ميلاد رسول ميلاد نور، ففي ماذا تتجلى مكامن الظلمة؟


تستوجب معالجة هذا الموضوع معالجة محاور أخرى قبله أو موازية له حتى يتيسر لكل متلقٍ نزيه أن يدرك بسهولة الحالة الاجتماعية العامة للأمة التي ولد فيها الرسول، ثم ماذا يعني اعتبارنا لميلاده نورا؟ وماذا نعني بالظلمة؟ ويدخل ضمن هذه المحاور المشار إليها الحالة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأخلاقية للأمة المعنية، والتسمية التي أطلقت على  هذا المولود لأجل تكليفه من لدن الحق سبحانه بمسؤولية الإصلاح بعد استكمال نضجه، ليعالج تلك الأمراض التي انتشرت في أمته وفق منهج معين يتلقاه عن طريق الوحي. ونقف عند كل محور من المحاور المشار إليها باقتضاب من ذلك ما يلي.

1- الإنسان العربي(1) : “يكاد يكون تاريخ العرب القديم مجهولا لسببين :

أ- عدم الوحدة السياسية، فقد كانت جمهرتهم بدوا رحلا متفرقين في مختلف الأصقاع، متعادين متنافرين لم تضمهم وحدة شاملة ولا ملك قوي.

ب- عدم معرفتهم الكتابة، إذ كان أكثرهم أميين، ولذلك لم يدونوا حوادثهم إلا في أواخر العصر الأموي، أما قبل ذلك فكان اعتمادهم على نقل الأخبار شفويا، اللهم إلا أطرافا من الجزيرة كمملكتي سبإ ومعين اللتين نقشت أخبارهما على  الآثار التي لا تزال باقية إلى  اليوم”.

يستفاد من النصين أعلاه أن حالة الأمة العربية التي نحن بصدد الحديث عن ميلاد نبي فيها تتسم بسمتين قبيحتين هما التفرقة والجهل. وهاتان علتان ما أصابتا أمة معا، أو إحداهما إلا أصيبت بآفة الانحطاط والتأخر.

2- التسمية التي أطلقت على هذا المولود عند تكليفه هي “البعثة” وهي اسم الهيئة مصدر. أما فعله فهو “بعث” يبعث على وزن فتح يفتح، ويدل على  الإثارة يقول ابن فارس(2) : “الباء والعين، والثاء أصل واحد، وهو الإثارة، ويقال : بعثت الناقة : إذا أثرتها”. وتتنوع دلالات هذا الفعل إما بحسب سياقه الذي ورد فيه أو تنويع اشتقاقه كما يلي :

أ- إرسال المفرد(3) : ومنه “بعثه يبعثه بعثا : أرسله وحده وبعثه على الشيء : حمله عليه”. وفي هذين المعنيين المشار إليهما في النص أعلاه قوة، وأمانة، وتكليف : قوة في إرسال المفرد، لأنه لا يعقل أن يرسل واحد لأداء مهمة معينة إذا لم يكن محل اقتدار على  إنجاز ما كلف به : ثم إن الاستقلال بالأمانة والانفراد بها أحوط من أن تُضَيّع أو يفشى سر من أسرارها، أو يُخالف الوجه المرغوب تطبيقه منها. ولذا فموسى عليه السلام لم يرغب في أن يشاركه أخوه في عبء الرسالة، وإنما طلب من الله أن يرسل معه أخاه “ردءا” يصدقه، إنها أمانة رسل الله إلى الناس كافة…

ب- الإيقاظ من النوم : ومنه ” بعثه من نومه بعثا : أيقظه، والنوم نوعان : نوم حقيقي، وهو أهون لأنه يكون محصورا بعدد النائمين، وبِوَقْتِ نومهم، ويملك النائمون فيه حاسة التمييز يفرقون بواسطتها بين لحظتي النوم واليقظة. ووقته محدود بظرف أو علة. ونوم مجازى، وهو نوم الغفلة، وهو أخطر من سابقه، لأنه قد لا يحدد بظرف زمني محدود، ولا بعدد الأفراد الغافلين، لأن الغفلة تصيب الفرد والجماعة، بل والأمة أحيانا، وإذا كان نوم الأفراد الحقيقي نتيجة عياء بعد بذل مجهود في أمر معين، أو مرض قد يعجز الطبيب عن معالجته، فإن الأمر هين على  كل حال، لأن هذا النوع من النوم يتعلق بأفراد معينين في وقت محدد. أما نوم الأمة (أي غفلتها) فإنها تحدث نتيجة تراكم أخطاء ارتكبت في حق حياة تلك الأمة فأوجبت غفلتها، وعليها أن تنتظر زمنا طويلا حتى يقيض الله لها من ينبهها من تلك الغفلة، ويبدو أن الأمر سيطول بنا ولو وقفنا هنا لعرض نماذج من أحوال الأمم الغافلة قبيل أو أثناء بعثة الرسل فيها.

حـ ـ السرعة في السير. وهذا المعنى يستفاد من الفعل المزيد لهذه المادة “انبعث” ومنه “انبعث في السير: أسرع” وما أكثر الأمور التي يقتضي إنجازها سرعة معينة، وإلا فات أوان إنجازها، وضاعت الفائدة المرجوة منها.

د ـ الأرق من أجل هم : ويستفاد هذا المعنى من تغيير شكل فعل “بعث” ليصير صفة أو مصدرا ومنه “رجل بَعِثٌ : كثير الانبعاث من نومه… ورجل بَعْث، وبََعِثٌ : لا تزال همومه تؤرقه وتبعثه من نومه”. ولا يؤرَّق بفتح الراء المشددة إلا الذي يشعر بثقل المسؤولية وعظم الأمانة، ولا يؤرق بكسر الراء المشددة إلا الأمر العظيم، والعبء الثقيل.

هـ ـ إحياء الحق سبحانه للموتى حقيقة. ومنه قوله تعالى : {ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون}(البقرة : 56) أي أحييناكم وبعث الموتى نشرهم ليوم البعث”.

تلك هي معاني فعل “بعث” وبعض مشتقاته. فما علاقة هذه الدلالات بمفهوم البعثة الشرعي، أي بعث الله تعالى رسله إلى بني آدم، أهي من الإرسال المفرد الذي يستوجب: التكليف بقوة وأمانة؟ أم إيقاظ المرسَل إليهم من غفلتهم التاريخية حيث يكثر الفساد ويعم، وتسوء أحوال حياة الإنسانية، أم أنها من حمل هم الأمانة التي تؤرق صاحبها حيث يشعر بثقل المسؤولية وعظمتها. وهذا هم الأنبياء في الدرجة الأولى. ثم يليهم من تأدب بشرائعم المنزلة عليهم، وانتدب نفسه للمحافظة على  إرثهم الإلهي؟ أم أن الإرسال هنا بمعنى الإثارة، لأن الذين يحيدون عن شرع الله زمنا طويلا يركنون إلى أهوائهم، فيقع الخلل في سنن تنظيم الحياة بينهم وتنطمس بصائرهم عن رؤية الحق، ويكونون بمثابة الموتى معنويا؟

إن أية أمة تتعامل بغير ما يُرْضِي الله تتظافر عليها هذه المواصفات : الغفلة التي هي بمثابة نوم حقيقي، والعدمية التي هي بمثابة الفناء حيث يكون وجود فلا وجود، وتلك معالم الظلمة المعنوية. ولذا يحتاج من يوليه الله مسؤولية إصلاحها إلى مواصفات خاصة منها القوة والأمانة ووحدة الرأي. ثم الاهتمام بها إلى الدرجة التي يؤرقه أمر تدبير شؤونها. ويبدو مما سبق أن فعل “بعث” ومشتقاته تتوافر فيه هذه الدلالات وزيادة.

تلك هي التسمية المقترنة بمهمة الرسول الذي كان ميلاده بداية نور لكشف الغمة عن الأمة. ولذا قال الحق سبحانه {قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين}( المائدة : 15) ومما جاء في معنى النور في هذه الآية أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي هذا السياق يقول القرطبي (4): “قد جاءكم من الله نور” أي ضياء. قيل : الإسلام، وقيل محمد عليه السلام عن الزجاج” ومما يرادف النور في هذه الآية السراج في قوله تعالى : {يا أيها النبيء إنا أرسلناك شاهدا، ومبشرا، ونذيرا، وداعيا الى الله بإذنه وسراجا منيرا}(الأحزاب : 45- 46).

ولا عجب أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم في ميزان الحق سبحانه نورا ثم تأتي شهادات من الناس على تفاوت درجاتهم عند الله لتشهد له بهذه النورانية بشكل من الأشكال منذلك.

أ ـ هو نور استجابة لدعوة الخليل إبراهيم عليه السلام في قوله تعالى : {ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك، ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، إنك أنت العزيز الحكيم}(البقرة : 129).

ب- نور مصداقا لبشارة عيسى عليه السلام الذي جاء في القرآن على  لسانه {وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة، ومبشرا برسول ياتي من بعدي اسمه أحمد}(الصف :6).

حـ- هو صلى الله عليه وسلم نور والكتاب الذي جاء به ليعالج مشاكل الإنسانية نور، قال تعالى : {فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا}(التغابن : 8).

وكان صحابته صلى الله عليه وسلم يدركون فضل هذه النورانية على أرض الواقع، ولذا دونت في أشعار تلك اللحظة. قال كعب بن زهير:

إن الرسول لنور يستضاء به

مهند من سيوف الله مسلول

وقال آخر :

تنقل أحمد نورا عظيما

تقلب فيهم قرنا فقرنا

تلألأفي جباه الساجدينا

إلى أن جاء خير المرسلينا

تلك هي الشهادات المتظافرة على وصفه  صلى الله عليه وسلم بالنورانية، وإن كنا لا نحتاج إلى أية شهادة في هذا المقام بعد شهادة رب العالمين.

فالرسول صلى الله عليه وسلم نور، ولذا كانت رسالته التي كُلف بتبليغها نورا وذلك بإخراج الإنسانية من الظلمات إلى النور. قال تعالى : {ألر كتاب انزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور}(إبراهيم : 14). فماذا تعني هذه الظلمة التي أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يخرج الناس منها؟

للقرآن الكريم أساليب لغوية، تميز مضامين خطابه عن أنواع الخطاب المعروفة في اللغة العربية، لأنه تنزيل من حكيم حميد، من ذلك كلمات : الضحى، والفجر، والليل، والعصر.. ذلك أنه رغم ما تقبله هذه الكلمات من الشروح التي لا تتطابق مع دلالة تسمياتها، فإن دلالتها الرمزية واردة، وهذا يمكن أن نفهمه من الاستعمال العام لكلمة الظلمة أو الظلمات في القرآن الكريم كالآية السابقة {لتخرج الناس من الظلمات إلى النور} وقوله تعالى : {أن اخرج قومك من الظلمات إلى النور}(إبراهيم : 5). إن هذه الظلمات تعني المفاسد الاجتماعية بمفهومها الواسع.

   د. الـحـسـيـن گـنـوان

——————-

1- تاريخ الإسلام إبراهيم حسن إبراهيم 1/1

2- معجم مقاييس اللغة حـ 1/ مادة بحث

3- لسان العرب لابن منظور حـ 2 مادة بعث (بتصرف)

4- الجامع لأحكام القرآن حـ 6

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>