أثر القرآن الكريم في تطوير مبادئ البحث العلمي


يسعى العلماء دائماً إلى وضع القوانين العلمية، التي تصوغ العلاقات وتنظمها بين هذه الظواهر المتجددة المعقدة في الحياة، وقد وجه الله جل جلاله الدعوة للإنسان كي يبحث ويتعلم، فقال تعالى في أول سورة أنزلت من القرآن الكريم {اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الانسان من علق اِقرأ وربك الاَكرم الذي علم بالقلم علم الاِنسان ما لم يعلم}(العلق : 1- 5). فقد بلغ المسلمون الأوائل أوج الحضارة في عصورهم الزاهرة عندما حفلوا بالعلم وفروع المعرفة، وانكبوا بجد واجتهاد، يدفعهم الإيمان والإخلاص للفهم السليم لآيات القرآن الكر يم، للبحث في كل شأن من شؤون الحياة، وكل ظاهرة من ظواهر الكون فصنفوا المؤلفات بأسلوب منهجي سليم، يتميز بجانبيه النظري والتجريبي. وبالتالي طوروا النظريات القديمة، ووضعوا قوانين ونظريات جديدة ومن يطلع على ما أورده ابن النديم في : “الفهرست” يدرك ما وصل إليه المسلمون في القرن الرابع الهجري، وذلك بفضل تدارسهم للقرآن الكريم وبحثهم في  آياته، فقد أدركوا بعمق إيمانهم قوله تعالى {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا ءاياته وليتذكر أولوا الالباب}(ص : 29)، وقال تعالى : {يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكـم نوراً مبيناً}(النساء : 173) كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد حث على تعلم القرآن وتعليمه : ((خيركم من تعلم القرآن وعلمه))(رواه البخاري ومسلم وأبو داود).

ولقد تميزت الدعوة الإسلامية عن غيرها من الدعوات السماوية، بأن جعلت العلم هو الطريق القويم إلى الدين الصحيح والتوحيد الخالص.

ولم تكن الخوارق والمعجزات من وسائلها للإيمان بالله وتوحيده وعبادته، والعمل بشريعته بل خاطبت العقل بالبرهان ودعته إلى التفكير والتأمل، فقال الله تعالى : {إن في خلق السماوات والارض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الالباب الذين يذكرون الله قياما:ً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والارض}(آل عمران : 190- 191).

يفصل الامام محمد عبده ذلك في رسالة التوحيد فيقول : جاء القرآن فانتهج الدين منهجاً لم يقم عليه ما سبقه من الكتب المقدسة. منهجاً يمكن لأهل الزمن الذي أنزل فيه ولمن يأتي بعدهم أن يقوموا عليه، فترك الاستدلال على نبوة النبي صلى الله عليه وسلم بما عهد الاستدلال به على النبوات السابقة، وحصر الدليل في حال التي مع نزول الكتاب عليه في شأن من البلاغة يعجز البلغاء عن محاكاته فيه ولو في مثل أقصر سورة منه، وتناول مقام الألوهية ما أذن الله لنا أو ما أوجب علينا أن نعلم.

من  مبادئ البحث العلمي في القرآن :

من المعروف عند العماء : أن للبحث العلمي مبادئ لابد أن تتوافر كي يؤتي البحث ثماره المرجوة منه، ومنها :

1- حرية التفكير :

وأول هذه المبادئ التي لا يستقيم البحث العلمي بدونها حرية التفكير وهي أعم وأشمل من حرية البحث ولا بد من أن تتوافر دون أدنى قيد، حتى ينطلق الإنسان بما وهبه الله من ملكات إلى رحاب العلم.

وحرية التفكير تنبع في الأصل من مصدرين أساسين :

أحدهما : تكوين العقل الإنساني نفسه، وقد شاء الله أن يكون هذا التكوين متحرراً من أي قيد يحد من حرية تفكيره فيما يشاء (كالخرافة والتقاليد والشائعات والتعصب الأعمى والخمور والمخدرات…).

والثاني : الضوابط الخارجية التي تؤثر على طريقة التفكير عند الإنسان، وقد تكون هذه الضوابط عقائد دينية أو دنيوية أو قوانين ونظماً اجتماعية وما يتولد عنها من مفاهيم وقيم تؤثر بالضرورة على موضوعات الفكر ومنطق التفكير، ومن ثم مناهج البحث وتعرضها للجوانب الموضوعات وتتجلى الدعوة إلى التفكير العلمي بحرية في قوله تعالى : {أفلا ينظرون إلى الابل كيف خلقت، وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت ….}(الغاشية : 17- 19) وقال سبحانه في سو رة يونس : {قل انظروا ماذا في السماوات والارض}.

2- تحديد موضوع البحث :

ثم يرشد الله عز و جل الإنسان إلى الظواهر التي يجب أن يوجه إليها اهتمامه وتفكيره ويعتبر تحديد موضوعات البحث مبدأ له أهميته وضرورته فقال تعالى في سورة البقرة : {إن في خلق السماوات والارض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس لآيات لأولي الالباب…}، وقال سبحانه في سورة الأنعام : {وما من دابة في الارض ولا طائر يطير بجاحيه إلا أمم أمثالكم..} ويفصل الله تعالى خصائص الظواهر كي تكون عونا للإنسان في اكتشافها والاستفادة منها.

3- الاستدلال والبرهنة عقلية أو تجريبية :

ولا يجوز أن يقوم البحث العلمي على الرأي أو الظن والتخمين دون أن يشد الشيء إلى برهان، وقد نهى الله وحذر عباده من أن يخوضوا فيما ليس لهم به علم.

وهذا مبدأ أساسي لا يكمل البحث العلمي إلا به، قال تعالى : {ولا تقف ما ليس لك به علم….}.

محمد حجاري

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>