كيف بنا إذا أصبح المنكر تحت قبة البرلمان معروفا؟!


ما قام به أحد ممثلي الأمة بمجلس المستشارين من تساؤل “قلق” حول ارتفاع ثمن المواد الكحولية والإشكال المادي الذي يطرحه هذا القرار بالنسبة لجيوب المواطنين شيء مريب، ويدعو إلى استشعار القلق الحق لا القلق المناوراتي باعتبار أن هذا المطلب الهجين يهدد سلامة المنظومة الأخلاقية لبلادنا بشكل خطير، ومن جهة أخرى فإنه يدفع إلى طرح مجموعة من علامات الاستفهام.

فإن كان صاحب السؤال متحديا مستهترا مسفها للبنية القيمية للمغاربة فكيف سمح له بتمثيلهم وهو لا يعبأ بمقدساتهم؟؟؟
وإن كان صاحب السؤال هاوي مفرقعات ويريد أن يفجر ألغاما مجانية يدسها عن سبق إصرار وترصد في ثنايا كتلة معلومة الهوية.. وبصيغة أوضح للتحرش بحكومة لها أجندتها الواضحة في تمثيل نبض أغلبية مغربية مسلمة، فإن هذا الفكر الانتحاري المنصرف إلى اللعب بالنار من شأنه خلق بلقنة للمشهد السياسي والاجتماعي بين راغب ورافض لهذا المطلب ” الخمري ” ومستنكر وجامح نحو الرفض، قد يذهب بعيدا في رد فعله ضد ممارسة يعتبرها عدوانية وموجهة إلى عقيدته وهويته، ولن نستغرب إن حصل ما لا تحمد عقباه، فالحماقات أشبه بالبنيان المرصوص يشد بعضها بعضا وعملتها المتداولة، قول الشاعر:
ألا لا يجهلن أحد علينا
فنجهل فوق جهل الجاهلينا
وإن كان صاحب السؤال، طرح بعفوية وبكل أمانة، (باعتباره ممثلا لشريحة من الأمة) سؤالا استقاه من لقاء ما، بأجواء ما، في جلسة ما، تحت تأثير نشاط ما، فلا سلطان لنا على سرائر العتمات وأخفى، أكانت عتمة القلوب أو عتمة الفضاءات المغلقة.
وفي كل الأحوال فإن أقوال وأفعال ممثلي الأمة يجب أن تكون متوازنة ومحسوبة وبعيدة عن نزق الحسابات السياسية الضيقة، وعن جلبة مسرح الحلقة، وأبعد عن المد البحري لموجات تسونامي التي تعصف بالمنطقة العربية، وقادت الكثير منها إلى محيطات من الدماء لم تعصم يمينا ولا يسارا ولا حركة إسلامية ولا كبارا ولا صغارا. ومن يحسب أن ظروف اختلاط الأوراق التي غدت سمة الحراك العربي وركوب ورقة الضغط الجماهيري الاندفاعي لتحقيق المكاسب وتشويه نيات وبرامج وتحركات الخصوم، في اتجاه تشويه صورتهم وكسر الإرادة الشعبية المصوتة لهم هو بكل بساطة محجوب عن الوجه الآخر للعملة، فالغضبة الجماهيرية عبر مختلف أرجاء العالم العربي صبرت الأمل في الإيديولوجيات الثورية والعلمانية لزمن طويل وآمنت بنهاية الآلام وانحسار التعاسات ومعها جنون عظمة الطغاة فما جنت غير الفقر والبطالة والتيه عبر بلاد الغربة، وبالتالي فغضبتها لن تُبقي ولن تَذَر صالحا أو طالحا وليس في قاموس مراراتها قنفذا أملسا.
وبعيدا عن هذه القراءات التي قد لا تكون إلا تخمينات، إذ لا يعلم الغيب وخائنة الأعين وما تخفي الصدور إلا الله سبحانه وتعالى، فإن منطق الأخلاق الحضارية المتواضع والمتفق عليها حتى لا نقول الأخلاق في مصدرها الديني، هذا المنطق يمج ويرفض الارتداد إلى البهائمية المبصومة بانمساح العقل، باعتبار أن الخمرة تخمر وتحجب العقل، وما يميز الإنسان عن البهائم هو العقل، فكيف يدعو المثقف التقدمي إلى تغييب وتخدير هذه النعمة، وقديما كان أجداده التقدميون يقولون عن الدين إنه أفيون الشعوب، وأنه يبعد المستضعف عن نضاله المشروع ضد المستكبرين من الرأسماليين ويختم على جيناته الثورية اليقظة، ألا تخلق الخمرة للمواطن كما الدين الأفيون) سعادة وراحة وأمنا وهميا، يغيبه عن الوعي بواقعه المتأزم، وينقل جبهة صراعه من مواجهة مستغليه إلى مواجهة أمثاله من المستضعفين وعلى رأسهم المرأة؟ وبالمفهوم الاجتماعي والحقوقي، ألا يرى هذا المثقف التقدمي كيف يتسبب التعاطي للخمور إلى موجة كاسحة من جرائم العنف ضربا وسرقة واغتصابا ضد الحائط القصير المرأة؟
إن أغلب قضايا العنف المعروضة على المحاكم هي بتأثير التعاطي للكحول، ويبدو الأمر مضحكا حقا حين يرفع المناضل شعار حماية المرأة من العنف في المنتديات الحقوقية، وبالموازاة مع ذلك يحتج للزيادة في مشروب الجحيم الذي لا يدمر المرأة فحسب، بل يشرد أبناءها ويخرب عشها الزوجي..وهذا السيناريو المخيف يتنزل أيضا في حق الأم والفتاة بل كل عينات النساء.
