مـفـتـاحــان


يحدثنا الإسلام، من خلال كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أن دور المسلم في العالم، فرداً وجماعة، يتخذ اتجاهين أحدهما باطني ذاتي عمودي سماه الرسول عليه السلام (الجهاد الأكبر) لما يتطلبه من مصاعب ويستلزمه من قدرة على المقاومة والمراقبة والحذر والتجرد، وهو يهدف إلى مواجهة الإنسان لذاته وتغييرها تغييرا حركيا مستمرا من أجل أن يسقط عنها كل النزعات والشهوات والممارسات السلبية التي من شأنها أن تصدها عن التوحد الكامل والاندماج الشامل في مسيرة الفكرة، التي تتطلب من المنتمين إليها شروطا نفسية وأخلاقية وذهنية لابد من توفرها إذا ما أريد للأمة المسلمة أن تصل إلى أهدافها بأشد الأساليب نقاء وتركيزا وتوحدا {ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه، إن الله لغني عن العالمين}(العنكبوت : 5).

وهكذا يجد المسلم نفسه إزاء تجربة صراع ذاتي دائم لمجابهة قوى الشر والسلب في نفسه والتفوق عليها للاقتراب أكثر من جوهر الدعوة التي ينتمي إليها والاندماج فيه، بعد اطراح كل العوائق التي تنبثق في أعماق تكوينه الذاتي، بما تطرحه قوى البيئة والوراثة من مؤثرات. وبدون هذا الجهاد الإرادي الباطني من أجل تغيير الذات، فإنه لا ينتظر أبدا حدوث أي تغيير أساسي على مستوى الجهاد الخارجي في العالم. إن قاعدة الحركة نحو الأحسن والأكمل عقائديا في صراعنا الخارجي مع القوى البشرية المضادة هو أن نسعى لإحداث هذا التغيير باطنياً {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} {ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}.. فالقاعدة القرآنية تؤكد في الآيتين على أن أي تغير نوعي في الخارج لا يتحقق إلا بعد حدوث التغير الباطني في الذات الإنسانية، سلباً أو إيجاباً.

أما صراع الأمة الإسلامية على مستوى العالم فيصطلح عليهالقرآن والسنة باسم (الجهاد) وهو يتضمن كل أشكال الصراع الخارجي على الإطلاق : مذهبياً، سياسياً، عسكرياً، أخلاقيا، اقتصاديا وحضارياً. وهو بهذا يمثل مساحة للحركة أوسع بكثير من تلك التي تحتلها صراعات المذاهب الوضعية المحدودة، كما أنه يتضمن ديمومة زمنية يعبر عنها حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: ((الجهاد ماض إلى يوم القيامة))في وقت ترى فيه بعض المذاهب الوضعية أنه سيجيء اليوم الذي سيكف فيه الصراع على مستوى العالم وبهذا تخرج عن حدود الواقعية وتهيم في الأحلام.

يبين لنا كتاب الله كيف أن هذا الجهاد هو صراع دائم بين معسكرين كبيرين كل منهما ينتمي إلى فكرة ويلتزم موقفا ويعمل في سبيل الله {الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله، والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت} ويسم هؤلاء بأنهم يعملون تحت لواء الشيطان، عدو بني آدم ومصدر الصراع الرئيسي في العالم، إلا أن كيده يبدو ضعيفا غير قادر على الصمود إزاء أية جماعة مؤمنة تؤثر الجهاد على الاستسلام والحركة على القعود، لأنها تنتمي إلى الله الذي يملك كل شيء ويقدر على كل شيء والذي {يدافع عن الذين آمنوا}، بينما ينتمي أولياء الشيطان إلى قوة هي في الأساس جزء ضئيل محسور من خلق الله {فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا} ومن ثم يجيء النصر النهائي دوما لصالح المؤمنين المجاهدين الذي يتحركون أبدا بأمر من الله {حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله} لمصارعة القوى المضادة والتغلب عليها {كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز} {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين، إنهم لهم المنصورون، وإن جندنا لهم الغالبون} {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون} {يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون} {فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم، قل فانتظروا إني معكم من المنتظرين، ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا كذلك حقا علينا ننج المؤمنين}(يونس : 102- 103).

ولابد من الإشارة هنا إلى انه سواء تم هذا النصر لمعسكر الإيمان في مراحل تاريخية محددة، كما حدث فعلاً لعديد من الأديان السماوية الكبرى، أم أنه سيتم ثانية لحساب الإسلام كحصيلة نهائية للموقف الديني في يوم قريب أم بعيد.. فان جهاد المؤمنين ماض في بقاع العالم بكل وسيلة شريفة وإلى يوم القيامة، وهو الذي حركهم ويحركهم دوما لتحقيق كلمة الله {والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون}.

وهكذا.. يضع الجهاد الأمة الإسلامية أمام مسؤوليتها الكبرى في العالم، ويمنحها فاعليةً دائمة إزاء التجارب والمواقف البشرية، تتجاوز حدود الزمان والمكان، ويرفعها إلى موقع الشهادة على الناس، ذلك الموقع الوسط المميز المتفرد الذي لن ترتفع إليه إلا عندما تمارس جهادها الدائم على كل الجبهات، أمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر، وقتالا بالكلمة، وكفاحا مسلحاً {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا}.. وصدق الله العظيم..

 أ. د. عماد الدين خليل

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>