حلاوة الاستشهاد في سبيل الله (2)


ب- حرام بن ملحان: “فُزْتُ ورَبّ العكبة”

حرام بن ملحان صحابي أنصاري، هو خال أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم

أي أنه أخو أمِّ سليم رضي الله عنها، زوجة أبي طلحة الأنصاري التي كان مهرها الإسلام، فكان خير مهر في التاريخ.

كل هذا يعطيك معدن الأسرة الصالحة والخادمة للإسلام بنسائها ورجالها وأولادها، وهذه معرفة قليلة بكل فرد من أفراد الأسرة، إلا أن مـواقـف أم سليم تعطي الشـيء الكثيـر، ومــواقــف أبــــي طلـحـة -زوجها- تعطي الشيء الكثير، ومواقف أنس بن مالك تعطي الشيء الكثير.

أما حرام بن ملحان فلم نعرف عنه شيئا كثيرا باستثناء الموقف الخالد الذي ختم به حياته، حيث نطق بثلاث كلمات “فُزْتُ وَرَبِّ الكعبة” خلَّدته في تاريخ الصالحين والصالحات، ثلاث كلمات أغنتْ عن ملايين المسجوعات والمنظومات والمنثورات من الكلمات، ثلاث كلمات أخرجت للأجيال الحلاوة الإيمانية التي كانت تغمُر قلب هذا الرجل وقرنائه من الصحب الكرام، والقراء العظام، ثلاث كلمات أبرزت للصف الممتد عبر الأجيال الحلاوة الإيمانية التي يعجز الميزان عن وزنها وحملها لعظم ثقلها في ميزان الله تعالى، ثلاث كلمات تسخر من الغُثائيين والغُثائيات الغارقين في سكرات المتع الدنيوية، محاولين إقناع أنفسهم بإحداث التوازن والتوافق بين حب الدنيا وحب الآخرة، حب المال وحب الله، حب التراب وحب الدين، ناسين أو متناسين أن حب الله تعالى لا يقبل إشراكا -مهما كان لونه-، وأن حب الآخرة لا يقبل إشراكا -مهما كانت تأويلاته- إنه المخلوط العجيب الذي صُنع للمسلمين منذ بدأ البيع للدين بالدنيا، ومنذ أصبح التقاتلُ على الحكم والدنيا باسم الدين، مخلوط عجيب سمَّم الحياة الإيمانية، وأخمد الحرارة الإيمانية في مختلف الأوساط الاجتماعية والسياسية على مر التاريخ.

روى ابن سعد عن أنس بن مالك قال : جاء ناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم

فقالوا : ابعث معنا رجالا يعلمونا القرآن والسنة، فبعث إليهم سبعين رجلا من الأنصار فيهم خالي حَرَام(1).

وفي رواية أخرى أن أبا عامر بن مالك ـ ملاعب الأسنة ـ قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاه إلى الإسلام فلم يُسلم ولم يَبعد، فقال : يا محمد لو بعثت أصحابك إلى أهل نجد يدعونهم إلى دينك لرجوتُ أن يُجيبوهم، فقال : “أَخافُ عَليْهِمْ أهْل نجد”، فقال أبو براء : أنا جارٌ لهم.

فذهبوا حتى  نزلوا بئر معونة ـ بين بني عامر وحَرَّة بني سليم ـ ، ثم بعثوا حَرام بن ملحان بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عدو الله عامر بن الطفيل، فعندما أعطاه الكتاب لم ينظر فيه، وأمر رجلا ـ خفية طبعا ـ فطعنه بالحَرْبة من خلفه، فلما أنفذَها فيه، ورأى الدم، قال: “الله أكبر فُزْتُ ورب الكعبة” ثم هجم عَدُوُّ الله ببعض من أطاعه من القبائل على باقي القراء، فقتلوهم إلا رجلين(2).

——-

1- الطبقات الكبرى لابن سعد 514/3، انظر موسوعة عظماء حول الرسول لخالد عبد الرحمان العك : 635/1.

2- انظر سيرة ابن هشام والبخاري في المغازي، ومسلم وأصحاب الرسول لمحمود المصري 364/2، وقد تأثر الرسول صلى الله عليه وسلم

بهذه الغدرة حتى إنه مكت ثلاثين صباحا يدعو في صلاة الفجر على رِعل، وذكوان، ولحيان، وعصية، أسماء قبائل ويقول :  ((عُصَىّة عصَتِ اللَّه ورسُولَه)) فأنزل الله تعالى على نبيّه قرآنا قرأناه حتى نُسِخ بعد : ((بلِّغُوا قوْمَنا أنَّا لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا ورَضِينَا عَنْه)) فترك رسول الله صلى الله عليه وسلم

قنوته، البخاري عن أنس انظر أصحاب الرسول 364/2.

ذ. المفضل فلواتي رحمه الله تعالى

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>