الواعظ في مواجهة الثقافات الوافدة


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:

الدعوة إلى الله عز وجل مجال الوعظ والإرشاد والإمامة والتدريس والخطابة والتذكير،وتنمية الأخلاق الإسلامية وتمكينها في حياة المسلمين، تلكم مهمة الوعاظ والواعظات.

وقصد الواعظ بعد رضى الله جل وعلا، العمل على إيجاد مجتمع مسلم صالح متكامل، يعرف ربه، ويطبق تعاليم دينه، ويحب لأخيه ما يحب لنفسه.

والواعظ ملزم بتبليغ أحكام الإسلام للناس، وملزم بتوعيتهم لمواجهة التحديات، والتعامل مع المستجدات، كل ذلك بين أصالة الفكر ومعطيات العصر.

إشكالية الرسالي والوظيفي

من أجل إنجاز تلك الغاية النبيلة وتبليغ هذه الرسالة الجليلة، يدرك الواعظ  والمرشد أنه يواجهه الكثير من التحديات المتنوعة، خصوصاً في هذهالمرحلة الحرجة، هذه التحديات تضع الواعظ أمام مسؤوليات كبيرة، عليه أن يجمع لها الجهود الكافية والحكمة المناسبة -وفي غالب الأحيان- في غياب الظروف الملائمة.

في هذا العصر الذي يشهد الكثير من التحديات، لا يمكن أن يستقيم المجتمع على منهاج الله، إلا على يد الواعظ الذي يتخذ من مهمة الوعظ والإرشاد “رسالة” يطالب نفسه بإنجازها وبكل قوة، ذلك هو “الواعظ الرسالي” -رجل يكون أو امرأة- عرف الفرق بين الرسالي والوظيفي، فلا ينتظر الأجر إلا من ربه الذي أمره بالدعوة إليه وتبليغ رسالته، رسالي بعقيدة شعارها التوحيد، وقلب شعاره الإخلاص، وعقل شعاره {وقل رب زدني علماً}.

هذا الواعظ الرسالي يواجه أثناء أداء مهمته أنواعاً وأشكالاً من التحديات نذكر منها:

> تحدي الجهل

المسجد له دور عظيم في تقويم السلوك وتهذيب النفوس، والواعظ عليه أن يعلم ويربي، لكن كيف يحصل هذا أو ذاك، والواقع أن هناك الجهلبالقراءة أو”أمية الحرف”، تليها أمية الدين والجهل بالقرآن، وأخرى جهل بالسلوك والأخلاق. فيكون الواعظ مطالباً بالتعامل مع كل هذه الأنواع من الجهل، لكي يحقق مطلبه وينجز هدفه.

> تحدي الغزو الثقافي

تعيش الأمة في الواقع تخلفاً حضارياً عاماً، يشمل جميع مرافق الحياة، إذ لا سبيل للمقارنة بواقع الدول الغربية وما تعيشه من تفوق علمي وتقني، ترتب عليه تفوق صناعي واضح جلي. هذا الواقع -أي واقع أمتنا- نتج عنه:

1- الغزو الثقافي الغربي الذي توغل داخل أخص خصوصياتنا. والتحدي الثقافي الأجنبي يهدف كما هو معلوم إلى تذويب الشخصية المسلمة، وضياع معالمها، وإن كان الخطر العسكري يهدف إلى هلاك الأبدان والأجساد، فإن الخطر الثقافي غايته هلاك القلوب والعقول والأرواح، وأي قيمة تبقى للبدن إذا فسدت الروح؟ وصدق الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الذي يقول: >ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب<(رواه البخاري ومسلم).

2- أصبح من مخلفات هذا الغزو صعوبة الإقناع عن طريق الوعظ “التقليدي” خصوصاً مع فئة الشباب والمثقفين، مما يستدعي من الوعاظ والمرشدين تطوير الخطاب الوعظي، وتجديد الأسلوب الخطابي، والاستفادة من تكنولوجيا العصر.

> التحدي الإعلامي

لقد وصلت الثقافة الأجنبية إلى أعمق نقطة وأبعد زاوية من حياة المسلمين، وذلك ناتج عن تقدم وسائل الاتصال بأنواعها المختلفة، وكم تحمل الرسالة الإعلامية الوافدة من انحراف فكري وسلوكي، يتعارض في أغلب الحالات مع مبادئنا الإسلامية.

وفي الجانب التطبيقي للتقنيات الإعلامية استفاد العاملون في مجتمعاتنا في مجال الرياضة والتمثيل والغناء، بينما يحرم الواعظ والمرشد من هذا الأمر ولا يستفيد من تلك التقنيات، والنتيجة أنه لم يستطيع إيصال كلمته بنفس القوة، لذلك لا تستطيع كلمته أن تترك أي تأثير أو تحدث أي تغيير.

> التحدي اللغوي

إن الأمر الطبيعي في حياة المسلمين هو اعتماد اللغة العربية لغة الاتصال والتخاطب بصورة عامة، باعتبارها وعاء الأمة الحضاري، وأداتها الثقافية والفكرية، ويجوز في بعض الحالات استخدام اللهجات في حد الضرورة التي لابد منها، فمثلاً اللهجات المصرية وغيرها كادت أن تجتاح  المجتمعات العربية بل وحتى غير العربية، وذلك عن طريق القنوات الفضائية، والأشرطة السمعية والسمعية البصرية …

الإفتاء والوعظ على الهواء

من فضل الله على أبناء الأمة في هذا العصر أن مكنهم من هذا العدد من القنوات الفضائية المهتمة بالشأن الديني، والتي  توفر الكثير من المواد الدينية المتنوعة، إلا أن من بين ما يقدم في هذه القنوات قد يحدث إشكالات كبيرة خصوصاً ما يصدر من إفتاء على الهواء، علماً أن الفتوى -كما يقول أهل العلم- تأخذ بعين الاعتبار الزمان والمكان … ورغم حضور قناة السادسة وإذاعة محمد السادس للقرآن الكريم في الحقل الإعلامي -وهذا عمل مشكور- إلا أننا لم نستطع مواكبة القنوات الخارجية في طريقة تناول القضايا، وكيفية معالجة الملفات، مما يجعل الواعظ والمرشد يواجه تحدي الفتوى على الفضائيات والفقه على الهواء.

الإعلام وربط أبناء الإسلام بالمسجد

إذا كانت بعض المساجد وبعض حلقات العلم يرتادها المهندس والطبيب والطالب والمثقف، فإن هذا النوع من المجالس قليل، ذلك أن ثقافة ارتياد المساجد باعتبارها فضاء للعلم والعرفان تكاد تنعدم ببلدنا، فالسائد عند الكثيرين أن المسجد مكان لأداء الصلاة، ولا يجلس فيه بعد الصلاة إلا الشيوخ الذين لا شغل لهم، فـهل تساعد وسائل الإعلام على تصحيح هذا المفهوم وتشجيع جميع فئات المجتمع على ارتياد المساجد، وهل يعطى لمجالس العلم وحلقات الوعظ جزء من الإشهار الذي يخصص للسهرات الغنائية، والمقابلات الرياضية، واللقاءات المسرحية…

التكوين المستمر

إن الواعظ الذي يريد أن يساهم  في رعاية الإنسان المسلم وتربيته تربية إسلامية، ومساعدته على حسن التعامل مع الواقع، لابد أن يكون هو بالأساس قادراً على مواجهة هذا الواقع، فالواعظ الذي يعيش زمان العلمانية والعولمة واقتصاد السوق وغير ذلك، لابد له من تكوين مستمر يمكنه من معرفة مفاهيم هذه المصطلحات ومقاصد هذه الفلسفات، لابد له من تكوين يعده إعداداً يناسب متغيرات الحياة المعاصرة، وتحدياتها الثقافية والسياسية والاقتصادية.

إن تحصيل الثقافة المناسبة لدور الواعظ والخطيب لا يقتصر على المعلومات الشرعية المجردة، بل يمتد إلى مساحة تتسع للإلمام بقدر ضروري من علوم اللغة والتربية والنفس والاجتماع والتاريخ والتراجم والسير والملل، وغير ذلك من العلوم الأخرى، فلن يتمكن الواعظ  من معالجة أمراض المجتمع إلا بعد معرفتها وكشف أسبابها والبحث عن دوائها، ومما لا شك فيه أن ذلك متعذر من غير مداومة القراءة ومواصلة الاطلاع، والبقاء على تواصل دائم مع مصادر المعرفة التي أصبحت في زماننا سهلة قريبة ميسرة. والله تعالى أعلم بالصواب.

وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً، والحمد لله رب العالمين.

د. الوزاني برداعي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *