يا معشر الشباب إن أمتكم في انتظاركم


خطبة منبري
د. الوزاني برداعي

الخطبة الأولى

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على رسوله الأمين وعلى آله وصحبه والتابعين وبعد:

إن أهم مرحلة يعيشها الإنسان هي مرحلة الشباب، فالشـاب هو أمل الأمة، والشـاب معقد الآمال، والشـاب عماد الجهاد والسلم والبناء،

لقد اهتم الإسلام بالشباب قرآنا وسنَّة وتاريخاً وسيرة اهتماماً كبيراً،

فتعرض القرآن للشباب في أكثر من موضع كما في سورة الكهف حيث مدح الله جل وعلا الفتية فقال: {إنَّهم فتيةٌ آمنوا بربِّهم وزدناهم هدى}.

وعن يحيى عليه السلام قال تعالى في سورة مريم: {وآتيناه الحكم صبيّا}

وقصَّة يوسف عليه السلام كلها عن شاب تقي نقي موحد متوكل.

وقصَّة مريم بينت مقام الشابَّة المؤمنة الطاهرة العفيفة.

وفي سورة لقمان جاءت نصائح الأب الحكيم لينتفع بها شاب كل زمان.

أمَّا في السنَّة فقد ورد الكثير من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، منها في جانب العقيدة قوله: ((يا غلام، إنِّي أعلِّمك كلمات…))(الترمذي)، وفي جانب الجد وعدم الإهمال جاء قوله : ((اغتنم خمساً قبل خمس…))(الحاكم)، وفي مجال العرض والحث على التقوى قال صلى الله عليه وسلم : ((يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوَّج…))(البخاري)، وفي مجال البشرى بشر الشباب بقوله : ((سبعةٌ يظلُّهم الله في ظلِّه…))(البخاري)، وغير ذلك الكثير.

وأما في السير فنجد الكثير من الصحابة الذين حملوا عبء الدعوة منذ شبابهم، وكأنهم استفادوا من موقف الشيخ ورقة بن نوفل في بداية بعثة النبيِّ صلى الله عليه وسلم حيث تمنِّى كونه شابّا.

كان شباب الرعيل الأول قمماً عالية، ونذكر من بينهم الصحابي الجليل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال عنه ابن مسعود: ((نِعْمَ ترجمان القرآن ابن عباس)) كان أصحابه يسمونه الحَبْر، و كان عمره حين وفاة الرسول ثلاثة عشر عاماً، كان عَلَماً في التفسير والقرآن وعلومه، والحديث وعلوم الشعر واللغة.

ومنهم زيد بن ثابت الأنصاري، كان عمره حين قدم الرسول المدينة إحدى عشرة سنة، جمع القرآن زمن أبي بكر كما ثبت في الصحيح، ومن فتيان الصحابة وعلمائهم: عمرو بن حزم الخزرجي، استعمله رسول الله وهو ابن سبع عشرة سنة، على أهل نجران ليفقههم في الدين، ويعلمهم القرآن.

ومن العلماء الكبار ربيعة الرأي صار محدّث المدينة وفقيهها وإمامها رغم حداثة سنه؛ كان مجلسه يضم مالك بن أنس وأبا حنيفة النعمان وسفيان الثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد،

ومن علماء هذه الأمة الإمام البخاري، قرأ الكتب المشهورة وهو ابن ست عشرة سنة، وصنف في قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم وصنف كتاب التاريخ وهو ابن ثماني عشرة.

بقدر الجـد تكتسـب المعالـي

ومن طلب العلا سهر الليالـي

تـروم العـز ثـم تنــــام ليــــلاً

يغوص البحـر من طلب اللآلي

لقد اهتم السلف بالشباب اهتماماً بالغاً، فأحسنوا تربيتهم ونوروا عقولهم وشحذوا هممهم، واستشاروهم في كبرى القضايا وفي معضلات الأمور، قال ابن شهاب الزهري رحمه الله مخاطباً الشباب: ((لا تحقروا أنفسكم لحداثة أسنانكم، فإنَّ عمر بن الخطَّاب كان إذا نزل به الأمر المعضل دعا الفتيان واستشارهم يبتغي حدَّة عقولهم))،

 

الخطبة الثانية

عباد الله

ومن أساليب الإسلام في تربية الشباب:

– القدوة: {لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسنة}، وقول السيدة عائشة رضي الله عنها في النبيِّ صلى الله عليه وسلم : ((كان خلُقُه القرآن))(مسلم)، يقول الإمام الشافعي رحمه الله: “من وعظ أخاه بفعله كان هاديا”، يقول الأستاذ مصطفى صادق الرافعي رحمه الله: “الأسوة وحدها هي علم الحياة”، …إلخ.