أما إن شئنا التفصيل في المجال الديني والاعتبارات الحكيمة للشارع في تحريم الخمر شربا وبيعا وحملا وحضورا فلن نزيد على القول بأن شرح الواضحات من المفضحات، خاصة ونحن نعيش على إيقاع ارتفاع مهول لمعدلات الجريمة، يوحي بأننا نحيا في شوارع هارليم أو كولومبيا..
يقول د حسن يوسف الشريف : (ومن علامات الخسف بالقلب أنه لا يزال جوالا حول السفليات والرذائل، ليس له تطلع إلى المقامات الرفيعة والأدب العالي).
ولأن الشيء بالشيء يذكر، فقد سمعت لمفكر تونسي وهو يرد بعدوانية على صحفي وضع بين يديه أحاديث واضحة في تحريم الخمر، رفضها جملة وتفصيلا ومن منطلق حقه في الاجتهاد كما قال، سمح لنفسه بتوليد مبررات تسوغ تحليله لشرب الخمر ، بنفيه لورود نصوص تحريمية للخمر بشكل واضح في القرآن الكريم، واعتبر هذا الغياب بمثابة ضوء أخضر للتعاطي للكحول، ونسي قول الله عز وجل التحريمي للخبائث والخمر أم الخبائث في جزء من الآية 157 من سورة الأعراف : {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث}. ومرة أخرى لأن الشيء بالشيء يذكر، أضيف إلى معلوماتك أيها القارئ الوطني الغيور حتى لا أقول لك المسلم فأوصف بالاستحواذ على الإسلام -ونحن (كاع مسلمين)- تفاصيل هذا الحدث الأوقح الذي حكته لنا سيدة عاينت تفاصيله بنفسها، حيث دخلت في الأسبوع الأخير إلى قاعة للأنشطة الثقافية بالرباط عن طريق الخطأ، فرأت حضورا ذكوريا مكثفا ورجلا بالمنصة يرغي ويزبد، فوقفت قرب باب الخروج مصغية لقوله من باب الفضول فهالها ما سمعت. كان المحاضر ينتقد بكلمات لاذعة أصحاب الشأن الجدد الذين سمحت لهم أنفسهم أن يقطعوا أرزاق الناس بإقفالهم لمقاهي الشيشة (لحكومة كا تحاكنا فرزقنا ورزق اولادنا.. ما بانو ليهم غير قهاوي الشيشة.. هذا ضرب لبلاد.. ضرب للسياحة.. يزوجو البنات عندهم 12 عام) ما العلاقة؟؟؟ (ويشردونا حنا.. هذا هو المنكر.. بالحق عندهم الحق انتوما اللي فرطتو نهار الانتخابات كون فقتو ومشيتوتصوتو كاع ما يطلعو هما).
هكذا تحدث ثلة من أصحاب مقاهي الشيشة في استعلان جريء بالفساد وغضب عارم من محاولات حكومية خجولة مستحيية تتغيا إنقاذ ما يمكن إنقاذه من صحة وشرف وبراءة أبنائنا وبناتنا.
ومجمل القول، يجب أن يتوقف هذا العبث النزق المغامر بالأرواح والممتلكات، إنه العبث الشبيه على المستوى الإعلامي بإطلاق العنان للميوعة والتهتك والإيحاءات الصريحة بجمالية العري والعلاقات الجنسية المحرمة بقنواتنا الإعلامية، حتى إذا هاج الذئاب لمرأى النعاج الجميلة الفاتنة قلبنا الدنيا مستنكرين همجية الذئاب وعنفهم، وهذا الوصف المجازي ليس من عندي فصيحات المفكرين والمصلحين الغربيين غدت أوضح وأقوى في الدعوة إلى مراجعة الخطاب الإعلامي التحريضي على الفساد، وبخصوص الكحول فالتدابير الزجرية والوقائية ضد التعاطي للكحول غدت هما وطنيا لكل بلدان أوربا.
فمن يوقف عبثنا نحن وقد جد الجد في بلدان الحريات والمجد للعلمانية، وافتضح أمر أم الخبائث وعائلتها لا أم المحاسن كما جرى ذكرها يا حسرة تحت قبة منبر الشعب المسلم؟؟.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *