خصائص العمران الحضاري في القرآن الكريم


العمران الحضاري يقوم على الإيمان والعمل الصالح (أي على التقوى)  :

إذا كانت غاية استخلاف الإنسان في الأرض هي عبادة الله تعالى وتعمير الأرض وإصلاحها، وفق الشرع الحكيم والهداية الربانية، وهومحتوى الإيمان والعمل الصالح اللذين جعلهما الله شرطا للتمكين والاستخلاف في الأرض، وقد وعد  الله المستخلفين الذين آمنوا وعملوا الصالحات(أي الذين اتقوا ربهم)، بالتمكين في الأرض ، وبالأمن من كل خوف أو مكروه مصداقا لقوله تعالى : {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا..}(النور:53).

وذلك إذا ما حققوا  التوحيد والعبودية لله وحده، وحاربوا الشرك بكل أشكاله وأنواعه، وكانوا حريصين على العمل الصالح وعلى أنواع الخير وصنوف البر.

ومن لوازم استمرار الاستخلاف والتمكين  في الأرض، القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما في قوله تعالى  : {الذين إن مكناهم في الارض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الامور}(الحج :39).

ومما يؤكد ارتباط العمران بالإيمان في القرآن، اقتران دعوة الرسل إلى توحيد الله تعالى،  بدعوتهم  إلى الإصلاح في الأرض والنهي عن الفساد فيها، إذ ما من رسول إلا كان داعية قومه إلى عبادة الله تعالى وحده،  وترك الأوثان والإقلاع عن الظلم والفساد الشائع بين الناس، فرسالة هود عليه السلام رسالة توحيد ومحاربة للظلم والطغيان والاستكبار في الأرض الذي اشتهر به قومه حتى اغتروا بقوتهم وقالوا: {من أشد منا قوة؟؟}  {فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من اشد منا قوة أو لم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون}(فصلت : 4).

وكذلك رسالة صالح عليه السلام قائمة على الدعوة إلى التوحيد وإصلاح فساد قومه وإسرافهم  إذ قال لهم أخوهم صالح {…فاتقوا الله وأطيعون ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون في الارض ولا يصلحون}(الشعراء  : 150-152).

ونفس الأمر بالنسبة لدعوة شعيب وموسى وغيرهما من الأنبياء والمرسلين عيلهم الصلاة والسلام.

وهكذا إلى أن وصلت رسالة الإسلام أمة العرب الذين بعث فيهم الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وكان فسادهم أيضا عاما في العقيدة بانتشار الوثنية وعبادة الأصنام، وفي الأخلاق الاجتماعية بانتشار موبقات : الزنا والخمور والميسر والأزلام والتعامل بالربا، والأنكحة الفاسدة  وغيرها، فجاءت رسالة الإسلام لتطهيرهم من هذه الأرجاس ولتزكيتهم، {هوالذي بعث في الاميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين}.

فجاء القرآن الكريم رسالة الهداية الشاملة، ورسالة العمران الحضاري بامتياز..

العمران الحضاري تحصنه التقوى ويسقطه الظلم والفساد :

العمران القائم على الشرك أو الرياء أو المنافسة على الجاه والسلطان، هو عمران لا يطمئن أهله ولا يدوم قوامه لأنه موضوع على غير (أساس) طبقا لقوله تعالى : {أفمن اسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أمن اسس بنيانه على شفا جرف هار}(التوبة  :110).

وهذا ما نفيده من قصص أقوام الرسل السابقين الذين كذبوا رسلهم وجحدوهم ولم يشكروا نعم الله عليهم وقد منحهم الله عقولا وأبدانا قوية، وألهمهم كيفية تسخير الطاقات الأرضية والمائية حتى أنشأوا عمرانا مشهودا، وتمتعوا بخيرات الأرض من عيون وأنهار وجنات، إلا أن عمرانهم لم يكن مؤسسا على تقوى الله، ولا يخدم الغاية التي من أجلها وجد الإنسان، وهي عبادة الله تعالى، فاغتر به أهله وظنوا أنهم  إنما أدركوا ذلك بمحض قواهم وعلمهم وخبراتهم، مما أدى بهم إلى الطغيان والفساد في الأرض، فطغوا وأطلقوا العنان لشهواتهم وأفسدوا في الأرض، فحق عليهم العذاب فأهلكهم الله.

ونسوق هنا مثالا من دعوة نبي الله صالح عليه السلام وإلا فجميع الرسل دعوا إلى تقوى الله وترك الظلم والفساد.

ويقول تعالى عن قوم  صالح \: {أتتركون في ما ها هنا آمنين، في جنات وعيون،  وزروع ونخل طلعها هضيم، وتنحتون من الجبال بيوتا فرهين،  فاتقوا الله وأطيعون، ولا تطيعوا أمر المسرفين، الذين يفسدون في الارض ولا يصلحون}(الشعراء : 146 -152).

فنبي الله صالح عليه السلام يدعو قومه إلى تقوى الله وتوحيده في العبادة شكرا له على ما أنعم به عليهم، وقد مكنهم الله من خيرات الأرض، ومن القوة والبراعة ما به يستطيعون نحت البيوت في الجبال وفي الصخور الصلدة، فاغتروا بقوتهم وتجبروا وأفسدوا في الأرض كسلفهم قوم هود، ونهاهم صالح عن الفساد وحذرهم وأنذرهم عذاب الله فما تنبهوا ولا استجابوا حتى أتاهم عذاب الله فأصابتهم الصاعقة الطاغية  فكانوا كهشيم المحتضر، وفي ذلك وأمثاله عظة وآية لمن أراد الاعتبار والتمس طريق النجاة.

فعمران هؤلاء الكفار وأمثالهم في كل زمان زائل وخراب،  لأنه استخراب في الأرض وليس استعمارا لها، إذ لا اعتبار في القرآن لعمران مادي محض، ولا لعمارة قائمة على الشرك والوثنية، فهؤلاء مشركو قريش رغم ما يقومون به من رفادة وسقاية للحجيج، وطواف بالبيت واهتمام بضيوفه، مما هو من قبيل الشعائر والعمران التعبدي (الإيماني)، إلا أن عمارتهم  للمسجد الحرام لا اعتبار لها عند الله، فقال تعالى : {ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر، أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون، إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر، وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله، فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين، أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن الله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله…}(التوبة : 17، 18، 19).

وذلك لأن كفار قريش لا يقرون برسالة النبي صلى الله عليه وسلم ولا يخلصون العبادة لله تعالى في البيت الحرام {وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية}(الأنفال : 35). لذلك منعوا بعد فتح مكة من دخول الحرم إلى الأبد ما داموا مشركين.

وما فتئ القرآن ينبه المكذبين برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ويدعوهم إلى النظر والاعتبار بعاقبة سلفهم في الكفر وتكذيب الرسل، الذين لم تنفعهم قوتهم ولم ينفعهم عمرانهم ولاما بنوه من قصور ومصانع، وما زرعوا وغرسوا من زروع وأشجار، إذ كل ذلك صار آثارا وأطلالا، تذكر الناظرين والمعتبرين بمصير تاركيها، كقوله تعالى : {ألم تر كيف فعل ربك بعاد اِرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد، وثمود الذين جابوا الصخر بالواد وفرعون ذي الأوتاد الذين طغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد فصب عليهم ربك سوط عذاب إن ربك لبالمرصاد}(الفجر: 6 -14).

وهكذا نجد أن العمران الذي لم يكن معه الإيمان والتقوى مآله الدمار والخراب، ومآل أهله الهلاك والخسران، وتلك سنة الله في الأمم والحضارات لا تتخلف ولا تحابي أحدا، وهي حقيقة تاريخية كونية يدركها كل دارس للقرآن الكريم أولتاريخ الأمم والحضارات، كالمؤرخ والمفكر الاجتماعي العربي؛ العلامة عبد الرحمن  بن خلدون رحمه الله الذي عقد في مقدمته فصلا  بعنوان : (إن الظلم مؤذن بخراب العمران)،

ومما جاء تحت هذا العنوان قوله : “اعلم أن العدوان على الناس في أموالهم ذاهب بآمالهم في تحصيلها واكتسابها، لما يرونه حينئذ من أن غايتها ومصيرها انتهابها من أيديهم، وإذا ذهبت آمالهم في اكتسابها وتحصيلها انقبضت أيديهم عن السعي في ذلك… ولأن العمران ووفوره ونفاق أسواقه إنما هوبالأعمال وسعي الناس في المصالح والمكاسب ذاهبين وجائين، فإذا قعد الناس عن المعاش وانقبضت أيديهم عن المكاسب كسدت أسواق العمران وانتقضت الأحوال… إلى أن قال : فتفهم من هذه الحكاية أن الظلم مخرب للعمران وإن عائدة الخراب في العمران على الدولة بالفساد والانتقاض..”(1).

العمران القرآني عمران حضاري رسالي  :

إذا كان العمران مرتبطا بعبادة الله تعالى، وكلاهما غاية استخلاف الإنسان  في الأرض، فإن هذا العمران لايكون بالضرورة إلا عمرانا بشريا إيمانيا ـ وليس عمرانا ماديا ـ وبالأحرى فهوعمران حضاري ورسالي، بالمعنى الإسلامي للحضارة والرسالة، لذلك  جاءت رسالة نبينا عليه السلام الخاتمة في سياق دعوة أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام الذي خطط لعمران الأمة المسلمة، فكان اهتمامه صلى الله عليه وسلم أولا ببناء الإنسان قبل العمران، وإعداده إعدادا قويا بالإيمان وبالقرآن، حتى إذا استقام هذا الإنسان

أنشأ عمرانا حضاريا حقا، عمرانا يكفل للإنسان الحصانة المادية والحياة الطيبة في الدنيا والآخرة .

د. محمد البوزي

—–

1- المقدمة ص : 227، 228 , ط دار الفكر.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *