علم التوقيت في المغرب الأقصى تراث علمي عتيد يحتاج إلى بعث وتجديد 1


تمـهـيد :لا يخفى أن علم التوقيت أو التعديل من العلوم الإسلامية الضرورية، إذ به يتوصل إلى معرفة أزمنة الأيام، ومعرفة أحوالها، وكيفية التوصل إليها لضبط أوقات العبادات وتوخي جهتها، لذلك حظي عند العرب والمسلمين بعناية فائقة واهتمام بالغ، سواء ما كان منه راجعا إلى قواعد الحساب والرياضيات، أو كان راجعا إلى العادة والأعراف الشعبية، كما تترجمه أسماء العلماء الذين برزوا في هذا الفن، وأعمالهم التي بقيت شاهدة على ما أعطوا وأنتجوا في هذا المضمار من آثار تندرج في مجملها تحت العلوم الفلكية عامة، مع صلات وثيقة ببعض فروعها، خاصة علم الأزياج، وما ارتبط بذلك من رؤية الأهلة وتحديد سمت القبلة والإسطرلاب وغير ذلك. الحياة الفلكية فـي عدوة الأندلس : وقد شهد المغرب الأقصى حركة كبيرة في مجال علم التوقيت والتعديل، فانبرى لهذا الأمر فطاحلة من أهل العلم والحساب، تنظيرا وتطبيقا وتأليفا، كُتبت أسماؤهم على صفحات كتب التاريخ. ففي عدوة الأندلس، شغل الساحة الفلكية مجموعة من الأعلام المسلمين، تعاقبوا عليها على مر الأزمان، اشتغلوا بالتنظير في مسائل الفلك، واختراع آلات العمل على مستوى ضبط الأوقات وتحديد الاتجاهات، وحساب النجوم. ومن بين هؤلاء أبو إسحاق التجيببي(1029م )، المعروف باالزرقالي (Arzachel)، عالم فلكي اشتهر بسعة اطلاعه وذكائه. وقد اشتهر بقياسه طول البحر الأبيض المتوسط قياسا دقيقا يقارب القياسات الحديثة، وقام بحساب مواقع النجوم، وله مؤلفات عديدة في الفلك، ترجمت إلى اللغات الأجنبية(1). وممن اشتهر من علماء الأندلس في القرن الثاني عشر، محيي الدين يحيى بن محمد بن أبي الشكر المغربي الأندلسي، كان دقيقا في أعماله، فحقق النظر في الموروث عن اليونان من النظريات الفلكية، وطور الأسطرلاب الذي كان من أهم أدوات الرصد آنذاك، في كتاب له أسماه: تسطيح الاسطرلاب، فترك محيي الدين مجموعة من المصنفات في مجال الفلك والرياضيات(2)

الحياة الفلكية في عدوة المغرب : أما في المغرب فقد اشتهر علماء كثر، ملؤوا الساحة الفلكية عبر تعاقب الأزمنة، تنظيرا وتصنيفا وتطبيقا، وآثارهم التي خلفوها أكبر دليل على نضجهم في مجال الفلك والرياضيات والهندسة، وتفاعلهم مع واقعهم تلبية لمتطلباته في مجال ضبط الوقت وحساب حركات الزمن. فكان من آثارهم الخالدة نظم أبي مقرع البطيوي، من علماء القرن الثامن، وعلى هذا النظم شروح، منها المقنع في اختصار نظم أبي مقرع، لمحمد بن سعيد المرغيتي1020ه. وروضة الأزهار في علم وقت الليل والنهار لعبد الرحمن بن أبي غالب الجادري839ه ، وهي أرجوزة من 336 بيتا طبعت بشرح قطف الأنوار من روضة الأزهار لعبد الرحمن السوسي البوعقلي المعروف بابن المفتي1020ه. ومنها اليواقيت في المنتقى من علم المواقيت ، وهي أرجوزة من 412 بيتا لعلي بن محمد الدادسي، وهو من التراث المخطوط.(3)

الكرسي الفلكي في جـامع القرويين : من جهة أخرى فقد أنتجت لنا جامعة القرويين ثلة من المؤقتين، سطع نجمهم في سماء العلم والحساب، منهم العالم الكبير، شيخ الجماعة بفاس، أبو محمد سيدي عبد الواحد بن أحمد بن علي بن عاشر الأنصاري نسبا الأندلسي أصلا، الفاسي منشأ ودارا 1040ه. ممن له التبحر في العلوم، والمشاركة في الفنون، وكانت له تآليف كثيرة في مختلف الفنون، في غاية التحرير والإتقان؛ منها في فن التوقيت، منظومة على الربع المجيب، وهو الذي قال فيه صاحب السلوة: وله اليد الطولى في التوقيت والتعديل(4) ومنهم الشيخ الفقيه المؤقت المعدل أبو جيدة بن محمد المدعو حم المشاط المنافي، كان رحمه الله موقتا بمنار مسجد القرويين، قائما به، فكان يقيم على روضة الجادري في التوقيت، إلى أن توفي سنة 1148هـ(5)، ومنهم رئيس المؤقتين بمنار القرويين، العلامة أحمد الحبابي، ومنهم الوزير الشاعر محمد بن إدريس العمراوي الشهير ابن الحاج(6). وممن تأخر بهم الدهر على منصة التوقيت بفاس، العلامة محمد العلمي الإدريسي الحسني1373ه صاحب كتاب « تقريب البعيد من الجامع المفيد »، وهو كتاب نفيس في علم التوقيت والتعديل، وسيدي محمد بن محمد مكوار الأستاذ بجامع القرويين، شارح نظم العمدة في التوقيت للعلامة الفلكي الشريف سيدي محمد العلمي.

الأطلس الفلكي في المغرب : ومما هو محفور في الذاكرة، وساكن في الوجدان، ما تحتفظ به آثار مدينة مراكش، من بصمات حضارية راقية في المجال الفلكي، وما خلفه علماؤها الأعلام من جهود رائدة في الباب. فقد عرفت هذه المدينة عددا من المؤقتين الذي ذاع صيتهم في المعمور، كأحمد الولتي الطأطائي (توفي في أوائل القرن11) ومحمد الطائع الجنان المكناسي ثم المراكشي(ت1290)، وأبي بكر محمد بن يحيى بن باجه، دفين فاس، تعددت مواهبه فشملت الفلسفة والفلك والرياضيات، له كتاب « نبذة يسير عن الهندسة والهيئة »(7)، وممن تأخر بهم الزمان العلامة الفلكي الشهير الأستاذ محمد بن عبد الوهاب بن عبد الرازق (ت 1432) الذي خلف مؤلفات وأبحاثا ثمينة وقيمة، منها كتاب « العذب الزلال في مباحث رؤية الهلال »، كما خلف زمرة من التلاميذ الذين ما زالوا يبحثون عن مكان لهذا الفن، ويملؤون الساحة رغبة في المحافظة على هذا الإرث العلمي الثمين وطلبا في التجديد.

إن اهتمام علماء المسلمين والمغاربة خصوصا بالمواد الفلكية والحسابات الزمنية المرتبطة بالشمس والقمر، يعود في البداية إلى توقف المنظومة الفقهية الشرعية في الكثير من الأحيان على قضايا فلكية، تجعل الفقيه في حاجة إلى تحليلها وبيان وجه الحق فيها، ذلك أن الفقه الإسلامي مرتبط ارتباطا وثيقا بالزمن والمكان، كما ألْمحْنا قبل قليل، سواء في مجال العبادات أو في مجال المعاملات، مما يفرض على الفقيه المشاركة في علم الفلك، للبث في قضايا الناس المرتبطة به، ولذلك عني المغاربة بالدراسات الفلكية منذ القديم، فأحدثوا لذلك مراكز فلكية تجعل من المسجد مقرا لها ومنزلا، كما يظهر من خلال غرفة المؤقتين في جامع القرويين، وغيره من الجوامع والمساجد في بلاد المغرب الأقصى.

قضية ونـداء : من هنا يتبين أن المغرب الأقصى كان له شأن كبيرا في ميدان الفلك وعلم المواقيت عبر التاريخ، وما زالت أنجم هذا العلم تلوح على استحياء في سماء وطننا، متمثلة في أناس حمّلوا أنفسهم مهمة إنارة نجوم انطفأ شعاعها، وكواكب تباطأ سيرها. ومع ذلك فإن أمر علم التوقيت ما زال يشكل عقبة كؤودا تقف أمام الراغبين في التمكن من أصوله والخوض في فروعه، لصعوبة تناول مصادره، مع قلتها بين مطبوع يحتاج إلى التعريف به تدريسا وتعليما، ومخطوط يحتاج للتحقيق والإخراج، ومفقود يحتاج إلى البحث والكشف عنه لتحقيقه. وإن عودة تدريسه بالتعليم العتيق ببلادنا ليعد من الأعمال الإحيائية لهذا العلم التي يمكن أن تسهم في إعادة الاعتبار للمادة الفلكية في بلادنا، لاسيما وأن مسائل وفروع علم الفلك في المغرب بدأت تنحصر في أفراد حَكَم الدهر عليهم بالطعن في السن، مما يعني وجوب نجدته، إذ ما فتئ بلدنا الحبيب يغني على إيقاع النجوم، في حين ظلت الساحة الفلكية اليوم تبكي انفراط عقد العلماء بالأفلاك والنجوم.

ذ. صهيب مصباح
————
1- أعلام المبدعين 1/515
2- المرجع السابق 1/595
3- رقم المخطوط 1/194 فهرس مخطوطات الخزانة العلمية بالمسجد الأعظم بتازة 2/858.
4- أنظر سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس، للشيخ محمد بن جعفر الكتاني2/310 دار الثقافة الدار البيضاء ، فهارس علماء المغرب د. عبد الله الترغي 642
5- سلوة الأنفاس 2/141
6- المصدر السابق 2/420
7- أعلام المبدعين 1/665


اترك تعليقا :

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

Commentaire sur “علم التوقيت في المغرب الأقصى تراث علمي عتيد يحتاج إلى بعث وتجديد