لطائف البيان في وعظ السلطان


315 لطائف البيان في وعظ السلطان

يجب على واعظ السلطان أن يفرق بين التأنيب والنصيحة ولابد، ويحسن التلطف في النصح والإرشاد ويتخلله بكمال التوقير والتقدير والإجلال والاحترام، لتخفيف الوعظ على قلبه واستمالة سمعه وشد انتباهه قصد استجاشة مشاعر الخير والرحمة في نفسه، وحثه على الاستقامة في سياسة رعيته، وقد أمر الله بهذا الأدب مع السلطان الكافر عند وعظه وتذكيره، فقد قال تعالى لموسى وهارون في حق فرعون : {فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى}(طه : 44) فلابد لواعظ الحكام أن يكون فقيها حكيما، وافر العقل والخلق، وصاحب رأي سديد وتدبير حسن، لا يؤخر ما ينبغي تقديمه، ولا يقدم ما ينبغي تأخيره، ولا يقول ما ينبغي السكوت عنه، ولا يسكت كما يجب قوله لأن النصيحة وقعها شديد على النفس، ولذلك على الواعظ أن يقدم الحكمة بين يدي وعظه امتثالا لقوله تعالى : {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة}(النحل : 125) يقول الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى : >وينبغي لمن وعظ سلطانا أن يبالغ في التلطف، ولا يواجهه بما يقتضي أنه ظالم، فإن السلاطين حظهم التفرد بالقهر والغلبة، فإذا جرى نوع توبيخ لهم كان إذلالاّ وهم لا يحتملون ذلك.

وإنما ينبغي أن يمزج وعظه بذكر شرف الولاية، وحصول الثواب في رعاية الرعايا، وذكر سير العادلين من أسلافهم، ثم ينظر الواعظ في حال الموعوظ قبل وعظه، إن كانت سيرته حميدة كما كان منصور بن عمار وغيره، يعظون الرشيد وهو يبكي، وقصده الخير زاد في وعظه ووصيته.

وإن رآه ظالما لا يلتفت إلى خير، وقد غلب عليه الجهل اجتهد في ألا يراه ولا يعظه لأنه إن وعظه خاطر بنفسه، وإن مدحه كان مداهنا، فإن اضطر إلى موعظته كانت الإشارة، وقد كان أقوام من السلاطين يلينون عند الموعظة، ويحتملون الواعظين، حتى إنه كان المنصور يواجه بأنه ظالم فيصبر.

ثم قال رحمه الله : فمن اضطر تلطف غاية التلطف(1).

ومن التلطف في هذا المقام أنك إذا وعظت صاحب السلطة فاجتهد أن تكون الموعظة في خلوة معه.

قال  : >من :أراد أن ينصح سلطانا يأمر، فلا يبذل له علانية، ولكن ليأخذ بيده، فيخلو به فإن قبل منه فذاك وإلا كان قد أدى الذي عليه<(2).

وسئل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن أمر السلطان بالمعروف ونهيه عن المنكر فقال : إن كنت فاعلا ولابد ففيما بينك وبينه. وكان السلف إذا أرادوا نصيحة أحد وعظوه سرا، حتى قال بعضهم : من وعظ أخاه فيما بينه وبينه فهي نصيحة ومن وعظه على رؤوس الناس فإنما وبخه، وقيل لأسامة بن زيد : لو أتيت فلانا = يعنون عثمان بن عفان فكلمته. فقال : إنكم لترون أني لا أكلمه إلا أن أسمعكم أني أكلمه في السر دون أن أفتح بابا لا أكون أول من فتحه.

فلهذا كانوا إذا وعظوا الحاكم في مجلسه  عند حاشيته وأمام بطانته رأيت إرشادهم غاية في اللياقة المتناهية، واليقظة الواعية، لإشعار الموعوظ أنه السيد في دنياه وإنما تعظه حتى لا تضيع منه أخراه، فيتحقق له نعيم الدارين، عن محمد بن منصور البغدادي قال : قام بعض الزهاد بين يدي الخليفة المنصور فقال : إن الله أعطاك الدنيا بأسرها فاشتر نفسك ببعضها، واذكر ليلة تبيت في القبر لم تبت قبلها ليلة، واذكر ليلة تتمخض عن يوم لا ليلة بعدها -وهي ليلة يوم القيامة- فأفحم المنصور وأمر له بمال، فقال : لو احتجت إلى مالك وما وعظتك.

ولابد من معرفة سيرة الحاكم، إذ لا يخلو سلوكه من سلبيات وإيجابيات، فيعمل على تسكينه بإظهار إيجابياته حتى لا يحس بوخز الطعن في سلبياته.

—–

1- صيد الخاطر 508.

2- رواه الإمام أحمد والحاكم وقال الهيثمي رجاله ثقاة وإسناده متصل.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *