حرص الرسول على إزالة المشقة عن أمته في التكاليف الشرعية


مقدمة:

لم تعرف البشرية مِن لَدُنِ آدم وإلى قيام الساعة أحدا أشد اهتماما بالإنسانية وحرصا على مصالحها الروحية والنفسية والصحية والمادية الدنيوية والأخروية من خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم.

ولمْ يوجدْ في كل حِقَب التاريخ الإنساني إنسان أكثر شفقة على الخلق من المشفق الحريص الرءوف الرحيم صلوات ربي وسلامه عليه، أحَبَّ الناسَ عامة، وأحَبَّ لهم الخير وسعى لهم فيه.

أسدى للإنسانية إحسانا عظيما وخيرا عميما، بيَّن لها أسباب العزة والريادة والانتصار، وأظهر لها مسببات الاندحار والاندثار، وضَّحَ لهم طُرُق الخير، ودعاهم إلى سُبُل الهدى، وحذرهم من طُرُق الهلاك والردى.

رسول الهدى أعظمُ نعمة من الله على الناس، بُعِث بشيرا ونذيرا وهاديا حانيا ليخرجهم من الظلمات إلى النور ولينالوا ما هيأه لهم ربهم في جنة الخلد، كل نعمة ظاهرة أو باطنة في الدين أو في الدنيا أو في  درجات الآخرة نالتها الإنسانية بعد مبعثه إلا وهو سبب فيها، بل هو الذي حرص على إيصالها لها ودلها عليها .

وفي هذا الموضوع سأقف على بعض اهتمامه صلى الله عليه وسلم بأمته و ذلك من خلال حرصه على التخفيف عنهم في التكاليف الشرعية .

الحرص في اللغة:

الحرص لغة هو : “شدةُ الإرادة والشَّرَهِ إلى المطلوب”(1)، قال الراغب الأصفهاني: “الحرص: فرْطُ الشَّرَه وفرْطُ الإرادة”(2) ، وتقول العرب: “حريص عليك : معناه حريص على نفعك”(3).

والحرص في موضوعنا هذا هو اهتمامُ الرسول صلى الله عليه وسلم بأمْرِ الناس- عامة وأمْرِ أمته خاصة- وانشغالُه بما يُصلِحُ أحوالَهم في العاجلة والآجلة، وسَهَرٌ على قضاياهم وكل ما فيه نفعهم.

رحمة الرسول بأمته بإزالة المشقة عنهم في التكاليف الشرعية :

جاءت الشريعة المحمدية السمحة بفرائض وواجبات، والرسول صلى الله عليه وسلم رغَّب فيها ورهَّب من التهاون في أدائها، إلا أنه عليه الصلاة والسلام حَرَصَ أن تُحاط هذه الفرائض باليُسر وبرفع الحرج وبالتخفيف.

ورحمةً بالمومنين وحِرصا منه عليهم أن يُؤدوا فرائض ربهم كما يحب تعالى ويرضى، سَنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم الرُّخَصَ وسعى لإزالة ما يَشُقُّ على نُفوسهم ويَثْقُل عليهم و يُسبِّب لهم العَـنت والحرج والصعوبة أثناء قيامهم بها، الشيء الذي يحببها في قلوبهم فيَخِفُّون لأدائها ويتقربون إلى الله بها في حب ونشاط وشوق.

حَدَب الرحيم الكريم على أمته وسعى لإزالة العنت والمشقة عنها، ووضع عنها الآصار والأغلال وأمرها بكل معروف ونهاها عن كل منكر وشر.

ففي ليلة الإسراء والمعراج لما فـُرضت الصلاة في أول الأمر كانت خمسين صلاة، فاستشار نبيُّنا صلى الله عليه وسلم كليمَ الله موسى عليه الصلاة والسلام في شأنها، فقال له موسى: “ارجع إلى ربك فاسأله التخفيفَ فإن أمتك لا يطيقون ذلك، فإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتُهم” فلم يَزَلِ النبي صلى الله عليه وسلم يسأل ربّه التخفيفَ عن هذه الأمة مرة بعد مرة حتى صارت خمس صلوات في اليوم والليلة، ولما أخَّر النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلةٍ صَلاةَ العشاء حتى ذهب عامة الليل وحتى نام أهل المسجد ثم خرج فصلى بهم وقال: ((إنه لوقتُها لولا أن أشق على أمتي))(4).

وحِرْصا على الناس نهى سيدَنا معاذا وغيرَه عن الإطالة في الصلاة.

وأخرج الشيخان عن أنس رضي الله عنه أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إني لأدخل الصلاة، وأنا أريد أن أطيلها، فأسمع بكاء الصبي فأتجوز(5) في صلاتي مما أعلم من شدة وَجْد أمه من بكائه)).

وعَنْ عُرْوَة بْن الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ فَصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ فَصَلَّى رِجَالٌ بِصَلاتِهِ فَأَصْبَحَ النَّاسُ يَتَحَدَّثُونَ بِذَلِكَ فَاجْتَمَعَ أَكْثَرُ مِنْهُمْ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ فَصَلَّوْا بِصَلاتِهِ فَأَصْبَحَ النَّاسُ يَذْكُرُونَ ذَلِكَ فَكَثُرَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ مِنْ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ فَخَرَجَ فَصَلَّوْا بِصَلاتِهِ فَلَمَّا كَانَتْ اللَّيْلَةُ الرَّابِعَةُ عَجَزَ الْمَسْجِدُ عَنْ أَهْلِهِ فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَطَفِقَ رِجَالٌ مِنْهُمْ يَقُولُونَ: الصَّلاةَ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى خَرَجَ لِصَلاةِ الْفَجْرِ، فَلَمَّا قَضَى الْفَجْرَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ ثُمَّ تَشَهَّدَ فَقَالَ : ((أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ شَأْنُكُمْ اللَّيْلَةَ وَلَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ صَلاةُ اللَّيْلِ فَتَعْجِزُوا عَنْهَا))(6)، لم يخرج الرسول في اللَّيْلَة الرَّابِعَة خوفا أن يُفرض القيام على أمته فلا تستطيعه.

ولما فرض الله الحج بلَّغ الرسولُ أمته بهذا الأمر فقال عليه الصلاة والسلام لأصحابه: ((أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ الْحَجَّ فَحُجُّوا، فَقَالَ رَجُلٌ أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلاثًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ، ثُمَّ قَالَ ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ))(7) ما سكت الرسول صلى الله عليه وسلم عن سؤال الصحابي وإلحاحه إلا خشية أن يُفرض الحج كل عام على الأمة وتجد مشقة في ذلك.

والذي يقرأ السنة المطهرة يجد أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد ترك عدة أشياء خشية أن تُفرضَ على أمته فتجِدَ في ذلك مشقة وعنتا، كتركِه الأمر بالسواك مع كل وضوء وعند كل صلاة، وغير ذلك كثير في سنته صلى الله عليه وسلم.

———-

1-  الموفى في معرفة أسماء ونعوت المصطفى د محمد خروبات ص145

2- معجم مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني ص127

3-  لسان العرب 3. 125

4-  رواه مسلم كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب وقت العشاء عن عائشة

5- أي أخفف و لا أطيل

6-  رواه مسلم كتاب صلاة المسافرين باب الترغيب في قيام رمضان عن عائشة

7-  رواه مسلم كتاب الحج باب فرض الحج مرة في العمر عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ .

ذ. أحمد المتوكل

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>