أوراق شاهدة – تعليمنا..وحكاية عمي تراب


هي حكاية قد تبدو روتينية بشكل من الأشكال، وقد يعقب القارئ المتابع إذ يطالع الحكاية: سيدتي حكايتك عادية وما خفي أعظم. فأرد بتوفيق من الله : أما ما خفي فعلمه عند ربي لا يجليه لوقته إلا هو، وأما ما ظهر فالعيب الأوحد في ذكره هو الاكتفاء بالاشتغال بوقا لنشر غسيله الوقح وكفى، كأن الذي يسوق الحكاية يقطن كوكبا غير الكوكب الذي سيقت فيه الحكاية، علما أن المسلم مكلف لا بالفرجة على الباطل ثم مسرحة الأحداث بعد ذلك، بل بتغيير المنكر في حدود ما أقره الشرع وفي اتجاه درء المفاسد بالتي هي أصلح وأنفع وبكل حكمة وتبصر. وبالعودة إلى حكاية عمي تراب حكت لي تلميذة أن أستاذا خلال الحصة الافتتاحية لهذه السنة وفي إطار التعرف على تلاميذه، انخرط في الحديث عن تاريخ المؤسسة، وفي السياق التفت إلى نوافذ القسم وقال بحسرة : أنظروا لهذه النوافذ، إن عمرها يتجاوز أعماركم فقد بنيت هذه المدرسة في بداية السبعينات.. وكان المؤطرون الفرنسيون يدرسون بها، فكانت عاملات النظافة يمسحن نوافذها كل صباح إضافة إلى مرافقها المنقولة الأخرى في نهاية الأسبوع. وبعد رحيلهم وحتى اللحظة لم تر عيني منظفة. وعلى امتداد سنوات تدريسي هنا ظل التراب يتراكم على هذه النوافذ مشفوعا بالشقوق والانكسارات، فحق لكم أبنائي التلاميذ أن تحيوا كلما دخلتم هذا التراب وتسموه “عمي تـــراب”.

أليس هذا التراب وأتربة أخرى رفيقة مخلصة لنا أينما حللنا وارتحلنا؟؟.. وتشعب به الحديث المر حول التدهور الذي عرفته مقرات العلم والتحصيل ليلفت انتباه التلاميذ إلى الطباشير فقال ساخرا : أرأيتم حتى الطباشير لم يعد طباشيرا كما كان في الأمس البعيد.. يعطونك طباشيرا مليئا بفتات الحجارة ويحدثونك عن الجودة، وبالفرنسية المطرزة المخارج من فضلكم. هل يسخرون منا؟؟ لا بنية تحتية.. لا أجواء تشرح الخاطر.. واكتظاظ خانق، ويطالبوننا بالجودة واستطردت التلميذة وهي تفرك مصباح ذاكرتها: خالتي لم أقل لك في بداية الدخول المدرسي رفضت إدارة المدرسة إدخال تلميذ فكسر كل ما وجده أمامه وهدد طاقم التدريس بالانتقام على شاكلة أبطال مسلسل أخطر المجرمين وأحال الساحة إلى فضاء حرب مفتوحة، ولم يستطع أي مؤطر أو مسؤول التدخل حتى تعب من الصراخ ورحل.. وتابعت بنفس الإيقاع التقريري هل تعلمين؟؟ السبورة محفرة.. الحروف الفرنسية المتشابهة نخلطها ببعضها لصعوبة قراءتها في السبورة المتهالكة. وأحيت بداخلي شريط الحكايات المرة المذاق حول الواقع التعليمي بكل شركائه أسرة ومؤطرين تربويين ودينيين وفاعلين مدنيين وإعلاميين وصولا إلى مخططي برامج التعليم.. تلك المخططات التي أثقلت المحفظات وأفقرت الجيوب ونسيت التخطيط للقلوب والأفئدة فملأها اللاعب الأرجنتيني “ميسي” وتضلع فيها حتى غدا أصغر أطفالنا يعرف بالتفصيل الممل آخر أخبار ميسي.. ووحده الحديث عن الشؤون الكروية يحفظ لأبنائنا توازنهم وحماستهم وهمتهم وانشراحهم، وبعيدا عن هذا الشأن يكتنفهم القنوط والاكتئاب والإحباط فيترجمونه عنفا وإتلافا وتدميرا..

روى لي تلاميذ آخرون أن المصابيح الكهربائية تسرق بالأقسام لصرف الأساتذة عن إعطاء الدروس حين يخيم الظلام على القاعة خاصة أيام الشتاء..كما أن من التلاميذ من يضع اللصاق القوي المفعول في فتحة الباب لمنع ولوج المفتاح وصد الأستاذ عن التدريس… والحكايات تطول ودعوني قبل الختام أسرد عليكم هذه الحكاية التي رأيتها بأم عيني على اليوتيوب حيث أقدم تلاميذ على تصوير أستاذة وهي ترقص مع تلميذتها في القسم وعنونوا الشريط بما معناه تردي التعليم والإساءة من طرف الأستاذة لمهنتها. ومن قرأ هذا العنوان دون تمحيص سيشعر بالاشمئزاز من سلوك الأستاذة وسيسقط في الفخ الذي نصبه التلاميذ الأباليس لمدرستهم يا حسرة. وبالولوج إلى صلب الشريط تظهر الأستاذة وهي تخاطب تلاميذها، وتلميذة تلح عليها وتقف لتأخذ بيدها وزملاؤها الذين لا تظهرهم الكاميرا يلحون هم الآخرين على الأستاذة لترقص، لتذعن في الأخير أمام موجة المحاصرة التلمذية وتقوم بحركات غير متبذلة إرضاء للخواطر، والتلاميذ الأبالسة يطرون عليها كانت تحرك جسدها وتضحك سعيدة لسعادة تلاميذها وهم يصفقون ويقول أحدهم مخاطبا إياها : “كون كنت كبير كون خطبتك أأستاذة من داركم” يجاملونها ويطرونها وهم يصورونها في نفس الوقت لفضحها أمام أنظار العالمين..أية خيانة.. أي تدهور للقيم.. قد يقول قائل وهو محق، إن الفضاء فضاء علم لا فضاء رقص، والأستاذة جنت على نفسها باتباع أهواء التلاميذ.. لكن لا أحد يعرف سياق استدراج الأستاذة للرقص، خاصة أنها تبدو في مقدمة الشريط رافضة ومحتشمة ومترددة.. كما وأننا نعرف أن الموجة الحداثية أيدت الغناء والرقص في الحصص التنشيطية للمؤسسات التعليمية.. وقد يكون هذا الفرض ذلق لسان وجوارح الأستاذة باعتبار أنها تخوض في المشروعات التعليمية الحداثية لا الممنوعات “المتطرفة الظلامية كما تنعت” فكان ما كان.

ومع ذلك فلن يشفع لها انسجامها مع الدور الجديد للتأطير التربوي وستصبح مسخرة وحديث العام والخاص بسبب ثقتها في تلاميذها ورغبتها ربما في كسر الحواجز النفسية معهم..وبالتالي كيف سيكون حال وسلوك هذه السيدة حين تكتشف خيانة تلاميذها لها.. ومن جهتنا يدفعنا السؤال إلى السؤال هل نحن أمام تلاميذ قال في حقهم المصطفى صلى الله عليه وسلم : >من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع< أم نحن أمام خلية إرهابية وعصابة مافيا تنصب الخوازيق والفخاخ لمن يخرجها من ظلمات الجهل إلى نور العلم؟؟ إن المصاب جلل ومع كل دخول مدرسي أقول دائما في نفسي عجبي عجبي لكل وزير وبرلماني ومؤطر ديني واجتماعي وتربوي وإعلامي وأم وأب ولكل من له صلة بالتلميذ وهو يرى آلاف التلاميذ ييممون صوب المدارس أو يعودون منها ولا يسأل نفسه بقلق : كم هو حجم مسؤوليتي في سلامة هؤلاء الصغار ونجاحهم أو فشلهم؟ وماذا أقول لربي غدا حين يسألني عنهم.. البارحة كاد عنقي ينكسر التفاتا وأنا بسيارة الأجرة أرى طالبة أمام باب الكلية تحضن طالبا بل تحتنكه وتتلمسه بأصابعها في وجهه وفي جسده وهوبين يديها كالدمية.. لم أصدق كيف انقلبت الأدوار واقتحمت النساء قلاع التحرش الجنسي بزملائهن أمام باب الجامعة باسم الحب، فإذا وقع المحظور وسعى الأهل للملمة تداعيات الحب السائب قال الغيورون جدا على أمن وصحة بناتنا هذا إرهاب موجه ضد حقوق الفتاة وحجر عليها و.. و.. و.. إلخ وفي السياق، قرأت مؤخرا خبرا مفاده أن زهاء خمسة آلاف طالبة أمريكية شاركن في مهرجان للعري و نزع الملابس (الله يستر)، يقام سنويا بجامعة أريزونا الأمريكية..وكان حجم الملابس المنزوعة بالأطنان وشاركت المتعريات بعدها في سباق لمسافات طويلة أمام أنظار الجميع حيث لبسن فيه الملابس الداخلية فقط.. فهلا جلسنا لسويعة واحدة كل من موقع مسؤوليته لنفكر في أساليب ابتكارية تصالحنا مع شبابنا قبل أن نراهم عراة يركضون أمامنا “إلى الهاوية”، وحينها سينزل عقاب الله عز وجل علينا جميعا، لا قدر الله! وسيقول الله سبحانه لملائكة العذاب: بكل هؤلاء المسؤولين والحركيين فابدؤوا، وأنا واحدة منهم إلا أن يتغمدني الله برحمته. فاللهم الطف واستر.
ذة. فوزية حجبي al.abira@hotmail.com

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>