك على ضرورة إيقاظ الوعي الديني، وإنشاء الحركات الإصلاحية، وأشرت إلى حياة البذخ والترف، ودعوت إلى هجرها.» وأضاف قائلا: «ولم يكن يناسب لي في هذا الوقت القصير، وفي هذا الجو الذي يسوده الحزن والكآبة، وفي هذا البلد الذي يملأ أرجاءه القلق والاضطراب ــ أن أتعرض لنقد المجتمع الذي يوجد فيه العالم العربي والإسلامي، ولاسيما المملكة العربية السعودية، من الناحية الدينية والخلقية، والحديث عن الواقع بالتفصيل والصراحة، أو أشير إلى مواطن الضعف في الحياة لهذه الدول العربية الإسلامية، لأنه يزيد العالم العربي ألما، ويكون بمثابة إثارة جرحه وآلامه، ويبرر للمعتدي اعتداءه، وللمؤيدين تأييدهم، وقد كنت جربت ذلك في بلادي». (32) هكذا إذن يتبين كيف أن الشيخ أبا الحسن الندوي كان في قلب الأحداث السياسية، يعيشها، ويسهم في توجيهها، ويدعو إلى ما يصلحها، ويعين الذي يريد الإصلاح على ما يريد، ويحذر من مغبة الفساد والانحراف، وتلك هي مهمة الداعية المحتكم إلى الوسطية، والمتصف بالحكمة. ومن يوت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا (البقرة: 269). أ. د. حسن الأمراني

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>