إشراقة – الـمُصحف من الـمُصحّف


لقد جرت العادة عند جمهور الدعاة، أن الواعظ الداعية يفتتح موضوعه بآية من المصحف الشريف، يستشهد بها على أن العرض الذي يقدمه بين يدي جمهوره له أصل في كتاب الله، والقرآن عربي {قرآنا عربيا} والعربية هي اللغة التي اصطفاها الله لتبليغ دينه، فينبغي للواعظ أن يقرأ القرآن بلسان عربي غير ذي لحن ولا تصحيف، ولا خطأ ولا تحريف، لوضوح البينة، وقوة الحجة، وبلوغ الدعوة.

عن زيد بن ثابت قال : كنت أكتب الوحي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يشتد نفسه، ويعرق عرقا مثل الجمان(1)، ثم يسرى عنه، فأكتب وهو يملي علي، فما أفرغ حتى يثقل، وإذا فرغت قال : اقرأه، فإن كان فيه سقط أقامه، ثم يخرج به<(رواه الخطيب في الجامع 133/2).

هكذا كان إمام الدعوة صلى الله عليه وسلم إذا رأى من يكتب له الوحي أخطأ. صحح له الخطأ عند عرضه عليه، وأقامالسقط عند النطق به، أما إذا كانت الآية مصحوبة باللحن والتصحيف عند عرض الدعوة فإنها تجعل الداعية محل نقص واستخفاف عند جمهوره.

أملى عبد الله بن أحمد بن حنبل في حديث : {سنريهم آياتنا في الآفاق}(فصلت : 53)، قالها بالرفع، فضحك الناس، وضج المجلس فقال المستملي : اسكتوا {سنريهم آياتنا} قالها بفتح التاء، أصلح الخطأ بخطأ. والصواب {آياتنا} بكسر التاء والأعجب من ذلك، أن يعتقد اللحان أن خطأه صواب، فيقيم عليه!!

قرأ عثمان بن أبي شيبة : {واتّبِعُوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان}(البقرة : 102) فقيل له : {واتَّبَعُوا} قال : واتّبِعُوا} و”اتّبَعُوا” واحد. ولو علم أن تصحيفه هذا أحال الكلام إلى معنى سيء ما قال هذا شيء واحد. وأملى أبو داود الطيالسي في حديث : {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه}(فاطر : 10) بكسر العين. فقال له عمار المستملي : يا أبا داود إنما هو {يرفعه} فقال: هذا الوقف عليه. إن اللحن في القرآن يفسد الغرض الذي وضعت له الآية الكريمة في كتاب الله تعالى، ويدخل فيه ما لا يليق به، ويخرج منه ما هو من أصله وأساسه.

قال سالم بن قتيبة : كنت عند ابن هيبرة الأكبر، فجرى الحديث، حتى جرى ذكر العربية فقال : والله ما استوى رجلان دينهما واحد، وحسبهما واحد، ومروءتهما واحدة، أحدهما يلحن، والآخر لا يلحن، وإن أفضلهما في الدنيا والآخرة الذي لا يلحن، قلت أصلح الله الأمير، هذا أفضل في الدنيا لفضل فصاحته وعربيته، أرأيت الآخرة، ما باله فضل فيها؟ قال : إنه يقرأ كتاب الله على ما أنزله الله، وإن الذي يلحن يحمله لحنه على أن يدخل في كتاب الله ما ليس فيه، ويخرج منه ما هو فيه، قال قلت : صدق الأمير وبر(2).

وقرأ أبو عبد الرحمن مشكدانة قوله تعالى : {ويغوث ويعوق وبشرا} فقيل له إنما هي : {ولا يغوث ويعوق ونسرا} فقال هي منقوطة بثلاثة من فوق، فقيل له النقط غلط من أجل هذا النقط الخطأ أعجم(3) العلماء القرآن الكريم إعجاما لا يخرج الكتاب العزيز عن مضمونه وقصده عند تلاوته، إذ أن المصاحف العثمانية لم تكن منقوطة، لأجل بقاء الكلمة محتملة لوجوه القراءات.

وبهذا انفرجت الغمة عن أبناء الأمة، ولم نعد نسمع مثل هذه النماذج من اللحن المحيل للمعنى، والمغير للقصد.

قرأ مرة : {فلما جهزهم بجهازهم جعل السفينة في رحل أخيه” فقيل له : إنما {جعل السقاية في رحل أخيه} فقال : أنا وأخي أبو بكر لا نقرأ لعاصم.

وقرأ يوما : {فإن لم يصبها وابل فظل” والصحيح، {فطل}(الشعراء : 130)، وقرأ {الخوارج مكلبين}(البقرة : 265) والصواب : {الجوارح مكلبين}.

وعن محمد بني جرير الطبري قال : “قرأ علينا محمد بن حميد الرازي : {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يجرحوك}(المائدة : 4) والصواب : {يخرجوك}.

وأحيانا تجد الذي يلحن في قراءته يتعصب للحنه، وينتصر لخطئه، وهذا أدهى وأمر.

قرأ عثمان بن أبي شيبة قوله تعالى : {فضرب بينهم بسنور له ناب} فقال له بعض أصحابه : إنما هو {بسور له باب} فقال : أنا لا أقرأ قراءة حمزة، قراءة حمزة عندنا بدعة.

رأيت أخي الواعظ شوائب التصحيف في كتاب الله تعالى كيف تصير أفصح الكلام وأبلغه، وأجمله وأعذبه، فتجعله ركيكا غامضا، محرفا عن مواضعه، وكان حقيقا بمن يذكر بالقرآن، ويستشهد بآية على صحة كلامه، واستقامة آرائه أن يحبره تحبيراً، ويجوده تجويداً لتبقى فصاحته مرتبطة بوضوح بيانه، وسهولة استيعابه لدى المتلقي والمستمع.

 ذ. عبد الحميد صدوق

—–

1- الجمان : أي اللؤلؤ.

2- انظر الجامع لآداب الراوي للخطيب البغدادي 26/2.

3- إعجام الكتاب نقطه.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *