المتقون هم المتحضرون و بناة الحضارة الإيمانية


أ- من هم المتقون؟

المتقون عرفهم القرآن الكريم بأعمالهم وأخلاقهم الفاضلة في مواطن عدة من القرآن الكريم(1)  نوجزها إجمالا في القول بأنهم “المؤمنون الصادقون في إيمانهم الذين اهتدوا بهدي القرآن واتصفوا بكل أعمال البر والإحسان، فقاموا بأداء الفرائض والطاعات والقربات، واتصفوا بالأخلاق الحسنة، فصدق عليهم الحكم بأنهم : هم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، الموعودون بالتمكين والاستخلاف في الأرض، وبرضوان الله تعالى في الجنة ”

ومن خصائصهم  كذلك أنهم ” عباد الله المخلصون، الذين لا سلطان للشيطان عليهم فقد تحرروا من شباكه التي ينصبها للناس من التزيين والإغراء بحب المال أوالجاه أوالنساء وغيرها من متع الدنيا، وتجاوزت نظرتهم شهوات الدنيا ومتعها لأنهم ليسوا ذوي نفوس تقنع باستهلاك الأشياء، أو تجري وراء اللذات والمتع، بل هم يعملون الصالحات ويحرصون على ما هو خير وأدوم عند الله في جناته التي وعدوها،  فيصدق عليهم قوله تعالى : {قل أأنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار الصابرين والصادقين والقانتين والمستغفرين بالاسحار}.

 ب – الأخلاق الحضارية للمتقين :

لايشك مؤمن في أن كل أخلاق المتقين أخلاق حضارية، وهي الأخلاق القائمة على الإيمان الصادق الباعث على العمل الصالح، والتي تتجلى في ضبط النفس والسيطرة على  أهوائها، وعلى نكران الذات وإيثار المصلحة العامة طمعا في رضوان الله تعالى، وحيث إن المجال لا يتسع لتفصيل القول في أخلاق المتقين فنكتفي هنا بما له حمولة حضارية بارزة  من هذه الأخلاق، وأهمها ما يلي :

> الصدق في القول والعمل :

وأول ما يتحقق لدى المتقين هو صدق الإيمان بالله وتقواه،  وقدوتهم للصحابة الكرام الذين مدحهم الله بها في قوله تعالى: {فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المومنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وكان الله بكل شيء عليما}(الفتح 26).

وبتقواهم يحبون  الرسول صلى الله عليه وسلم  ويطيعونه فما إن يسمعوا منه أمرا أو يعلموا عنه سنة حتى يسرعوا في الامتثال، فلا يتلكأون ولا يترددون، في طاعة أمر الله ورسوله، ولا شك أن الصدق في القول والعمل دليل قوة الشخصية والثقة في الله وفي النفس وذلك أساس كل الفضائل والقيم التي تجعل دأب المتقين هو العمل الصالح النافع للأمة دنيا وأخرى..

> قوة العزيمة وحسن التوكل على الله :

المتقون أقوى الناس عزما لتوكلهم على الله ولمراقبتهم إياه وخوفهم عقابه، فهم مؤمنون أقوياء يتحملون المسؤوليات ويؤدونها بإخلاص متجاوزين كل الصعاب والعقبات وهم يرنون إلى جنة رب العالمين، فيرتقون في مدارج الرقي الروحي والكمال الإنساني إنهم يعملون بقوله تعالى : {وابتغ فيما آتاك الله الدار الاخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك}(القصص : 77) ويصدق عليهم قول الرسول صلى الله عليه وسلم : ((المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف..))(2).

> التعاون والتماسك وعدم التفرقة ::

المتقون  تمنعهم تقواهم من التدابر والتنابذ والتخاذل والتفرقة، فهم أحرص الناس على ما ينفعهم وينفع غيرهم، لأنهم يتعاونون على البر والتقوى فيبنون بتعاونهم وتكافلهم مجتمعا متماسكا ومتضامنا يصبو للبناء والتعمير، والرقي الحضاري عملا بقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا)) فيكون عملهم الاجتماعي أقوى وأدوم من الأعمال التي تقام لأغراض مادية أو سياسية .

> البصيرة بالحق والتمسك بالعدل :

المتقون هم أعلم الناس بحقوق الله ويشرعه وعدله فهم يبصرون الحق ويحافظون عليه ، ولا يصرفهم صارف عن إقامة العدل و الحق بين الناس، والعدل أساس الاستقرار والتحضر. لأنهم يطبقون في أقوالهم وأعمالهم قول الله تعالى : {ياأيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقو الله إن الله خبير بما تعملون}(المائدة : 9).

> الإحسان إلى الناس والعفو عن زلاتهم :

المتقون استجمعوا خصال البر والإحسان فصاروا خيار الناس، كرماء ؛ ينفقون في كل الظروف ولا يبخلون، بل يلاحقون أوجاع الناس وآلامهم حتى تزول، وهم صابرون يكظمون الغيظ ويعفون عن الناس، فاستحقوا وصف المحسنين وحسن جزاء رب العالمين كما في قوله تعالى : {سارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والارض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين}(آل عمران : 133- 134).

> السمت الحسن والنقاء في الظاهر والباطن  : 

المتقون يجمعون بين الأناقة المظهرية في اللباس النقي والسمت الحسن، {ولباس التقوى ذلك خير}، والأناقة المعنوية في طهارة القلب وصفاء الطوية، فكانوا بذلك أفضل الناس مصداقا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم لما سئل : أي الناس أفضل؟ فقال صلى الله عليه وسلم : كل مخموم القلب صدوق اللسان، قالوا : صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال صلى الله عليه وسلم :  ((هو التقي النقي لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد))(3).

نعم، التقي النقي، هو أفضل الناس وأسماهم خلقا، وأرفعهم تحضرا، لأن قلبه سليم من الحقد والحسد ومن التكبر واحتقار الناس وغيرها من الأمراض التي تؤدي إلى الحروب والصراعات، والاعتداء على حقوق الآخرين،

وهل هناك تحضر أسمى وأرقى من تحضر الأتقياء؟ وأي تحضر هذا الذي يزعمه صناع المدنية الحديثة المستكبرون في الأرض، المحتكرون لخيراتها، أو العنصريون الحاقدون على مخالفيهم في العرق أو الملة ؟

> حب العمل وعدم التواكل :

وذلك عملا بدعوة القرآن والسنة واقتداء بالصحابة الكرام، لأن من شأن التقوى أن تدفع صاحبها لأخذ الحيطة والحذر من كل ما يضره أو يهدد سلامته الجسدية والعقلية والروحية، ومن شانها أيضا التواضع ومخالطة الناس في شؤون الحياة، والصبر على أذاهم.

>  التفكير الصائب والقول السديد :

المتقون هم أولوا الألباب الذين يتفكرون في آيات الله الكونية ويعقلون آياته القرآنية، فلا يتبعون الأهواء ولا يقولون على الله بغير علم،  لعلمهم بأن الله حرم ذلك، بل يلتمسون الحجة والبرهان، ويحرصون على الصدق و القول السديد عملا بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم…}.

> القدرة على حل المشكلات وتجاوز الواقع المهين :

وذلك لأنهم يتوكلون على الله حق توكله، معتمدين على توفيقه، فيُبصرون الأمور على حقيقتها بدون تضخيم ولا تحقير والله يمدهم بنور يبصرون به، وفرقان يميزون به الحق عن الباطل،كما ييسر أمورهم مصداقا لقوله تعالى: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا..}(الطلاق : 2) ولقوله تعالى : {ومن يتق الله  يجعل له من امره يسرا}(الطلاق : 4).

ج – الصحابة هم النماذج القدوة لبناة الحضارة الإيمانية  :

الصحابة جيل من المؤمنين المتقين الذين تربوا في مدرسة النبوة فنهلوا من معين الوحي وأخذوا العلم والعمل عن الرسول صلى الله عليه وسلم  فكانوا سادة الأتقياء المتحضرين، وفيما يلي بعض أخلاقهم ومواقفهم الحضارية :

>  حبهم  للعلم وإيثاره على متاع الدنيا :

وخاصة فقراءهم أمثال أبي هريرة، وابن مسعود، وغيرهما ممن لم يشغلهم الصفق في الأسواق عن طلب العلم, ولم يكتفوا كلهم بعلم القرآن والسنة بل منهم من تعلموا لغات الأمم المجاورة كالعبرية وغيرها ليبلغوا رسالة الإسلام لغير العرب،كما تعلموا صناعة الدروع والسيوف وغيرها مما تدعوهم الحاجة إليه..

> الإيثار والتضحية في سبيل الله : 

إنهم رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، لا يهمهم الطمع ولا تشغلهم الأموال والأولاد عن تلبية نداء الجهاد ونصرة الإسلام -مهاجرين وأنصار- فلم يصبهم ما أصاب عموم المسلمين في العصر الراهن من الوهن

الناتج عن حب الدنيا وكراهية الموت،بل هم نصروا الله بالجهاد فنصرهم، واعتزوا بدينهم فأعزهم الله.

> العمل لصلاح الدين والدنيا  :

إنهم تربوا في مدرسة النبوة على الجهاد وعلى العمل للدنيا والآخرة، فهم فرسان بالليل رهبان بالنهار، في حياتهم الخاصة يتصفون بالزهد في الرفاهة والمتاع المؤدي إلى الترف والكسل، وفي حياتهم العامة يحرصون على فعل الخيرات والأعمال الصالحة فأخذوا بما كان في عصرهم من التقنيات والصناعات فاهتموا بالضروريات وبالأولويات في عهدهم كصناعة السيوف والأذرع الضرورية للجهاد، ولم يهتموا بالمقتنيات الترفيهية، وبالمشتهيات النفسية.

> العدل في القضاء وفي الشهادة على غير المسلمين  :

وقد وردت في سيرهم وأخبارهم قصص ومواقف عدة تشهد بنزاهتهم وعدالتهم، وخاصة مع يهود المدينة سواء في حياة الرسول أو بعد مماته صلى الله عليه وسلم، وأشهرها حكم القاضي العادل (شريح) في قضية الدرع التي ضاعت من علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وغيرها من الوقائع.

> الاستفادة من حضارة الأمم الأخرى:

اشتهر بذلك أيضا الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، في تدوين الدواوين،  وترتيب الجيش ، واتخاذ حدث للتأريخ وهو (حدث الهجرةالنبوية)، وإنشاء بيت المال، وتمصير الأمصار  وغيرها..

فبالسير على المنهج القرآني والهدي النبوي يهتدي الإنسان للتي هي أقوم في العبادة والعمل وفي البناء الحضاري والرقي الإنساني وغيرها،

>  التسامح والمعاملة الحسنة لأهل الكتاب:

وخاصة المعاهدين والذميين منهم، وموقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه من وضع الجزية على فقراء الذميين وعجائزهم، وإعطائهم من بيت مال المسلمين ما زالت مفخرة للمسلمين ومواقفهم الحضارية بينما حاملو شعارات (حقوق الإنسان) في العصر الراهن لم يتخلصوا بعد من النزعات العنصرية والطبقية..!!

د. محمد البوزي

——-

1- من هذه المواطن ؛ سورة البقرة،آيات : 2…6 و 177 و180 و 194،آل عمران :  76  و133…136 و….الخ

2- أخرجه مسلم عن أبي هريرة كتاب القضاء والقدر رقمه في مختصر مسلم للشيخ الأ لبلني 1840..

3- أخرجه ابن ماجة في سننه كتاب الزهد عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما صححه الألباني رقم 4216.

مخموم القلب : لفظ (مخموم) من خم المكان أو البيت إذا نكسه من الأوساخ،ومعناه في الحديث بشرحه ما بعده.

قلبه سليم وخال من الضغائن والأحقاد ومن التكبر والطماع وكل ما يؤدي إلى الصراع أو احتقار الناس أو الاعتداء عليهم، وهل هناك معنى للتحضر أسمى من هذا ؟ وأي تحضر هذا الذي يتصف به متمدنوا الحضارة المادية المعاصرة المتصفين بالغرور والتكبر والعنصرية الحاقدة.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>