مقـومـات الأسـرة فـي الإسـلام


مما لا ريب فيه، أن الأسرة أهم وحدة اجتماعية في بناء الأمة وأهم لبنة في بناء المجتمع المسلم، ولهذا أولاها الوحي الرباني بشقيه -القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة- اهتماما بالغا.

فالأسرة -كما يؤكد سيد قطب في الظلال بأسلوبه البليغ المعهود- ” المحضن الطبيعي الذي يتولى حماية الفراخ الناشئة ورعايتها وتنمية أجسادها وعقولها، وفي ظله تتلقى مشاعر الحب والرحمة والتكافل، وتنطبع بالطابع الذي يلازمها مدى الحياة، وعلى هديه ونوره تتفتح للحياة وتتعامل معها”(1).

إنها المعمل الاجتماعي القادر على تخريج الأفراد المتسمين بالشخصية القوية المتوازنة التي تستطيع تحمل المسؤولية والفعل الحضاري الإيجابي، ولهذا الأمر بالذات لا تكاد توجد منظومة تربوية على الإطلاق إلا وأولتها الاهتمام الذي تستحق، وشرعت القوانين وسنت الأحكام لصيانتها والحفاظ على دورها في تنشئة الأجيال الحاملين لقيمها في أرواحهم وتصوراتها في عقولهم وتظهر على تصرفاتهم برامجها ومخططاتها.

وإذا كانت رياح العولمة المحملة بتصورات الغرب وقيمه قد اجتاحت العالم وعبرت القارات عن طريق وسائل الاتصال الحديثة، وعمت كل المجالات: الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، فإن الأسرة لم تسلم من تأثيراتها ولم تنج من أمواجها الهوجاء.

واقع الأسرة في المجتمعات الإسلامية

لقد تأثرت المجتمعات الإسلامية تأثيرا بليغا بمفردات ومقررات النظام العالمي الجديد والتي يسعى إلى فرضها كإيديولوجية كونية على العالم. ومما تأثرت به الأسرة في هذه المجتمعات:” الايديولوجية النسوية” التي جاءت بها المؤثمرات النسوية العالمية المنظمة تحت رعاية الأمم المتحدة، ومنها: مؤتمر نيروبي سنة1985 م بعنوان:”استراتيجيات التطلع إلى الأمام من أجل تقدم المرأة” ومؤتمر القاهرة للسكان والتنمية  سنة 1994م، وآخرها مؤتمر بكين سنة 1995م تحت عنوان “المساواة والتنمية والسلم” وقد توجت أعماله بمصادقة الدول المشاركة (180 دولة) ومنها بعض الدول الإسلامية -مع بعض التحفظات- على وثيقة مرجعية ” تحاول فرض مصطلح النوع بدل الجنس…فالنوع معناه رفض حقيقة أن الاختلاف بين الذكر والأنثى هو من صنع الله عز وجل وإنما الاختلاف ناتج عن التنشئة الاجتماعية والأسرية والبيئة التي يتحكم فيها الرجل… وتتضمن هذه النزعة فرض فكرة حق الإنسان في تغيير هويته الجنسية وأدواره المترتبة عنها، ومن ثم الاعتراف رسميا بالشواذ والمخنثين والمطالبة بإدراج حقوقهم الانحرافية ومنها حقهم في الزواج وتكوين أسر والحصول على أطفال بالتبني أو تأجير البطون. وتطالب بحق المرأة في التمتع بحرية جنسية آمنة مع من تشاء وفي أي سن تشاء وليس بالضرورة في إطار الزواج الشرعي، فالمهم هو تقديم المشورة والنصيحة لتكون هذه العلاقات الآثمة مأمونة العواقب سواء من ناحية الإنجاب أو من ناحية الإصابة بمرض الإيدز…ولا تتحدث هذه الوثيقة عن الزواج من حيث إنه رباط شرعي يجمع الرجل والمرأة في إطار اجتماعي أسري… ولا ترد كلمة الوالدين إلا مصحوبة بعبارة” أو كل من تقع عليه مسؤولية الأطفال مسؤولية ثانوية” إشارة إلى مختلف أنواع الأسر المثلية، ولا تستخدم عبارة الزوج وإنما الشريك والزميل”(2).

فكان من ثمراته المرة على المجتمعات الإسلامية: تنامي وتزايد ثقافة الصراع والعنف بين أفراد الأسرة ذكورا وإناثا بدعوى المساواة، والتي غالبا ما تهدم البناء وتقطع الأواصر، فتحل العداوة بدل المحبة والأخوة، والتفكك والتلاكم بدل الوحدة والتلاحم.

وإذا كانت هذه الثقافة تستمد جذورها الفكرية عند الغرب من الصراع الطبقي الذي عرفه لفترات تاريخية طويلة، ومن تأثره ببعض النظريات المذكية للعنف كنظرية” صمويل هنتغتون”: صراع الحضارات، فإن المنظومة الفكرية الإسلامية لا تتبناها بل تحاربها وتستبدلها بثقافة التوحيد والوحدة والسلم والأمن الاجتماعيين.

وقد نتج عن تسلل هذه الثقافة إلى مؤسسة الأسرة: ازدياد نسبة الطلاق، وكثرة الشكوك بين الأزواج بسبب العلاقات غير المشروعة، وتنامي ظاهرة العنف الجسدي والنفسي واللفظي، بالإضافة إلى الآثار السلبية على الأطفال الذين غالبا ما يجنحون إلى الانحراف والتعاطي للمخدرات والانغماس في مستنقع الرذيلة والجريمة نتيجة الحرمان العاطفي.

  مقومات الأسرة في الإسلام:

لإصلاح الأسرة من الفساد الذي لحقها والعنت الذي تسلل إليها من رياح التغريب، فلا مناص من الرجوع إلى الهدي الرباني المبين والمفصل للمقومات الأساس والركائز الضرورية الرافعة للبناء الأسري، إذ لا يصلح آخر هذا الأمر إلا بما صلح به أوله.

فلقد كان وضع الأسرة قبل الإسلام وضعا مزريا، لا قيمة فيه للمرأة،  ولا مكانة فيه للوالدين، ولا عناية فيه للأبناء، وليس هناك إلا القهر والاستبداد من جانب الرجل. فجاء الإسلام بتوجيهاته السامية  ومبادئه الراشدة فانتشل الأسرة من الحضيض إلى القمة السامقة، وأعطى لكل ذي حق حقه، ووثق أواصر المحبة بين أطرافها، ووضعها في مكانتها اللائقة كلبنة أساس في البناء الاجتماعي وأصل التنشئة الاجتماعية والدينية والأخلاقية.

“وقد عاشت الأسرة الإسلامية قوية سعيدة هانئة مستقرة حينما ترسمت مبادئ الإسلام ووضعته من نفوسها موضع التقدير، ومن سلوكها موضع التنفيذ، ونشأت في كنفها أجيال من الرجال في كل الميادين، وكانت تلك المبادئ تقوم في نفوس المؤمنين بها مقام القانون، فكان الأب يعرف مكانه من ابنه، وكان الاِبن يعرف حدوده مع أبيه، وكانت الزوجة تعترف بقوامة الرجل، وكان الرجل يؤدي حقوق المرأة، وكانت تسود الأسر والبيوت روح المحبة والسعادة”(3).

ومن أهم الضوابط التي جاء بهاالشرع الحكيم لبناء الأسرة الصالحة القويمة ولضمان استقرارها وسلامتها من فك عراها وتصارع أطرافها، ما يلي:

1- الضابط الاعتقادي: فالإسلام يعتبر الزواج أصل الأسرة، به تتكون ومنه تنمو وتترعرع، فضلا عن أن الفطرة الإنسانية تدعو إليه، ويعتبره أيضا “ميثاق تراض وترابط شرعي”(4) يتعبد به إلى الله تعالى كل قادر عليه بإنشائه والسعي الحثيث إلى إدامته وتحقيق مقاصده النبيلة، ويرتقي في مدارج العبودية من خلاله بالإحسان إلى زوجه وحسن معاشرته وتحمل زلاته ابتغاء مرضاة الله تعالى، قال عز وجل: { يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء}(النساء :1) وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، فمن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء))(متفق عليه).

2- الضابط الأخلاقي: لقد صور الوحي العلاقة الزوجية تصويرا يشع منه العطف والخلق الحسن، وتفوح منه رائحة الحنان والمحبة، وينبثق منه ندى الرقة والمودة والرحمة والستر والتجمل:

قال تعالى: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة}(الروم، 21) مبرزا أن هذه العلاقة الشرعية هي علاقة النفس بالنفس وصلة السكن والمودة. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي)) داعيا إلى التحلي بمكارم الأخلاق ومحاسن الخصال مع كل الناس وفي مقدمتهم أفراد الأسرة والأقارب تأسيا بسيرته ونهجه القويم المسدد بالوحي.

ومن أصول الأخلاق الواجب التحلي بها لتمتين الصلات الأسرية: حسن المعاشرة الزوجية ، قال تعالى: {وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا}(النساء، 19). والمعاشرة بالمعروف مجال رحب لكل معاني المكارم والتودد، فهي لا تعني مجرد كف الزوج أذاه عن زوجته بل تعني زيادة على ذلك تحمل الأذى منها والحلم عند طيشها وغضبها استجابة لوصية النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا رضي منها خلقا آخر))(مسلم، باب الوصية بالنساء).

