مركزية العقل عند الحداثيين وأثر ذلك على المنظومة التربوية


السياق التاريخي لظهور الحداثة

الحداثة لغة مصدر فعل “حَدَثَ” وتعني نقيض القديم، والحداثة أول الأمر وابتداؤه، وهي الشباب وأول العمر، وبهذا المفهوم اللغوي الجميل سطعت شمس الحداثة في عالمنا العربي المعاصر، وتوافقت مع ما يحمل عصرنا من عقد نفسية، وقلق ذاتي من القديم الموروث، ومحاولة الثورة عليه، والتخلص منه، والبحث عن كل ما هو جديد يتوافق وروح عصر التطور العلمي والمادي. فالاكتشافات العلمية التي قام بها “غاليليو” و”نيوتن” في القرن الثامن عشر أقنعت العقل الأوربي أن يرفض نظرة العصور الوسطى في الغرب للطبيعة، فعندما تعارضت الاكتشافات العلمية مع مقررات الكنيسة تخلى الناس عن الكنيسة، فلم يعودوا ـ مثلا ـ يقبلون القول بأن الأرض هي مركز الكون، كما كانت تقرر الكنيسة، فأصبح الناس حداثيين، أو مستنيرين.

وبإيحاء من قوانين نيوتن الميكانيكية، صار الحداثيون ينظرون إلى الطبيعة على أنها آلة ضخمة لا تفهم حركتها إلا بفهم القوانين الطبيعية.

وفتن الناس بالعلم! فاكتشفوا شيئا من القوانين التي تسير الكثير من الظواهر الطبيعية. فظهر بذلك صراع بين التيارين، التيار الديني والتيار الحداثي. وبالرغم من أن أكثر العلماء الطبيعيين هم نصارى، وبما أن المسيحية شريعة محرفة عششت فيها الخرافة والأساطير لقرون طويلة بفعل تأثرها بفلسفات ومعتقدات العالم القديم. بدأ يتكون لديهم شيء من القناعة أنه لم يعد هناك حاجة لـ (الإله)! أو ربما يكون قد خلق الخلق وأوكل أمر تسييره إلى تلك القوانين -تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا-.

وكانت هذه بداية التحول من الاعتقاد بالإله في العصور الوسطى الأوربية إلى الحداثة الملحدة، التي تنكر وجود الإله. ارتكاز أسس المعرفة على العقل والتجريب وأبعاده على منظومة القيم يرى الحداثيون، أن العقل وحده كاف وقادر على الوصول إلى الحقيقة. ولذلك اتخذوا عبارة ديكارت المشهورة -أنا أفكر إذن أنا موجود- شعارا لهم.

ويعتقد الحداثيون أن الناس قادرون على التفكير العقلاني المحايد وغير المتحيز. فعقولنا -على ما يراه الحداثيون- يمكنها أن تدرك وتدرس الواقع وتصل إلى نتائج موضوعية، بمعنى أنهم يعتقدون أننا قادرون على فهم الواقع حقيقة، غير متأثرين -إلى حد كبير- بتحيزنا أو سوء فهمنا أو معتقداتنا السابقة.

فالنتائج التي نتوصل إليها تعكس الحقيقة كما هي في الخارج والواقع، ليس فقط أفكارا في عقولنا إلى جانب التركيز على العقل ركزت الحداثة على المعرفة الحسية والتجريبية وأن أساس المعرفة حسي تجريبي مادي لذلك. فالنظرة الحداثية تفترض -المذهب الطبيعي- وهي الاعتقاد القائل إن كل الظواهر يمكن تفسيرها بأسباب وقوانين طبيعية.

وهذا المذهب متوافق مع المذهب الإلحادي والمذهب القائل بأن الإله تخلى عن تسيير الكون للقوانين الطبيعية، فهم يعتقدون أن ما نراه من الأشياء في هذا الكون ليس له أسباب غير مادية. ولم يؤثر هذا الافتراض فقط على نظرتهم لطبيعة الإنسان بل أيضا على فهمهم لطبيعة المعرفة الإنسانية.

فما دام الإنسان فقط كائناً مادياً حياً (بيولوجيا) فالمعرفة يجب أن تعتمد على ما تتعامل معه حواسنا المادية، وهي النظرة إلى المعرفة التي تسمي المذهب التجريبي، والتي تقول: “لا شيء يقبله العقل أو يصح في العقل ما لم يكن أولا في حواسنا، فلا طريق للمعرفة إلا من خلال الحواس: الرؤية، أو السماع أو اللمس أو التذوق أو الشم”.

فالمذهب التجريبي يرى أن المعرفة لابد أن تكون ضمن نطاق ما تتعامل معه الحواس أو تدركه. وكل ما يخرج عن نطاق الحواس المادية الخمس، كالوحي أو المعرفة الفطرية، إنما هو غير علمي، ويكون من باب الإيمان. والبحث فيها خارج عن حدود المعرفة العلمية للإنسان وقد انعكس هذا على النظم التربوية التي تأثرت بها. فصار هناك تركيز شبه كامل على العلوم والمواد المتعلقة بها. واعتمدت المناهج على التجربة العلمية. ورسخ في أذهان الطلاب أن العلم هو مستقبل البشرية وهو منقذها ويتضمن كل الحلول لمشاكلها.

وقل الاهتمام بالدين أو عدم في كثير من الأنظمة التربوية، بحجة أنه غير علمي. وظهر أثر هذه النظرة المتطرفة للعلم الطبيعي في بعض النظريات الإنسانية، مثل النظرية السلوكية التي تنظر للإنسان على أنه سلوك خارجي تتحكم فيه البيئة. وأن سلوكه محكوم بقوانين علمية ـ كقوانين ـ الطبيعة، وأنه يمكن عند اكتشاف هذه القوانين التحكم في سلوك الإنسان وتعديله. فصار يجرى على الإنسان التجارب كما تجرى على العناصر الطبيعية، وتجرى التجارب على الحيوان وتعمم نتائجها إلى درجة كبيرة على الإنسان.

فالحداثة إذن، تيار فكري عام يقوم على النظرة التشييئية والمادية للإنسان والحياة والكون. وله أثر على التربية والفن والأدب وجميع جوانب الفكر. وقد شاع في عالمنا العربي قصر هذا المذهب على الأدب ونظر إليه على أنه مذهب أدبي، مما أدى إلى ضعف مواجهة الفكر بشكل شمولي، مما جعله يتغلغل أكثر في شتى نواحي الحياة.

والحقيقة أن النظرة الحداثية مؤثرة إلى حدٍّ كبير في كثير من مجالات الحياة، فهي في مجال السياسة علمانية، وفي مجال الدين عقلانية مفرطة و”استنارة” أو إلحاد، وفي مجال الأدب تحلل من قيم المجتمع وتمرد على تقاليده وثورة عليها بما فيها اللغة. وفي مجال العلم إعلاء شأن العقل والحس واستبعاد كل أمر غيبي وعده أمرا خرافيا.

ذ عبد الواحد الوزاني

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *