اللباس يصنع التاريخ – الطــوفــان


{يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يومنون}(آل عمرن:26)

الطــوفــان

قصة الطوفان هي أشهر إرث بشري مشترك بين الحضارات، حيث تنتشر في جميع أنحاء العالم، ولكل حضارة منها نصيب، وهي متغلغلة في كل الثقافات، البدائية والمتطورة(1).

على أن القرآن الكريم هو المصدر الوحيد الذي يحتفظ لهذه القصة ببعدها التاريخي اليقيني، في حين تمزج مصادر أخرى، بالنسبة للطوفان، البعد التاريخي، بالوجه الأسطوري،  كما هو شأن  التوراة المتداولة، وتتحول إلى أسطورة خالصة في عدد من الحضارات، إلا أن الأصل التاريخي فيها واحد. وهكذا علينا الحديث عن الطوفان التوراتي، والطوفان السوري، والطوفان البابلي، الذي قرر تدمير الحياة على الأرض فأرسل طوفاناً عارما استمر تسعة أيام، بواسطة نار سماوية، قضت على الحيوان والإنسان والنبات، عدا إنسانا واحداً…وهذا الدمار الناري موجود أيضا في أساطير شعوب أخرى، منها بعض أساطير بلاد الرافدين، وهو طوفان سلطته الكاهنة “أنانا” على العالم غضبا لشرفها وانتقاما لعرضها…

ففي الأسطورة السومرية أن بستانيا اسمه “شوكا ليتودا” مر فرأى فتاة ففتنته وهي نائمة، فتسلل إليها وقبلها ثم هتك سترها، وعاد من طرف بستانه، فلما صار الصبح وأشرقت الشمس، تلفتت الفتاة حولها خائفة،  وبحثت عن الذي هتك سترها وضاجعها، فلما أعجزها طلبه، غضبت غضبا شديدا، فألحقت الأذى بالأرض… لقد ملأت آبار البلاد بالدم، ففاضت جميع الغابات والبساتين بالدم. لقد كان ذلك انتقاماً فظيعا بسبب تجريدها من لباس عفتها…ولا تخلو قصة من قصص الطوفان الذي دمر العالم من إشارات إلى الثياب، سواء عن طريق الحقيقة، أو سبيل المجاز…ففي الطوفان البابلي الذي تجسده ملحمة جلجامش:

“صرخت عشتار، كامرأة في المخاض

وبكى معها آلهة الأنوناكي

جلسوا يندبون وينوحون

وقد غطوا أفواههم…”

وعندما وصلت الإلهة العظيمة…

رفعت عقدها الكريم الذي صنعه آنو وفق رغبتها وقالت:

“أيها الآلهة الحاضرون

كما لا أنسى هذا العقد اللازوردي

الذي يزين عفتي

فإنني لن أنسى هذه الأيام قط، سأذكرها دوما”(2)

وفي الطوفان التوراتي، في الإصحاح الثاني: وكان أن جفّت المياه عن الأرض، فرفع نوح غطاء التابوت، ونظر فإذا وجه الأرض قد نشف.

وفي قصة الطوفان البوليقية كان الإنسان الوحيد الذي قد نجا إلى كهف مختبئا، بعدما تزود بالماء والمؤن الكافية لحفظ حياته لفترة من الوقت ريثما تتجلى الغمة. بيد أنه كان يستعين بعصاه لمعرفة تطور الأحداث،  فكان يمدها من ثقب صغير في باب كهفه فتعود ساخنة مسودة إلى أن مدّها ذات مرة فعادت باردة فعرف أن طوفان النار قد انحسر عن الأرض، ففتح الباب وخرج ليرى الأرض محروقة موحشة لا ماء ولا أنهار ولا شجر، وليرى أنه الحي الوحيد الباقي عليها(3).

والعصا قد تكون وسيلة من وسائل الزينة، وقد تكون شعار الأبهة والملك، غير أنها قد تكون ذات وظائف أخرى.

وتتفق أكثر صور قصة الطوفان على أن الملاذ من الطوفان كما هو الفُلك.

أما سبب الطوفان فنجد أن التوراة والنص البابلي يلتقيان حول رد السبب إلى الانحراف الخلقي وسيادة الشر، فكأن الطوفان كان عقابا إلهيا. كان لابد من تدمير الأرض التي امتلأت بالعنف والشر، من أجل فسح المجال أمام خليقة جديدة تكون نواة للخير.

وعلى العكس من هذين النصين فإن ملحمة اتراحيس تطرح سببا غريبا للطوفان، يذكرنا بالسبب الأساسي للصراع بين الآلهة في أسطورة التكوين. فأنليل يشعر بالانزعاج من صخب البشر وضوضائهم فيقرر إفناءهم بعد أن أعيته الحيل في التقليل من عددهم. ولكنه بعمله هذا يناقض العلة الرئيسية لخلق البشر، ألا وهي حمل عبء الكدح عن الآلهة. منذ كان يخطط لخلق جديد يعقب الطوفان، كما فعل زيوس في الأسطورة اليونانية(4).

إن القرآن الكريم يحدثنا عن قصة نوح عليه السلام في أكثر من موضع، ومن ذلك سورة هود المفصلة لجزئيات القصة، حيث تتعدد الشخصيات، فبالإضافة إلى نوح عليه السلام هنالك قومه الذين يجادلونه في دعوته، وهناك ابن نوح، والحوار الساخن الذي جرى بين الأب وابنه، وانتهى بتلك الصورة الحاسمة التي تصور مصير المعتدين: {وحال بينهما الموج فكان من المغرقين}.

وهناك سورة ( نوح)، وهي تعالج قصة نوح عليه السلام، من بدايتها  إلى نهايتها، من بداية الأمر بالدعوة: {إنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا الَى قَوْمِهِ أَنَ انذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَاتِيَهُمْ عَذَابٌ الِيم}(نوح : 1) إلى المصير الذي لاقاه المكذبون: {مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا. فلم يجدوا لهم من دون الله أنصاراً}(نوح : 25)

وبين البداية والنهاية نجد الأحداث التفصيلية، ومنها الآية السابعة المتعلقة بالثياب: {وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا}(نوح: 7).

يقول العلامة ابن عاشور: ((واستغشوا ثيابهم: جعلُوها غشاء، أي غطاء على أعينهم، تعضيدا لسد آذانهم بالأصابع لئلا يسمعوا كلامه ولا ينظروا إشارته. وأكثر ما يُطلق الغشاء على غطاء العينين، قال تعالى: {وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} والسين والتاء في “استغشوا” للمبالغة.

فيجوز أن يكون جعل الأصابع  في الآذان واستغشاء الثياب هنا حقيقة بأن يكون ذلك من عادات قوم نوح إذا أراد أحدٌ أن يظهر كراهية لكلام من يتكلم أن يجعل أصابعه في أذنيه ويجعل من ثوبه ساترا لعينيه.

ويجوز أن يكون تمثيلا لحالهم في الإعراض عن قبول كلامه ورؤية مقامه بحال من يسُكُّ سمعه بأصبعيه ويحجب عينيه بطرف ثوبه؛ وسواء أكان استغشاء الثياب حقيقة أم كان على سبيل التمثيل، فإنه مقترن بالإعراض عن الحق، ودال على التجافي عن منهج الله عز وجل، فصار استغشاء الثياب، على أي الوجهين حملته، موجبا لذلك العقاب الأليم الذي هو الطوفان، تلك الآية العظيمة التي كان قوم نوح يسخرون من نذرها، ويصرّون على الضلالة ويستكبرون:  {قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا  وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا}(نوح:21- 23). وفي سورة (هود) يبين القرآن الكريم كيف تتخذ سخريتهم من دعوة نوح \ صيغة التحـــــــدي: {قَالُواْ يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَاتَنِا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ}(هود : 32). فحق عليهم العذاب، ذلك العذاب الذي لم يشهد له التاريخ مثيلا، متمثلا في الطوفان الذي كان إيذانا بميلاد مرحلة جديدة من تاريخ البشرية، فكان نوح بذلك أبا البشرية الثاني.

د. حسن الأمــراني

———-

1- مغارة العقل الأولى، فراس سراح، ص 210.

2-  م. ن : 212- 219.

3- م. ن : 202.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *