اللغة العربية لغة القرآن: مباني ومعاني (10)


مناقشة دلالتي الحال والتوكيد أو النعت

{وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا} : تتمة وتلخيص لكل ما أسلفناه بخصوص الآيات الثلاثة، التي تتحدث عن علاقة القرآن الكريم باللسان العربي المبين، باعتباره لسانا متميزاً عن غيره من الألسن في هذا المجال، وذلك ابتداء من العدد 383، والآيات المذكورة هي : (101- 106  من سورة النحل)، و(192- 196 من سورة الشعراء) وأخيرا (الآ ية 12 من سورة الأحقاف)، وهي التي سنتمم مناقشتها في هذه الحلقة بإذن الله تعالى. ونظراً لما يتطلبه موضوع هذه الحلقة من التحليل والبيان مما يستوجب تجاوز مادّتَه للمساحة المخصصة لنشره، سنقسمه إلى حلقات فرعية تلافيا للوقوع في هذا الإشكال، وعليه تحدد حلقاته كالتالي :

> الأولى : عرض لمكونات الجملة المتظافرة على نسيج معناها بعد التقديم.

> الثانية  : عرض موجز للقواعد المؤثرة في معنى الجملة “الآية” مع التركيز على جانبها الوظيفي المتعلق بالآية المذكورة.

> الثالثة : علاقة الحال والتوكيد بالموضوع وعليه نقول وبالله التوفيق.

ناقشنا في الحلقة  الأخيرة (المحجة 393 ) دلالة كلمة “مصدق” بناء على ما تضمنته من المكونات المعجمية و التصريفية، ومضامين تركيبية .كما ناقشنا جانب الدلالة المعجمية والتصريفية لكلمة “لسان”. وقد أوردنا في آخر الحلقة المذكورة رأي ابن منظور بخصوص إعرابه للكلمتين “لسانا”و”عربيا” كما وردتا في الآية أعلاه حيث أعرب الأولى لسانا توكيدا، والثانية “عربيا” حال. وقد واعدنا بمناقشة الجانب المؤثر في معنى الآية التي بين أيدينا لكلا القاعدتين ” الحال” و”التوكيد” إن صح وروده هنا. ولذا نعيد كتابة النص الذي أوردناه لابن منظور في هذا الموضوع لنبني عليه ما نراه مناسبا من القاعدتين المذكورتين لتوضيح معنى الآية {وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا}. يقول ابن منظور : واللَّسَن أي بالتحريك (أي بفتح السين) : الفصاحة وقد لَسِنَ بالكسر فهو لسِنٌ… واللسْن (بسكون السين)، جودة اللسان، وسلاطته، لَسِنٌ(بكسر السين) لسَناً فهو لَسِن، وقوله عز وجل : {وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا}. أي مصدق للتوراة، وعربيا منصوب على الحال. المعنى مصدق عربيا، وذكر لسانا توكيد كما تقول  : حاءني زيد رجلا صالحا، وبجوز أن يكون لسانا مفعولا بمصدق، المعنى مصدق النبي صلى الله عليه وسلم، أي مصدق ذا لسان عربي…”( ل ع 03/386 ع 2 مادة 30).

نترك هذا النص كما هو عند ابن منظور،  وإن بدا لنا في بعض عباراته وجهة نظر مخالفة في ما قدمنا من تفسير لبعض عباراته بناء على  إعرابه لكلمتي: لسان وعربي، وسنعود إلى التعليق عليه في آخر الحلقة إن شاء الله. والآن نركز على  المقصود الذي هو ما يتصل بقاعدتي الحال والتوكيد، كما ورد إعرابهما في النص الذي أوردناه لابن منظور أعلاه،  لنرى مدى تأثير كل منهما من جانبه في تقوية معنى  الآية : {وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا}، وذلك كما يلى :

الحال، وقد عرفوه بقولهم : “وصف، منصوب، فضلة، يبين هيئة ما قبله، من فاعل مثل : “ظهر البدر كاملا” أو مفعول به مثل : “أبصرت النجوم متوهجة”.أو منهما معا مثل : “فحص الطبيب مريضه جالسين”، أو من غيرهما (أي من غير الفاعل والمفعول)، مثل : “النزول من القطار -متحركا- خَطِر”. وقت وقوع الفعل (أي أن الحال يبين هيئة ما قبله مما ذكر وقت وقوع الفعل) كما هو الشأن بالنسبة للكلمات المنصوبات، المذكورة في هذه الجمل بالترتيب “كاملا” و”متوهجة”, و”جالسين”. و”متحركا”. فكل كلمة من بين هذه الكلمات “وصف” يبين حال ما قبله حين وقع فعله،  كفعل “ظهر” بالنسبة ل “كاملا”. وأبصر بالنسبة ل: “متوهجة”… وهكذا الباقي من الأمثلة “النحو الوافي 2/338 بتصرف.

والذي يناسب ما نحن بصدده من أجزاء هذا التعريف مما ورد عند ابن منظور في قوله : “وعربيا منصوب على  الحال” هو قول صاحب التعريف : “أو من غيرهما”، ذلك أن “لسانا” في الآية “وهذا هو الحق مصدق لسانا” في الآية حال مؤكدة لمضمون الجملة، كالمثال السابق “النزول من القطار متحركا” فكل من “لسانا” في الآية، و”متحركا” في هذا المثال حال مؤكدة لمضمون الجملة الإسمية قبله، وقد مثل ابن هشام لهذا النوع من التركيب بقوله : “زيد أبوك عطوفا” وقول الشاعر :

أنا ابن دارة معروفا بها نسب     ***     وهل بدَارَةَ ياللَنَّاسِ من عار؟

وبعد إعرابه هذا البيت إعرابا مفصلا في الهامش يقول :

والشاهد فيه قوله : “معروفا”، فإن هذه الكلمة حال أكدت مضمون الجملة قبلها” شذور الذهب ص 269 (بتصرف).

وبناء على هذا الذي أوردناه لابن هشام في هذا الموضوع فإن أول وظيفة دلالية يمكن إسنادها لكلمة “عربيا” في الآية التي نحن بصدد مناقشتها هي تأكيد مضمون الجملة الذي تتضافر مكوناتها على نسجه وإبرازه، فالجملة”وهذا كتاب… الآية” جملة اسمية تدل ببنيتها على الثبوت. وصدرها  اسم الإشارة “هذا” الذي يدل على الحضور المعاين بقوة، ومصدق يدل على الإيمان القوي و الاستسلام التام لكل ما صدر عن الحق سبحانه في هذا السياق، كما تدل عليه الآية قبله:”ومن قبله كتاب موسى إماما و رحمة”. ولأجل إبراز قوة مضمون هذه الجملة الذي جاءت الحال لتؤكده، لا بد من الإشارة إلى قوة دلالات بنياتها التي تظافرت على نسجه من ذلك :

– “وهذا” بخصوص تركيب دلالة هذا النوع من الكلمات أي أسماء الإشارة. يقول ابن يعيش : “اِعلم أن ها تنبيه وهي على حرفين  ك “لا” و”ما”. فإذا أرادوا تعظيم الأمر والمبالغة في إيضاح المقصود جمعوا بين التنبيه والإشارة، وقالوا : “هذا، وهذه، وهاته…”.

قال الشاعر :

ونبَّأْتُمَاني إنما الموتُ بالقُرى     ***     فكيف وهاتي هضبة وكثيب

فاسم الإشارة الوارد في هذا البيت هو كلمة “هاتي”، ولأجل إبراز دلالته في هذا السياق نورد تعليق المحقق، على هذا البيت في الهامش وهو قوله : “البيت لكعب الغنوي والهضبة : الجبل، كأنه حذر من وباء الأمصار،  وهي القرى. فخرج إلى البادية(التي نصح بالخروج إليها ليكون بعيدا عن وباء القرى الذي يؤدي إلى الموت). فرأى قبرا(أي في البادية) فعلم أن الموت  لا ينجى منه (لا في المدينة ولا في البادية) فقال هذا البيت منكرا على من حذره من الإقامة بالقرى. واستشهد بهذا البيت لدخول  ها  التي للتنبيه على  تي التي هي اسم إشارة للمؤنث”.(ش م ص 3/136)

والذي يعنينا نحن من هذا الاستشهاد هو السياق الذي قال فيه الشاعر هذا البيت الذي يتضمن دلالة اسم الإشارة “هاتي” على حدث معين، ولا شك أن الإخبار بمفارقة الحياة من أعظم ما يزعج المتمتعين بملذاتها، ولذا استعمل الشاعر اسم الإشارة، أما نحن فعلينا أن ننتقل بارتسامات هذه الصورة الشعرية ووقعها على الإنسان إلى دلالة اسم الإشارة في صدر الآية : “وهذا كتاب” لنتأمل سورة أخرى أشمل منها وأعمق في تاريخ الإنسان لأنها تتعلق بنظام الكون كله. والجامع بين الصورتين، هي دلالة اسم الإشارة”ذا” الذي أضيفت إليه “ها” التنبيه لتعظيم الأمر والمبالغة فيه على حد قول ابن يعيش : “فإذا أرادوا تعظيم الأمر والمبالغة في إيضاح المعنى، جمعوا بين التنبيه والإشارة، وقالوا : “هذا”.

– كتاب : يقول ابن فارس : “الكاف، والتاء، والباء، أصل صحيح واحد يدل على  جمع شيء إلى شيء، من ذلك الكتاب والكتابة…” معجم مقاييس اللغة 5/158 مادة كتب

هذه دلالة الأحرف الثلاثة الأصل لكلمة كتاب، وهي دلالة الفعل “كتب”. إما كلمة كتاب على وزن”فعال” بكسر الفاء فهي مصدر، يقول ابن منظور : “وقوله تعالى : “كتاب الله عليكم مصدر أريد به العمل، أي كتب الله عليكم، قال :  وهو قول حذاق النحويين..” ل ع 1/200 مادة كتب.

وقد أشرنا في الحلقة الماضية (المحجة 393) إلى أن الكلمات التي تأتي  على وزن فعال بكسر الفاء مثل قتال وشجار، وسباب وظلال وعباد، لها وقع دلالي خاص سلبيا، أو إيجابيا، وكلمة (كتاب) التي نحن بصدد محاولة ضبط دلالتها في هذه الآية من هذا النوع.

– مصدق : ونحيل بخصوص مكونات هذه الكلمة على ما تقدم في حلقة العدد 392.

تلك هي بعض مكونات الكلمات التي تتألف منها الجملة “وهذا كتاب مصدق…” التي يؤكدها الحال “لسانا” .

وقد رأينا من خلال الأمثلة التي سقناها لتعريف الحال، أن الموصوف بها أنواع هذا الذي وقفنا عنده واحد منها، وعليه نورد تلك الأنواع باختصار لأجل المقارنة بين وظائفها الدلالية حتى تتضح لنا قيمة هذا النوع الذي ورد في الآية من بين تلك الأنواع، في الحلقة المقبلة إن شاء الله يتبع.

———–

المراجع :

1- لسان عربي لابن منظور.

2-  النحو الوافي لعباس حسن.

3-  شذور الذهب لابن هشام

4-  شرح المفصل لابن يعيش.

5- معجم مقاييس اللغة.

6- النحو الوافي لعباس حسن.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *