من لم يرحم الناس لن يرحمه الله


315 من لم يرحم الناس لن يرحمه الله

عن أبي هريرة ] : أن الأقرع بن حابس أبصر النبي  يقبل الحسن فقال: إن لي عشرة من الولد ما قبّلت واحدا منهم. فقال رسول الله  : >إنه من لا يَرحم لا يُرحم<    (رواه البخاري ومسلم).

تـقـديــم:

إن عواطف الآباء والأمهات  نحو أبنائهم، وصدق مشاعرهم التي تفيض رقة وحنانا، وتتأجج رحمة ورأفة، وإن قوة محبتهم تجاه فلذات أكبادهم وثمرات أفئدتهم، تدفعهم ليبذلوا قصارى جهودهم وغاية مساعيهم في تربية أولادهم وإعدادهم ليكونوا صالحين في الحياة.

وإذا كانت قلوب الآباء والأمهات مفطورة على محبة أبنائهم، ومتأصلة بالمشاعر النفسية، والعواطف الأبوية لحمايتهم والرحمة بهم والشفقة عليهم، والاهتمام بأمورهم، فإن رسول الله  كان أكثر الناس حرصا على ترسيخ خلق الرحمة في القلوب، وكان على رأس المتخلقين بهذا الخلق الكريم ، فقد روى البخاري ومسلم أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: قبَّل رسول الله  الحسنَ بن علي، وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالس، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدا، فنظر رسول الله  إليه، ثم قال:” من لا يَرحم لا يُرحم”.

المعنى الإجمالي للحديث:

تراحم العباد في الأرض سبب تنزل الرحمات والبركات من رب العباد.

المعاني الجزئية للحديث:

1- إن الأقرع بن حابس التميمي، قد استغرب من رسول الله  أن يقبل حفيده الحسن بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وذكر أنه لم يقبّل أحداً من أبنائه العشرة، فرد عليه  أن ما قام به نح، فقيده هو مظهر من مظاهر الرحمة بالأبناء، وأن الذي يرحم غيره لا يرحمه الله ولا يرحمه الناس مصداقا لقوله  : >الراحمون يرحمهم الرحمان، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء<.(…)

2- من المشاعر النبيلة التي أودعها الله عز وجل في قلب رسول الله  شعوره بالرحمة، وهي خلق أصيل من أخلاقه ، وليست رحمته خاصة بفئة دون أخرى وإنما هي شاملة لكل الخلق مصداقا لقوله تعالى: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم}(التوبة : 128- 129)، وقد كانت ينابيع الرحمة تتفجر من قلبه نحو الأطفال الصغار رأفة بهم وعطفا عليهم، وهو شعور كريم له في تربية الناشئة وفي إعدادهم وتكوينهم أفضل النتائج وأعظم الآثار، لهذا نجده  يحض الكبار من آباء وأمهات ومعلمين ومربين ومسؤولين على التحلي بهذا الخلق الكريم والتخلق به، اقتداء به ، فقد روى أبو داوود والترمذي عن عَمْر بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنهم، قال: قال رسول الله :” ليس منا مَن لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا”، وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: أتى النبيَ  رجلٌ ومعه صبي، فجعل يضمه إليه، فقال النبي : أترحمه؟ قال: نعم، قال: فالله أرحم بك منك به، وهو أرحم الراحمين”. وكان  إذا رأى أحدا من أصحابه لا يرحم أولاده يزجره بحزم ويوجهه إلى ما فيه صلاحهم، فقد روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها، قالت: جاء أعرابي إلى النبي ، فقال أتقبلون صبيانكم؟؟ فما نقبلهم؟؟ فقال النبي :” أوَأملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة؟” وروى البخاري عن أنس بن مالك ]، قال : (جاءت امرأة إلى عائشة رضي الله عنها، فأعطتها عائشة ثلاث تمرات، فأعطت كل صبي لها تمرة، وأمسكت لنفسها تمرة، فأكل الصبيان التمرتين ونظرا إلى أمهما، فعمدت الأم إلى التمرة فشقتها، فأعطت كل صبي نصف تمرة، فجاء النبي ، فأخبرته عائشة رضي الله عنها، فقال:” وما يعجبك من ذلك؟ لقد رحمها الله برحمتها صَبيَّيْها). وروى البخاري ومسلم عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، قال: (أرسلت بنت النبي  إلى أبيها أن ابني قد احتضر، فاشْهَدْنا، فأرسل  يُقرئ السلام، ويقول:” إن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب”، فأرسلت إليه تقسم عليه لـَيَأتِيَنَّها، فقام ومعه سعد بن عبادة، ومعاذ بن جبل، وأبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، ورجال رضي الله عنهم، فرُفِع إلى رسول الله  الصبيُّ، فأقعده في حجره، ونفسه تُقَعقِع(تتحرك وتضطرب)، ففاضت عيناه، فقال سعد رضي الله عنه: يا رسول الله، ما هذا؟ فقال :”هذه رحمة جعلها الله تعالى في قلوب عباده”، وفي رواية: {جعلها الله في قلوب من شاء من عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء}(الأنعام : 12).

فوائد ومستفادات:

1- إن الرحمة في أفقها الواسع وامتدادها المطلق صفة رب العالمين، فهو- سبحانه- الذي كتب على نفسه الرحمة، وهو الرحمان الرحيم، {قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله، كتب على نفسه الرحمة، ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه}(الأنعام : 12)، وهو- سبحانه- الذي وسعت رحمته كل شيء، وهو القائل:”ورحمتي وسعت كل شيء، فسأكتبها للذين يتقون ويوتون الزكاة والذين هم بآياتنا يومنون”.

2- وما رحمة الخلائق بعضهم ببعض إلا أثر من آثار رحمة الله- تعالى- التي جعلها مائة جزء، فأمسك تسعة وتسعين جزءاً ليوم القيامة، وأنزل منها جزءاً إلى الأرض، ومن ذلك الجزء يتراحم الخلائق، فأوفر الناس نصيباً من هذه الرحمة أرقهم أفئدةً وأزكاهم نفساً، ولذلك أراد الإسلام أن يطبع الناسَ بالرحمة الشاملة، وأن يغرس جذورها في قلوبهم، حتى تمتلئ هذه القلوب خيراً وبراً، وتفيض على الدنيا رجاء وأملا.

3- والرحمة صفة كريمة، وعاطفة إنسانية نبيلة، تبعث على فعل الخير وبذل المعروف، وتحث المؤمنين على التعاون والإيثار، وتغرس في قلوبهم الرقة والحنان، والعطف والإحسان، وتحقق فيهم معنى الأخوة الصادقة التي أرادها الله تعالى بقوله: {إنما المومنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون}(الحجرات : 10).

4-  إن الإسلام بتعاليمه القويمة يأمر الآباء والأمهات وكل من تقلد مسؤولية التوجيه والتربية أن يتحلوا بالأخلاق العالية، والملاطفة الرصينة، والمعاملة الرحيمة حتى يُشعروا المتربين أنهم ذوو تقدير واحترام وكرامة، ويُنشئوهم على الجرأة والاستقامة.

5- إن الرحمة إذا سكنت قلوب الآباء والأمهات وكل المربين والمربيات، ورسخت في نفوسهم، قاموا جميعا بما ألقي على عاتقهم من واجب التربية والرعاية والعناية وحفظ الأمانة وتحمل المسؤولية وتبليغ الرسالة تجاه الناشئة، فهل جعلنا للرحمة موضعا في قلوبنا؟ وهل طبعنا معاملاتنا مع أبنائنا وبناتنا بطابع الرحمة حتى تظهر عليهم نتائج التربية الحسنة السليمة من الأمراض والعقد النفسية وردود الأفعال السلبية؟ أم أن طابع الغلظة والقسوة والعنف والزجر والقهر والضرب المبرح والسب واللعن والشتم هو الأسلوب الذي يطغى علينا في التربية؟

6- إن القلب الذي يتجرد من خلق الرحمة يتصف صاحبه بالفظاظة العاتية، والغلظة اللئيمة القاسية، ولا يخفى ما في هذه الصفات القبيحة من ردود فعل في انحراف الأولاد وتخبطهم في أوحال الفساد والرذيلة ومستنقعات المعصية والجريمة، لأن الأبناء يتأثرون تأثيرا بليغا بمعاملات آبائهم لهم وبتصرفاتهم نحوهم، وكثيرا ما يكون الآباء سببا في انحراف الأبناء.

7- إن الطفل إذا عامله أبواه ومربوه معاملة قاسية، وأدبوه بالضرب الشديد والتوبيخ القارع، واستهدفوه بالتحقير والتشهير، والاستهزاء والازدراء، والاستخفاف والسخرية، فإن ردود الفعل ستظهر في طبعه وخُلقه، وسلوكه ومواقفه، وإن ظاهرة الخوف والانكماش ستبدو في أقواله وأفعاله وتصرفاته، وقد ينشأ على الاعوجاج والانحراف، فيصبح في المجتمع مجرما، ويعيش في الحياة على الميوعة والانحلال.

8- ليس من الرحمة ما يصنعه بعض الآباء والأمهات من تدليل أولادهم، ورفع المسؤولية عنهم، وتركهم يفعلون ما يشاءون، وينشأون كما يريدون.

9- وليس من الرحمة أن يجتهد الآباء والأمهات في توفير حاجيات الأبناء من مأكل ومشرب وملبس ومسكن وغير ذلك من متطلبات الحياة الدنيا الضرورية والكمالية، ولكنهم يغفلون عن إعدادهم للفوز في الدار الآخرة والنجاة من النار، مصداقا لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا.}(التحريم : 6)

10- وليس من الرحمة ما يمارسه بعض الآباء والأمهات على مرأى ومسمع من الأبناء حين يحتدم النزاع بينهم ويستمر الشقاق وترتفع وثيرة الصراع ويتبادلون الضرب واللكمات والتنابز بالألقاب وإفشاء بعض الأسرار، فيصطدم الأبناء بذلك ويفكر بعضهم في محاولة التخلص من مشاكل البيت بالتعاطي للمخدرات ومخالطة رفقاء السوء ليصبح في الأخير خطرا وبلاء على البلاد والعباد، فلو  كان في قلوب الآباء  والأمهات رحمة وشفقة لما فعلوا ذلك أمام الأبناء.

11- وليس من الرحمة ما يقع في المجتمع من حالات الطلاق وما يصحبها من تشرد الأبناء وضياعهم، وما يعقبها من تشتت وفراق، فالأولاد حينما يفتحون أعينهم على الدنيا ولا يجدون الأمهات اللواتي يعطفن عليهم ويحتمون في حضنهن، والآباء الذين يصونونهم ويرعونهم، فإنهم لاشك سيتربون على الفساد والانحراف، ولو سكنت الرحمة قلوب آبائهم وأمهاتهم لصبروا واحتسبوا، ولفكروا في مصير أبنائهم قبل أن يفكروا في أنفسهم.

12- إن قسوة القلوب، وتحجر الأفئدة، ونزع الرحمة من النفوس، علة الفسوق عن أمر الله، وسر الانحراف عن الطريق القويم، والصراط المستقيم، وسبب الفساد الذي عم البلاد، ومانع رئيس من الموانع التي حالت دون تنزل الرحمات والبركات من رب العباد..

13- اللهم وفق أبناء المسلمين إلى ما فيه عزهم وسعادتهم، وهبهم الإيمان الذي يجدون حلاوته في قلوبهم، وألهمهم الرشاد والسداد، واجعل منهم أمة قوية متينة تبني الحضارة وتنشر العلم وتغرس الفضيلة وترسخ القيم  وتسترجع المجد وترفع لواء العز والنصر.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>