– الرجولة والالتزام بالكلمة: {يا أيُّها الذين آمنوا لِمَ تقولون ما لا تفعلون، كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون}، …إلخ

– الإيجابيَّة: قال تعالى : {كنتم خير أُمَّةٍ أُخرِجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهَون عن المنكر وتؤمنون بالله}، وقوله صلى الله عليه وسلم : ((والذي نفسي بيده لتأمرنَّ بالمعروف ولتنهونَّ عن المنكر أو ليوشكنَّ الله أن يبعث عليكم عقاباً منه فتدعونه فلا يستجيب لكم))(الترمذي وقال: حديثٌ حسن)، …إلخ.

– الترغيب والترهيب: ومصدره الآيات والأحاديث المرغِّبة في الجنَّة والآيات والأحاديث المحذِّرة من النار…

– النقاش والحوار:  ومثاله حديث إرسال النبيِّ لمعاذ بن جبل إلى اليمن، ومناقشته في كيفيَّة قضائه في الناس، وموقف النبيِّ في حواره مع المسلمين في الخروج من المدينة لقتال المشركين في أُحُد، ثمَّ النزول على رأي الشباب منهم، …إلخ.

– الموعظة: قصَّة لقمان عليه السلام مع ابنه وهي تمثل أروع القصص في ذلك… إلخ.

– الحثِّ على العمل: كما وصف الله تعالى داود : {وعلَّمناه صنعة لبوسٍ لكم ليحصنكم من بأسكم}، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ((لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خيرٌ له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه))(البخاري)، ((ما أكل أحدٌ طعاماً قطّ خيراً له من أن يأكل من عمل يده، وإنَّ نبيَّ الله داود كان يأكل من عمل يده))(البخاري)، …إلخ.

– مراعاة الاستعدادات الفطريَّة للشباب: ((أمرنا رسول الله أن نُنزِل الناس منازلهم))(مسلم)، ((كلٌّ ميسَّرٌ لما خُلِق له))(البخاري ومسلم)، ((يا أبا عمير، ما فعل النُّغَير؟))(مسلم)، …إلخ.

– الحثُّ على التعلُّم والتثقُّف: {وقل ربِّ زدني علما}، {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون}، {اقرأ باسم ربك الذي خلق} إلخ

إن هذه المرحلة هي مرحلة الطاقات المتفجرة والإبداع البناء، ولقد ضرب سلفنا الصالح أروع الأمثلة في مختلف ميادين الدعوة والتضحية والعلم والجهاد، والعطاء والبناء.

قال ابن الجوزي رحمه الله: “إنَّ الشباب أمانةٌ عند آبائهم، وإنَّ قلوبهم كجوهرةٍ ساذجةٍ قابلةٍ لكلِّ نقش، فإن عوَّدهم آباؤهم الخير نشئوا عليه، فينبغي أن يصونوهم ويؤدِّبوهم ويهذِّبوهم، ويعلِّموهم محاسن الأخلاق، ويحفظوهم من قرناء السوء، ولا يعوِّدوهم التنعُّم والرفاهيَّة، فتضيع أعمارهم في طلبها إذا كبروا”.

نريد لشبابنا أن يتجهوا صوب المعالي، وأن يسلكوا سبل الرشاد وأن يديروا ظهورهم لهذا السيل الغازي من الأفكار الوافدة التي تتعارض مع ديننا وقيمنا وأخلاقنا.

معشر الشاب إن أمتكم في انتظاركم، حتى تردوا لها عزها وتعيدوا لها أمجادها.

لا تجعل قدوتك، شباب الفن والطرب والمجون وأجيال الهزائم

وصلى الله على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *