تفقه في دينك – لا تـقـل… وقـل


ا تَـسُـبُّـوا الـرِّيـحَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: أَخَذَتِ النَّاسَ الرِّيحُ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، وَعُمَرُ حَاجٌّ، فَاشْتَدَّتْ، فَقَالَ عُمَرُ لِمَنْ حَوْلَهُ: مَا الرِّيحُ؟ فَلَمْ يَرْجِعُوا بِشَيْءٍ، فَاسْتَحْثَثْتُ رَاحِلَتِي فَأَدْرَكْتُهُ، فَقُلْتُ: بَلَغَنِي أَنَّكَ سَأَلْتَ عَنِ الرِّيحِ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: ((الرِّيحُ مِنْ رَوْحِ اللهِ، تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ، وَتَأْتِي بِالْعَذَابِ، فَلاَ تَسُبُّوهَا، وَسَلُوا اللَّهَ خَيْرَهَا، وَتعوذُوا مِنْ شَرِّهَا))(رواه البخاري).
وروى الترمذي عن أبي بن كعب قال، قال رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((لا تسبوا الريح، فإذا رأيتم ما تكرهون فقولوا: اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح، وخير ما فيها، وخير ما أمرت به، ونعوذ بك من شر هذه الريح، وشر ما فيها، وشر ما أمرت به)). وروى أبو داود، قال : قال رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((الريح من روح الله تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب فإذا رأيتموها فلا تسبوها واسألوا الله خيرها واستعيذوا بالله من شرها)). قال الإمام الشافعي رضي الله عنه: ((ولا يَنْبغي لاحَدٍ أنْ يَسُبَّ الريح فإنَّها خَلْقٌ للهِ مطيعَة)).
لا تقل: خَبُثت نفسي حدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: >لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ خَبُثَتْ نَفْسِي وَلَكِنْ لِيَقُلْ لَقِسَتْ نَفْسِي)).
الخبث يطلق على الباطل في الاعتقاد، والكذب في المقال، والقبيح في الفعال. قلت: وعلى الحرام والصفات المذمومة القولية والفعلية.قال الخطابي تبعا لأبي عبيد : لقست وخبثت بمعنى واحد. وإنما كره صلى الله عليه وسلم من ذلك اسم الخبث فاختار اللفظة السالمة من ذلك، وكان من سنته تبديل الاسم القبيح بالحسن. (وتطلق الكلمة عادة حينما يحس باضطرابات في الهضم والأمعاء، أو بآلام أو تخمة أو نحو ذلك). قال: ويؤخذ من الحديث استحباب مجانبة الألفاظ القبيحة والأسماء، والعدول إلى ما لا قبح فيه، والخبث واللقس وإن كان معناهما واحدا، لكن لفظ الخبث قبيح ويجمع أمورا زائدة على المراد، بخلاف اللقس فإنه يختص بامتلاء المعدة. قال وفيه أن المرء يطلب الخير حتى بالفأل الحسن، ويضيف الخير إلى نفسه ولو بنسبة ما، ويدفع الشر عن نفسه مهما أمكن، ويقطع الوصلة بينه وبين أهل الشر حتى في الألفاظ المشتركة. قال: ويلتحق بهذا أن الضعيف إذا سئل عن حاله لا يقول لست بطيب بل يقول ضعيف، ولا يخرج نفسه من الطيبين فيلحقها بالخبيثين.
> من كتاب فتح الباري شرح صحيح البخاري”كتاب الأدب” باب لا يقل خبثت نفسي وإذا أردنا أن نستنبط من هذا الحديث الشريف فائدة فيمكن القول: إن حسن اختيار الكلمات جزءٌ من الدين، وكلما ارتقى الإيمان اختار الإنسان الكلمة التي لا تخدُش ولا توهم بشيء قبيح. وقريب من هذا الباب فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حينما مر بقومٍ يشعلون ناراً سلم عليهم قائلا: السلام عليكم يا أهل الضوء، ولم يقل : السلام عليكم يا أهل النار.
لا تقل: اللهم اغفر لي إن شئت في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ((لا يقل أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ليعزم المسألة، فإن الله لا مكره له، وليعظم الرغبة، فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه)).
لمَّا كانَ العبدُ لا غَنَاءَ لهُ عنْ رحمةِ اللهِ ومغفرتِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، بلْ فقيرٌ بالذَّاتِ إلى الغَنِيِّ بالذَّاتِ، كما قالَ تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الحمِيدُ}(فاطر:15) نُهِيَ عنْ قولِ ذلكَ؛ لِمَا فيهِ منْ إيهامِ الاستغناءِ عنْ مغفرةِ اللهِ ورحمتِهِ.
قالَ الْقُرْطُبِيُّ: إنَّما نهى الرسولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عنْ هذا القولِ؛ لأنَّهُ يدُلُّ على فُتُورِ الرغبةِ، وقِلَّةِ الاهتمامِ بالمطلوبِ، وكأنَّ هذا القولَ يتضَمَّنُ أنَّ هذا المطلوبَ إنْ حَصَلَ وإلاَّ اسْتَغْنى عنهُ، ومَنْ كانَ هذا حالَهُ لم يتحَقَّقْ منْ حالِهِ الافتقارُ والاضْطِرَارُ الذي هوَ رُوحُ عبادةِ الدعاءِ، وكانَ ذلكَ دليلاً على قِلَّةِ معرفتِهِ بذُنُوبِهِ، وبرحمةِ ربِّهِ، وأيضًا فإنَّهُ لا يكونُ مُوقِنًا بالإجابةِ، وقدْ قالَ صلى الله عليه وسلم : ((ادْعُوا اللهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ لاَ يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ)). ثم قال: (لِيَعْزِمِ الْمَسْأَلَةَ) : أيْ: لِيَجْزِمْ في طلِبَتِهِ، ويُحَقِّقْ رَغْبَتَهُ، ويتَيَقَّن الإجابةَ؛ فإنَّهُ إذا فعلَ ذلكَ دلَّ على علمِهِ بعظيمِ ما يطلبُ من المغفرةِ والرحمةِ، وعلى أنَّهُ مُفْتَقِرٌ إلى ما يَطْلُبُ مُضْطَرٌّ إليهِ.
وقدْ وعدَ اللهُ المُضْطَرَّ بالإجابةِ بقولِه: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاه}(النمل:62). قولُهُ: (فَإِنَّهُ لاَ مُكْرِهَ لهُ). قالَ القُرْطُبِي: هذا إظهارٌ لعدمِ فائدةِ تَقَبُّلِ الاستغفارِ والرحمةِ بالمشيئةِ، كأنَّ اللهَ تعالى لا يَضْطَرُّهُ إلى فعلِ شيءٍ دُعَاءٌ ولا غيرُهُ، بلْ يفعلُ ما يُرِيدُ ويَحْكُمُ ما يشاءُ. ولذلكَ قَيَّدَ اللهُ تعالى الإجابةَ بالمسألةِ في قولِهِ: {فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ}(الأنعام:41) فلا معنى لاشتراطِ المشيئةِ بِقِيلِهِ. قولُهُ: (فَإِنَّ اللهَ لاَ يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ أَعْطَاهُ) يُقَالُ: تعاظَمَ زيدٌ هذا الأمرَ؛ أيْ: كَبُرَ عليهِ وعَسُرَ، قالَ: والرغبةُ يعني الطَّلِبَةُ والحاجةُ التي يُرِيدُ، وقيلَ: السؤالُ والطلبُ بتكرارِ الدعاءِ والإلحاحِ فيه. والأوَّلُ أَظْهَرُ؛ أيْ: لِسَعَةِ جُودِهِ وكرمِهِ لا يَعْظُمُ عليهِ إعطاءُ شيءٍ، بلْ جميعُ الموجوداتِ في أَمْرِهِ يسيرٌ، وهوَ أكبرُ منْ ذلكَ، وهذا هوَ غايَةُ الْمَطَالِبِ؛ فالاقتصارُ على الدَّانِي في المسألةِ إِسَاءَةُ ظَنٍّ بجُودِهِ وكَرَمِهِ.
لا تسبوا الدهر أخرج البخاري ومسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى: ((يؤذيني ابن آدم يسبّ الدّهر وأنا الدّهر أقلّب الليل والنهار))، وفي رواية : ((لا تسبّوا الدّهر فإنّ الله هو الدّهر)).
قال البغوي رحمه الله تعالى في بيان معناه: “إن العرب كان من شأنها ذمّ الدّهر وسبّه عند النوازل؛ لأنهم كانوا ينسبون إليه ما يصيبهم من المصائب والمكاره، فيقولون: أصابتهم قوارع الدّهر، وأبادهم الدّهر، فإذا أضافوا إلى الدّهر ما نالهم من الشّدائد سبّوا فاعلها، فكان مرجع سبّها إلى الله عز وجل إذ هو الفاعل في الحقيقة للأمور التي يصفونها، فنهوا عن سبّ الدّهر”. وقال النووي : قالوا: هو مجاز وسببه أن العرب كان شأنها أن تسب الدهر عند النوازل والحوادث والمصائب النازلة بها من موت أو هرم أو تلف مال أو غير ذلك فيقولون “يا خيبة الدهر” ونحو هذا من ألفاظ سب الدهر فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ((لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر)) أي : لا تسبوا فاعل النوازل فإنكم إذا سببتم فاعلها وقع السب على الله تعالى لأنه هو فاعلها ومنزلها، وأما الدهر الذي هو الزمان فلا فعل له بل هو مخلوق من جملة خلق الله تعالى. ومعنى “فإن الله هو الدهر” أي : فاعل النوازل والحوادث وخالق الكائنات والله أعلم. وينبغي أن يعلم أنه ليس من أسماء الله اسم “الدهر” وإنما نسبته إلى الله تعالى نسبة خلق وتدبير، أي : أنه خالق الدهر، بدليل وجود بعض الألفاظ في نفس الحديث تدل على هذا مثل قوله تعالى : ” بيدي الأمر أقلِّب ليلَه ونهارَه ” فلا يمكن أن يكون في هذا الحديث المقلِّب -بكسر اللام- والمقلَّب -بفتح اللام- واحداً، وإنما يوجد مقلِّب -بكسر اللام- وهو الله، ومقلَّب -بفتح اللام- وهو الدهر، الذي يتصرف الله فيه كيف شاء ومتى شاء. قال الحافظ ابن كثير – عند قول الله تعالى : {وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر}(الجاثية : 24) : قال الشافعي وأبو عبيدة وغيرهما في تفسير قوله صلى الله عليه وسلم : “لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر” كانت العرب في جاهليتها إذا أصابهم شدة أو بلاء أو نكبة قالوا : “يا خيبة الدهر” فيسندون تلك الأفعال إلى الدهر ويسبونه وإنما فاعلها هو الله تعالى فكأنهم إنما سبوا الله عز وجل لأنه فاعل ذلك في الحقيقة فلهذا نهى عن سب الدهر بهذا الاعتبار لأن الله تعالى هو الدهر الذي يسبونه ويسندون إليه تلك الأفعال.
لا تقل: عَبْدِي وَأَمَتِي في الصَّحيحِ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: ((لاَ يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: أَطْعِمْ رَبَّكَ، وَضِّئْ رَبَّكَ، وَلْيَقُلْ: سَيِّدِي وَمَوْلاَيَ. وَلاَ يَقُلْ أَحَدُكُمْ: عَبْدِي وَأَمَتِي، وَلْيَقُلْ: فَتَايَ وَفَتَاتِي وَغُلاَمِي)).
ورواهُ أبو داودَ بإسنادٍ صحيحٍ عنْ أبي هريرةَ مرفوعًا: لاَ يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: عَبْدِي وَأَمَتِي، وَلاَ يَقُولَنَّ المَمْلُوكُ: رَبِّي وَرَبَّتِي، وَلْيَقُلِ الْمَالِكُ: فَتَايَ وَفَتَاتِي، وَلْيَقُلِ الْمَمْلُوكُ: سَيِّدِي وَسَيِّدَتِي؛ فَإِنَّكُمُ الْمَمْلُوكُونَ، وَالرَّبُّ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ. وفي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: ((لاَ يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: عَبْدِي؛ فَإِنَّ كُلَّكُمْ عَبِيدُ اللهِ)). (أَطْعِمْ رَبَّكَ) أمر من الإطعامِ. و(وَضِّئْ رَبَّكَ) أَمْرٌ من الوضوءِ. والمقصود بالربّ هنا السيد الذي يملك عبدا أو أمة، فيأمره مستعملا هذه الألفاظ. وهذهِ الألفاظُ الْمَنْهِيُّ عنها وإنْ كانتْ تُطْلَقُ لُغةً، فالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عنها؛ تَحقيقًا للتوحيدِ وسدًّا لذرائعِ الشِّرْكِ، لِمَا فيها من التشريكِ في اللَّفْظِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى هوَ رَبُّ العِبادِ جَمِيعِهم، فإذا أُطْلِقَ على غيرِهِ شَارَكَهُ في هذا الاسمِ، فيُنْهَى عنهُ لذلكَ وإنْ لمْ يَقْصِدْ بذلكَ التشريكَ في الرُّبوبيَّةِ التي هيَ وَصْفُ اللهِ تعالى. فالنهيُ عنهُ حَسْمًا لِمَادَّةِ التشريكِ بينَ الخالقِ والمخلوقِ، وتَحقيقًا للتوحيدِ، وبُعدًا عن الشرْكِ حتَّى في اللَّفْظ، وهذا منْ أَحْسَنِ مَقاصِدِ الشريعةِ؛ لِمَا فيهِ منْ تَعظيمِ الربِّ تَعَالَى، وبُعْدِهِ عنْ مُشابَهَةِ المخلوقِينَ. فأَرْشَدَهم صلى الله عليه وسلم إلى ما يَقومُ مَقامَ هذهِ الألفاظِ، وهوَ قولُهُ: (سَيِّدِي وَمَوْلاَيَ) عوض “ربي”. وكذلكَ قولُهُ: وَلاَ يَقُلْ أَحَدُكُمْ: عَبْدِي وَأَمَتِي: لأنَّ العَبيدَ عَبيدُ اللهِ، والإِماءَ إماءُ اللهِ، وفي إطلاقِ هاتيْنِ الكَلِمَتَيْنِ على غيرِ اللهِ تَشريكٌ في اللفظِ، فنَهَاهُم عنْ ذلكَ؛ تَعظيمًا للهِ تعالى وأَدَبًا، وإبْعادًا عن الشِّرْكِ، وتَحقيقًا للتوحيدِ، وأَرْشَدَهم إلى أنْ يَقُولُوا: (فَتَايَ وَفَتَاتِي وَغُلاَمِي). وهذا منْ بابِ حِمايَةِ الْمُصطفَى صلى الله عليه وسلم للمسلم لكي يكون مخلصا في إيمانه قولا وفعلا.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>