إشراقة


روح التعايش الاجتماعي

وعن أبي موسى رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((المؤمن للمؤمن   كالبنيان يشد بعضه بعضا” وشبك بين أصابعه))(متفق عليه).

إن أول شيء بدأ به الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة هو ربط القلوب بعضها ببعض، وتقوية الصِّلات بالمؤاخاة، وتوطيد العلاقة بين المهاجرين والأنصار، حتى يستشعر المؤمنون في المجتمع الإسلامي روعة الأخوة في الله التي تتسامى على الفوارق العنصرية والعرقية التي درج الناس على اعتبارها من الفوارق الأساسية في حياتهم، يقول الإمام النووي رضي الله عنه : هذا الحديث صريح في تعظيم حقوق المسلمين بعضهم على بعض، وحثهم على التراحم والملاطفة والتعاضد في غير إثم ولا مكروه(1).

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : المسلمون كرجل واحد إن اشتكى عينه، اشتكى كله، وان اشتكى رأسه، اشتكى كله(2).

وعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى))(متفق عليه).

وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى : فتشبيه المؤمنين بالجسد الواحد تمثيل صحيح، وفيه تقريب للفهم وإظهار للمعاني في الصور المرئية، وفيه تعظيم حقوق المسلمين، والحض على  تعاونهم وملاطفة بعضهم بعضا.

قال النووي رضي الله عنه : وفيه جواز التشبيه وضرب الأمثال لتقريب المعاني إلى الأفهام(3). وكأن المسلمين عجنوا من طينة واحدة فصنع منهم رجل واحد، وهذا ما تصنعه الأخوة في الله تجعل المسلم يهتم بمشاكل أخيه، ويعني بجميع شؤونه، فيتألم لآلامه، ويفرح لفرحه، ويحب له ما يحب لنفسه، وفي الباب عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه”(متفق عليه).

يقول ابن أبي حمرة رحمه الله تعالى : الذي يظهر أن التراحم والتواد والتعاطف وإن كانت متقاربة في المعنى لكن بينهما فرقاً لطيفاً، فأما التراحم : فالمراد به أن يرحم بعضهم بعضا بأخوة الإيمان.

وأما التواد : فالمراد به التواصل الجالب المحبة كالتزاور والتهادي.

وأما التعاطف : فالمراد به إعانة بعضهم بعضا كما يعطف الثوب عليه ليقويه، قوله : “تداعى” أي دعا بعضه بعضا إلى المشاركة في الألم(4).

وفي الباب عن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال : ((المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة))(متفق عليه). يقول الإمام النووي رضي الله عنه : ((في هذا فضل إعانة المسلم وتفريج الكرب وستر زلاته))، ويدخل في تفريج الكربة : من أزالها بماله، أو جاهه، أو مساعدتهن،… وأزاله بإشارته ورأيه ودلالته، أما الستر المندوب إليه هنا فالمراد به الستر على ذوي الهيئات ونحوهم ممن ليس هو معروفا بالأذى والفساد، فأما المعروف بذلك فيستحب أن لا يستر عليه بل ترفع قضيته إلى ولي الأمر إن لم يخف من ذلك مفسدة.

——-

1- شرح المسلم ج 16 ص 130

2- رواه المسلم

3- المصدر السابق

4- الفتح ج 13 ص 539

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>