3- الضابط الحقوقي: لاستقرار الأسرة سن الشرع حقوقا لكل أطرافها (الزوج_ الزوجة_ الأبناء…)،  وأوجب عليهم ضمانها والإحسان في أدائها، ومنها:

 أ- حقوق الزوج على زوجته: وهي كثيرة إلا أنه يمكن إجمالها في: المحافظة على عرضه وماله وبيته ومشاعره، وتلبية طلبه للمباشرة، وقد جمعها من أوتي جوامع الكلم في نصوص حديثية كثيرة، منها: قوله صلى الله عليه وسلم: ((ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله عز وجل من زوجة صالحة إن أمرها أطاعته، وإن نظر إليها أسرته، وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله))(رواه ابن ماجة) وقوله أيضا: ((إن خير نسائكم الولود الودود، الستيرة العزيزة في أهلها، الذليلة مع بعلها، المتبرجة مع زوجها، والحصان مع غيره، التي تسمع قوله وتطيع أمره، وإذا خلا بها بذلت له ما أراد منها ولم تبذل له تبذل الرجل))(رواه الطوسي)(5).

ب- حقوق الزوجة على زوجها: وتتسم بالكثرة أيضا، ومنها على الخصوص: إطعامها وكسوتها وحفظ كرامتها وأسرارها، قال صلى الله عليه وسلم

وقد سئل: ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا كسوت، ولا تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت))(رواه أبو داود، باب حق المرأة على زوجها)  وقال أيضا: ((إن أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم يفشي سرها))(مسلم، باب إفشاء سر المرأة).

ج- حقوق الآباء على الأبناء: حيث أمر الحق سبحانه وتعالى ببر الوالدين والإحسان إليهما اعترافا بفضلهما، قال تعالى: { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا، إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما، وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا} ( الإسراء، 23-24). والبر اسم جامع لكل أفعال الخير من قول حسن ومعاملة جيدة وطاعة تامة.

 د- حقوق الأبناء على الآباء: ومن أجلها حقهم في حسن التربية والرعاية المادية، وهذا ما حث عليه النبي صلى الله عليه وسلم

في هديه النبوي، قال: ((ألزموا أولادكم وأحسنوا أدبهم))(ابن ماجة، باب بر الولد والإحسان إلى البنات) وقال أيضا: ((إذا أنفق المسلم نفقة على أهله وهو يحتسبها كانت له صدقة)) (مسلم، باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين والزوج والأولاد).

4- الضابط الإداري: باعتبار الأسرة مؤسسة اجتماعية، فلا  يستقيم أمرها إلا بتسيير إداري حكيم يوزع الأدوار ويحدد المسؤوليات ويضع البرامج لإنجاحها والخطط لحل الأزمات التي تعتريها.

وهذا ما ضمنه الشرع من خلال تعاليمه المتكاملة السديدة، فقد كلف الزوج بالقوامة وقيادة سفينة الأسرة، قال تعالى: {الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم} (النساء: 34) وهي قوامة رعاية وحماية وليست قوامة تسلط وعنف وغلظة. كما كلف الزوجة بالإشراف والمسؤولية عن البيت في الداخل لتشارك الزوج في تحمل المسؤولية، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((…والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها))(مسلم، الإمارة،ح 20).

ووضع إلى جانب ذلك برنامجا علاجيا لما يعترض مسار الحياة الزوجية وما يكدر صفوها، من أهم بنوده الآيات الثلاثة الآتية: { واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا، إن الله كان عليا كبيرا}(النساء، 34)  {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصالحا صلحا، والصلح خير}(النساء،127) {وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما، إن الله كان عليما خبيرا}(النساء،35).

5-  الضابط المقاصدي: سطر الإسلام لمؤسسة الأسرة مقاصد نبيلة يستفيد منها الأفراد والمجتمع، ولكي تبنى هذه المؤسسة على أرض صلبة ينبغي على مؤسسيها استحضارها والعمل على تحقيقها.

وقد أجملت مدونة الأسرة هذه المقاصد في المادة الرابعة، حيث جاء فيها: “الزواج ميثاق تراض وترابط شرعي بين رجل وامرأة على وجه الدوام، غايته الإحصان والعفاف، وإنشاء أسرة مستقرة برعاية الزوجين”. ومن أهم ما تضمنته:

> الإحصان والعفاف عن الوقوع في الفواحش والاستمتاع المحرم الذي يقضي على الفضيلة ويهدم الأخلاق ويفسد المجتمعات.

> تحقيق الأمن والسكن النفسي، مصداقا لقوله تعالى: { ومن اياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها} (الروم، 21).

> التنشئة الاجتماعية: بترسيخ القيم الدينية والوطنية في الأجيال المتعاقبة، وتنمية شخصياتهم في كل جوانبها: الحس-حركي والنفسي والعقلي.

حقا لقد جاء الإسلام بمنظومة من الضوابط والمعايير التي تضمن إيجاد الأسرة الصالحة التي تسود فيها قيم المودة والسكينة، وتتكامل فيها الجهود لإخراج الأجيال الصالحة المصلحة.

د. إبراهيم بن البو

—————–

1- في ضلال القران، 1/235.

2- انظر: عولمة المرأة، مجلة البيان، ع15، 1420ه -2000م

3- التـــكـافــل  الاجتماعي، محمد فــرج سـليم، 1/92

4- مدونة الأسرة، المادة4.

5- انظر: حسن التبعل، المفضل فلواتي، ص10.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *