منْ أوراقِ شاهِدَة – عـن سيـريـلانـكا التي  فـي القلب سـأحـكـي – تسونامي وحداد يأبى الرحيل


فجرا والعاصمة السريلانكية كولومبو تستعيد صحوها الملبد بكوابيس فجائع الأمس البعيد القريب، كانت سيارة مضيفينا من السريلانكيين تيمم بنا صوب محطة القطار في اتجاه مدينة ويليكاما (إن أسعفتني الذاكرة).

وجوه الصباح المبكر للسيريلانكيين أكثر قتامة.. نفس التعابير الموصدة والعيون الرخامية  تترصد عبورنا،غير مكثرتة للباسنا أو سحناتنا الغريبة.

الناس هنا بالوصف السطحي المتعسف  العابر، كما لو أكلوا “مخ الضبع” مصداقا لقول أمي، تراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون..

وكنا نحن وقد تزودنا بالتعبئة النبوية من خلال درس الشيخ السيريلانكي فجرا ننظر  إليهم بفضول متكتم لا يكاد يبين.. فضول ممزوج بالحزن العميق لمصابهم المزلزل الذي أفقدهم القدرة على التواشج والتواصل مع الغرباء.

من هنا مـــر تسونامي، تطالعك بصمات عبوره المأساوي في منسوب الفقر الذي تفاقم ففرخ مخلوقات تعسة أقرب إلى الجثث الآيلة في القريب العاجل إلى مصير الموت  المـتربص : شعور كابية اللون مشعثة.. أرجل حافية جدباء ناتئة

ملابس متهالكة.. وعيون منفلتة شاردة كما لو كانت مسكونة بعوالم غير تلك المشهودة.

في البداية والقطار العجوز الشبيه بقطارات الكاوبوي المفككة المقصورات لسنوات الخمسينات يمر بنا عبر المزارع والبنايات الساحلية، ونحن نعاين حجم الدمار المريع ومئات المساحات من الخضرة السائبة بلا حرث ولا أدنى عناية تذكر، أسأنا الظن نسأل الله المغفرة إذ اعتبرنا الإهمال الضارب للمراعي والضيعات، نوعا من الكسل والخمول وإيثار الدعة  لدى سكان الجزيرة،لكن الأمور تغيرت كثيرا في أذهاننا حين أخبرنا مضيفونا السريلانكيون من المسلمين عن سر الحزن الوارف في عيون السريلانكيين  الذين صادفناهم في طريقنا، فقد قتلت كارثة تسونامي زهاء 46000 ألف رجل وامرأة وطفل، إضافة إلى أكثر من 5000 مفقود، أما الدمار الهائل الذي أصاب بيوت السريلانكيين وبنياتهم التحتية، خاصة منهم سكان السواحل فحدث ولا حرج.

إنه زلزال بالمعني الكارثي، فعلى امتداد الطريق الساحلية إلى ويليكاما رأينا أكواما كالجبال من حطام البيوت والأثاث المتلف المبعثر، والمواسير والمجاري المنذلقة المصارين، وأشخاص أشبه بالأشباح، وبصيغة أخرى مجرد هياكل عظمية غائرة العيون شاخصة الأبصار، ينفرون عزلا من بقايا البيوت التي زالت من الوجود.

وأمام انشداهنا لتلك السحنات الممعنة في غربتها وتيهها قال لنا مرافقنا السريلانكي الجنسية أن الأشخاص الهائمين على وجوههم أو المتسمرين على عتبة البيوت كالأصنام، إنما هم أولئك الذين نجوا من الزحف الهائل لأمواج تسونامي وأن فيهم الذي فقد كل عائلته وفيهم من فقد “تحويشة” العمر مالا ومتاعا، وفيهم من فقد كل أبنائه، وفيهم من  النساء البئيسات من ابتلع الموج زوجها ورضيعها وبيتها.. وبالتالي ففي مجملهم لا زالوا تحت وطأة صدمة شديدة، أماتت بداخلهم الرغبة في الانخراط من جديد في أعمال الدنيا من فلاحة وبناء.. وسبحان الله العظيم قارئي في أمره، وسبحان مبدل الأحوال، وصدق أبو البقاء الرندي إذ قال :

لكل شيء إذا ما تم نقصان

فلا يغر بطيب العيش إنسان

فقد كانت هذه الجزيرة الباهرة الجمال ملتقى السواح من أقطار المعمور، المرتادين لشواطئها وجزرها الرائعة الزرقة، والفسحات الرملية الهائلة الشساعة، المغرية بالخلوات المريحة وبرياضة الغطس والسباحة، وأخذ الحمامات الشمسية على امتداد السنة، الشيء الذي أنعش سياحة الجزيرة وجعل المنتجعات والمنتزهات والمطاعم تتناسل على جنبات شواطئها بشكل مضطرد وضخم.

وسبحان الله قارئي في خضرتها العجيبة  المبثوثة  باسقة على أديم أرضها، أينما حللت أو ارتحلت، وأشجارها العملاقة وثمار فواكهها الدانية وورودها الخلابة الألوان.

وسبحان الله البديع الخلق في دفق شلالاتها الهائلة، ومياهها الوافرة أنهارا وعيونا بلا عد ولا حساب.

سبحان الله في هذا الماء المطيع لربه فهو نعمة في قرى، ونقمة في قرى أخرى وهو المحيي والمميت بإذن ربه.

قال سبحانه وتعالى : {والذي نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون}.

سبحان الله في حكمته بهذا البلد إذ أتى أمر الله وأزفت الآزفة فانقلب الماء الطهور الذي ينشر به سبحانه رحمته ويحيي به الحرث والنسل إلى سيول ساخطة ما مرت بحياة إلا جعلتها رميما وسبحان الله في الرياح اللواقح  التي انقلبت إلى ريح عقيم تقتلع البنايات الأشد صلابة من قواعدها وتذروها كورقة شجر عابرة :{ريح فيها عذاب أليم تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم}..

ولا عجب فلا يعلم جنود الله عز وجل إلا هو،وسنن المولى عز وجل في الأنفس والآفاق لا تتخلف، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى ريحا أو رعدا وبرقا تكدر وجهه واصفر،  وإذ سألته عائشة رضي الله عنها ذات يوم مستغربة أخبرها أن أقواما عذبوا بالريح وأقواما عذبوا بالمطر.

ألا يقول سبحانه {فساء مطر المنذرين}.

وأهل القرى العربية في أدبياتهم يقولون :

“نعوذ بالله من الأعميين والأيهمين” أي السيل والبعير الهائج، ووصفا بالعمى لأنهما لا يتجنبان شيئا في طريقهما.

سبحان الله عز وجل في رضاه وغضبه وهو من قبل ومن بعد  الرحمان الرحيم، فسيريلانكا الفاتنة أبت إلا أن تزيح عن قلوبنا المكلومة لمصاب إخواننا السريلانكيين بكل أطيافهم ودياناتهم، تلك القتامة وتغمسنا في انشراح روحي، والسيارة التي أقلتنا من محطة القطار تلج بنا إلى مركز ويليكاما الإسلامي، إذ طالعتنا أخيرا سحنات هادئة تشي باطمئنان وانصياع طوعي لقضاء الله وقدره رغم أن المناطق ذات الكثافة السكنية المسلمة كانت ضمن النقط الأكثر عرضة لهجمة تسونامي.

وسأطلعك قارئي في حلقة قادمة على تفاصيل مذهلة من يوميات صمود إيمان بالله عز وجل وحب عجيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللدعوة لدى إخواننا السيريلانكيين، حب جعل من كارثة تسونامي ضراء لا تستوجب لديهم إلا  الحمد والصبر.. حب وضعنا في حرج وألهب نفوسنا الخاملة للمراجعة  والمساءلة.

وآه قارئي في لجج الفتن كم نحتاج إلى العودة للذات للمراجعة في اتجاه إزالة الغشاوة عنها غشاوة المشاعر لا غشاوة المعارف، لأن الأزمة ليست أزمة علم فالكتب والأشرطة والمحاضرون والمحللون والمكونون في الدورات الباهظة التكاليف والمحققون  في المتن والسند  من عليمي اللسان الذين يتناسلون كالفطر في كل المحطات والمواقع وينقبون بكل همة حتى في النوايا الخفية للخفاء الذي لا يعلم دقيق تعبيره إلا العليم بخائنة الأعين وما تخفي الصدور لنشر غسيل البسطاء من أشباهي على الناس أجمعين، كل أولئك تجاوزوا سقف الإحتياجات المعرفية للناس، وإن صدق فينا قول المولى عز وجل الذي يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير : {وما أوتيتم من العلم إلا قليلا}.

لكن المحققين في كيمياء الأرواح والقلوب لتعليم السابلة خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمشي به في الناس لإزاحة ركام الكراهية والبغضاء والشحناء والغل والحسد والتنافس المقيت، وزراعة المحبة والتسامح والرقة أولئك هم الثلة من الأولين والقلة الغريبة من الآخرين..

وفي سريلانكا سنرى عينة من هذه القلة المباركة، رأي العين وليس من رأى كمن سمع، فابقوا معنا.

-يتبع

>ذة. فوزية حجبي

al.abira@hotmail.com

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *