النَّبِيُّ لا يَقْتُل بالإشارة


جاءت معركة بدر إيذاناً بانتصار الدولة الناشئة على القيادة الوثنية المتمثلة بقريش، ووجد العرب الوثنيون في المدينة أنفسهم في وضع حرج، فهم إما أن يبقوا على كفرهم فيعرضوا أنفسهم للعقاب، وإما أن ينتموا للدين الجديد وهم لم يألفوا الانضباط والانقياد ولا وجدوا في أنفسهم انفتاحاً على تعاليم الإسلام والتزاماته ومبادئه بدافع من تكوينهم الاجتماعي القبلي. وسرعان ما وجد زعيمهم عبد الله بن أبي بن سلول، الذي كان قد رشّح لتتويجه ملكاً على عرب المدينة قبل هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وبدأ الصناع نسج تاجه، أن خير وسيلة للخروج من هذا المأزق هو أن يعلن هو وأتباعه إسلامهم ظاهراً ويبقوا على اعتقاداتهم وعلاقاتهم وممارساتهم الجاهلية باطناً، وبهذا ينجوا من شبح العقاب ويحتفظوا في الوقت نفسه بمعطياتهم الجاهلية، فضلاً عن أن تلبّسهم بالإسلام وتسرّبهم في صوف الجماعة المسلمة، سيتيح لهم فرصة أوسع لتخريب المجتمع الجديد من الداخل، والتنفيس عن حقدهم وهزيمتهم، فاستجابوا لنداء زعيمهم وملكهم المنتظر الذي قال لهم في أعقاب سماع نبأ الانتصار الحاسم لجيش الإسلام في بدر “هذا أمر قد توجّه فلا مطمع في إزالته”.. فانضووا إلى الدين الجديد.

ومنذ ذلك الحين برزت إلى الوجود قوة جديدة في مواجهة الدعوة الإسلامية سببت لها الكثير من المتاعب والمحن، ووضعت في دربها الكثير من الحواجز والعقبات، ومارست إزاءها من الداخل عمليات تخريبية لا حصر لها. وكان على الرسول صلى الله عليه وسلم أن يصارع هذه القوة فضلاً عن صراعه مع القوى الخارجية : الوثنية واليهودية والنصرانية. إلا أن مشكلة هذا الصراع تكمن في أن هذه القوة المعادية غير واضحة الأبعاد، منسربة في صفوف الجماعة الإسلامية، قديرة على الاستخفاء في أعقاب أيتخريب تمارسه.. ثم، وهذا هو الأنكى، لم يكن بإمكان الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعاقب على التهمة ويأخذ بالظنة وينفذ أسلوباً روبسبيرياً في حصد مئات الرؤوس التي يشك أنها تتآمر على سلامة الدعوة ونبيها عليه السلام، وحاشا للأنبياء أن يفعلوا ذلك.

لذا نجده يرفض مرارا وتكرارا عروضاً من صحابته الكرام بقتل رؤوس المنافقين وقطع رقابهم، بمجرد أن يوافق الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكنه لم يوافق حتى النهاية على قتل رجل يشهد في ظاهره بشهادة الإسلام.

وهنالك حادثة ذات دلالة في هذا المجال : عندما دخل الرسول صلى الله عليه وسلم مكة فاتحاً أمر قادته ألا يقاتلوا.. لكنه طلب منهم في الوقت نفسه أن يقتلوا عدداً من المكيين سماهم لهم، حتى ولو تعلقوا بأستار الكعبة، وجيء بأحدهم، وكان قد أسلم ثم ارتد إلى الوثنية، وبعد فتح مكة توسط لدى عثمان بن عفان رضي الله عنه في طلب الأمان. فصمت الرسول عليهالسلام طويلاً ثم قال : نعم. فلما انصرف عنه عثمان قال لمن حوله من أصحابه : لقد صمت ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه، فقال رجل من الأنصار : فهلا أومأت إلي يا رسول الله؟ قال : إن النبي لا يقتل بالإشارة!!

إن النبي لا يقتل بالإشارة.. هذا إزاء رجل كان قد ارتد وجاء يطلب الأمان، فكيف برجال يشهدون خمس مرات في اليوم بشهادة الإسلام ؟ إنه كان بإمكانه صلى الله عليه وسلم أن يحصدهم في غداة واحدة، إلا أن مقياسا دقيقا لمعرفة إيمان كل منهم لم يكن بيديه، وإنما توكل السرائر لله، ويحاسب الناس بأعمالهم الظاهرة.. وهؤلاء منافقون وظاهرهم المكشوف ظاهر إسلامي على خلاف مع باطنهم فكيف يعاقبهم ؟ وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يدرك، فضلاً عن هذا البعد الأخلاقي، أن ممارسة القتل الجماعي أو الفردي تجاه أناس من أتباعه محسوبين على معسكره سوف يعطي لأعدائه في الخارج سلاحاً دعائياً ممتازاً لمهاجمة الإسلام، وقد أدرك الرسول عليه السلام ذلك وقال لأصحابه معترضاً على إلحاحهم عليه بممارسة هذا الأسلوب تجاه المنافقين : (فكيف بالعرب إذا قالت إن محمداً يقتل أصحابه؟) وهذا حق فهم على المستويين السياسي والقانوني من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم، وما دام أي منهم لم يمارس عملاً جرمياً محدداً فإن من الصعوبة بمكان عزله أو قتله.

وكان بديل هذا الأسلوب شيئاً نادراً في تاريخ الدعوات. تتبّع الرسول صلى الله عليه وسلم خطط المنافقين وتخريبهم بيقظة كاملة، ولم يحدد أسلوباً ثابتاً في مجابهة مواقفهم المتلونة المتغيرة، وإنما راح يضع لكل حالة خطة تتناسب تماما وحجم المحاولة التخريبية وتكبتها قبل أن تجيء بثمارها المرة، أو تزرع شوكها في طريق الدعاة.. ومن وراء الرسول صلى الله عليه وسلم آيات القرآن الكريم تتنزل من الله الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، محللة التكوين النفسي للمنافقين، مشخصة نماذج منهم نكاد نلمسها بأيدينا وهي تتلى علينا، فاضحة خططهم اللئيمة قبل أن تقع، منددة بأساليبهم المرذولة وهم يعملون في الظلام دسّاً ووقيعة، صابة عليهم غضبها المخيف في أعقاب أية محاولة يستهدفون من ورائها فتنة أو مكراً.

وهكذا نجد ظاهرة النفاق، رغم كونها ظاهرة مَرَضِيَّة، إلا أنها في إطار الدعوة الإسلامية، تبدو ظاهرة صحة وعافية أشبه بالأمصال المخففة التي تحقن في دم الإنسان لمقاومة مرض من الأمراض وتمكينه من مجابهته وقد استعد له. لقد أدى وجود المنافقين في صفوف المسلمين إلى أن يكونوا حذرين دوما، يقظين أبداً لا يغفلون ولا ينامون، وبسبب هذا الحذر واليقظة تمكن المعسكر الإسلامي ليس فقط من الانتصار على أعدائه في الخارج بل -وهذا هو الأهم- تعزيز وحدته الداخلية، ورصّ صفوفه، وتذويب الأجسام الغريبة أو شلّها وتكييسها، أو طردها كي لا تدمر المجتمع الجديد من الداخل.. إنها حكمة الله أن يوجد في كيان المسلمين ما يتحداهم من الداخل دوما ويدفعهم إلى الاستجابة والإبداع..

      أ. د. عماد الدين خليل

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *