لكـم دينكـم ولـي دين!!


رسالة إلى كل الـمتغربين… يقول أحد الفلاسفة الألمان: “إن الحدود التي تستحق أن تسمى حدودا طبيعية بين الشعوب هي التي ترسمها اللغات”. ولذلك فكثيرون هم الذين اتضحت لهم تلك الرابطة الوثيقة بين اللغة والهُوية، لأنهم يرون في لغاتهم ما لا يراه العرب والمسلمون في لغتهم، ما جعلهم يعتزون بها، ويستميتون في الدفاع عنها والتمكين لها بكل ما أوتوا من قوة وجهد، تجلى حتى في تشريعاتهم وقوانينهم. نشرت جريدة هسبريس الإلكترونية خبرا تحت عنوان: “توقيفُ رجل أمن أفشَى السلام بالعربية على زملائه بفرنسا”، هذا الخبر يحكي قصة توقيف رجلِ أمنٍ منْ عمله، في مطار “نيسْ كودْ دازِيرْ” في فرنسَا، لأنَّه أفشَى السلام على زملائه باللغة العربيَّة، إثر ذلك أصدرَت ولاية “الألب ماري تيم”. قرارًا في السابع عشر من ديسمبر الماضِي، تلومُ فيه رجلَ الأمن على تحيَّة زملائِه بالعربيَّة، والأنكَى من ذلك، أنَّها ذهبَت إلى حدِّ اعتبار التصرف من باب الراديكاليَّة الدينيَّة”، ووفقَ ما نقلتهُ مصادر إعلامية، بسببِ هذا القرار سيجد رجل الأمن نفسه موقوفًا عنْ العمل، وهو المعِيل للأسرة، لسببٍ لا يزالُ محط استغرابٍ عند مجلس مكافحَة الإسلاموفوبيَا في فرنسا، الذي أعلنَ مؤازرته لرجل الأمن الموقوف، بعدمَا اعتبرتْ السلطات الفرنسية التحيَّة باللغة العربيَّة، لباقةً في باطنهَا راديكاليَّة. عفوا سادتي… فلا داعي للاستغراب! لأن الفرنسيين ينسجمون مع معتقداتهم وقناعاتهم، ويدافعون عن استقلال لغتهم وهويتهم وهذا من حقهم، فلقد أصدروا قديما قانونا ينص على أن “اللغة الفرنسية هي الأمة الفرنسية”، كما وضعت الأكاديمية الفرنسية قانونا يعتبر استعمال كلمة إنجليزية لها مقابل بالفرنسية، مخالفة قانونية، وإن كانت الكلمة شائعة، كما أصدرت في نهاية القرن العشرين قرارا يمنع عقد مؤتمر بالإنجليزية في فرنسا، وهو ما أقرَّته الجمعية الوطنية قانونا، أما الجنرال ديغول فكان يرى أن السماح بتداول اللغات والكلمات الأجنبية خيانة للوطن. في حين تناقلت وسائل الإعلام أن جاك شيراك قاطع رئيس المصرف المركزي الأوربي، وهو فرنسي الجنسية عندما قدم تقريرا بالإنجليزية في مؤتمر الاتحاد الأوربي، وخرج من المؤتمر احتجاجا على اعتماد أحد رعاياه اللغة الإنجليزية بدل الفرنسية في خطابه، كان ذلك نصرة للغة والهُوية الفرنسية. عباد الله: إن شعبا يحترم نفسه، ويحفظ للغته مكانتها كمكون من مكونات الهوية هو الذي يستحق أن يمنح صفة مواطن. أما الذين لا يرون منقصة في التبعية، ويسخرون من كل متحرر من قيود الاحتلال المقيت، ويَعملون ليل نهار بتوجيه من أسيادهم لإخراج لغتهم الأم من الحياة وإن كانت خير لغة نطق بها الناس على مر العصور والأزمنة، وإن كانت لغة اختارها الله تعالى ليكلم بها عباده في رسالته الخاتمة، فهم سبب البلاء في أي أمة، وهم سبب العار والذل والهوان، حاجتهم إلى التوبة والرجوع إلى أحضان اللغة التي تحمي من الذوبان، والوطن الذي يحتضن اللغة والإنسان، والهوية التي تضمن الاستمرار في الزمان والمكان، كحاجتهم إلى الماء والهواء. أم أن الاعتزاز بالهوية سلوك متأصل في وجدان كل شعوب الأرض باستثناء بعض من يسمون ب”النخب المتنورة” في بلادنا العربية والإسلامية الذين يمثلون النموذج في فقدان قيم الهوية والانتماء الحضاري؟ أكتب ما تقرؤون وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

عبد الحميد الرازي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *