شـيء عـن الأمـيـة


مما لا ريب فيه أن “الأميّة” بأنماطها كافة تمثل عامل إعاقة للتقدم والنموّ الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي لعالم الإسلام. ومنذ البدايات المبكرة لعقيدتنا وتاريخنا كانت الحملة على الأمية، وكانت الكلمة الأولى التي تنزّلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في غار حراء: “اِقرأ”.. لم تكن نفياً.. ولكنها أمرٌ بفعل إيجابي ما لبث أن مضى لكي ينفذّ فاعليته في التعامل مع الكتابين الكبيرين: كتاب الله المقروء، وكتاب الكون المنظور. وذلك هو -بمعنى من المعاني – الشرط الأساسي في نشوء الحضارات ونموّها.
إننا نلحظ في تلك السورة الأولى مفردات شتى تحمل دلالتها المعرفية المؤكدة: {اِقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربّك الأكرم. الذي علّم بالقلم. علّم الإنسان ما لم يعلم}. فها هي مفردات (القراءة) و(القلم) و(العلم) وهي كلّها تقود إلى الشيء نفسه: مجابهة الأمية بأنواعها كافة كعامل معوّق للتقدّم والنموّ الثقافي والسياسي والاجتماعي والاقتصادي. أو -بعبارة أخرى- للمشروع الحضاري الإسلامي الذي أريد منه -باستخلاف الإنسان في الأرض، واستعماره فيها، وتسخيرها له- أن ينشيء عالماً متقدماً متوازناً سعيداً، يليق بكرامة الإنسان ومكانته في العالم، ويحرّره من الضرورات، ويمكّنه من ممارسة عبادته الشاملة لله وحده جلّ في علاه. بل إننا إذا رجعنا إلى العمق الزمني البعيد لخلق البشرية فإننا سنلتقي الدلالة المعرفية نفسها التي أريد للإنسان من خلالها تنفيذ مهمّته في الأرض بنجاح، بعد إذ هيئت له شروطها: {وعلم آدم الأسماء كلّها ثم عرضهم على الملائكة فقال: أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين. قالوا : سبحانك لا علم لنا إلاّ ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. قال : يا آدم أنبئهم بأسمائهم. فلما أنبأهم بأسمائهم قال : ألم اقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون}. والآن، فإن إحدى الانكسارات الكبرى في حياة أمتنا إنما هي الأمية التي تشكلت عبر قرون التخلّف الأخيرة، والتي أعان عليها المسلمون أنفسهم حيناً، والسلطات الاستعمارية التي أمسكت بخناقهم حيناً آخر، وهو انكسار يشكل -إذا أردنا الحق- واحداً من أهم عوامل تخلّفنا عن الغرب المتقدم، وعدم القدرة على ملاحقته. وكلنا يذكر كيف أننا يوم كنا متحضّرين، كان الناس كباراً وصغاراً يعرفون كيف يقرأون ويكتبون، وكيف أن بعض ملوك أوربا الغارقة في العتمة، والعديد من بابواتها ورجال لاهوتها ما كانوا يعرفون كيف يكتبون أسماءهم! وعلى أية حال فإن انتشار التعليم عبر نصف القرن الأخير، وتحوّل المدرسة إلى مؤسسة ذات حضور مؤكد في حياتنا الثقافية قد أعان على تجاوز الخندق العميق.
ولكن المشكلة أن “التعليم” نفسه، وما ينطوي عليه من نشاط تربوي، وقع، أو أريد له أن يقع، في انكسار جديد لكي يخرج الأمة من أميّتها الحرفية ويوقعها في شراك أمية عقدية وثقافية لا تقلّ خطورة عن سابقتها إن لم تكن أشدّ لعنة وأعمق خطراً.. إن المرء ليتذكر ها هنا عبارات ليوبولدفايس (محمد أسد) في كتابه القيمّ (منهاج الإسلام في الحكم) حيث يقول: “إنه عن طريق المدارس الغربية في العالم الإسلامي، وعن طريق المدارس الوطنية للمسلمين التي تقوم مناهجها على أساس من أساليب الغرب التربوية تبذر بذور التشكيك في الإسلام كنظرية اجتماعية بطريقة منظمة رتيبة في عقول الأجيال الصاعدة من شباب المسلمين فتياناً وفتيات “. وإذا كانت أميّة القراءة والكتابة لا تمسّ نقاء الفطرة في معظم الأحيان فإن الأمية العقدية تطمس عليها وتقود الجماعات إلى أن تكون -كما وصفها القرآن الكريم- كالأنعام بل هم أضلّ سبيلا.. ومن ثم كانت هذه الإشكالية بالذات هي مفرق الطريق بين التحضّر والجاهلية بمفهومها الواسع الذي لا يقتصر على الجانب المادي من الحياة بطبيعة الحال.

أ. د. عماد الدين خليل

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>