رمضان كان أحلى ولكن…!!


وكل يدعي وصلا بليلى :

الناس من حيث الاستعداد لرمضان صنفان :

القنوات الفضائية، والمحطات الأرضية، والإذاعات الأثيرية  والمجلات الورقية والإلكترونية، والجمعيات الأهلية، والمؤسسات المدنية، والنوادي الثقافية، كل هذه الأنواع وغيرها على قسمين.

فأما أحدهما فيسقي شعبه سماً وعلقماً، حيث أمضى العام كله في استعدادات متواصلة، ومجهودات مضنية هدفها المكر بالمؤمنين رغبة في إبطال أعمال الصالحين من عباد الله، القابضين على الجمر في زمن الفتن، وإمعانا في تشويه عبادات المسلمين، وتفريغها من روحها التي بها توتي أكلها بإذن ربها، فتجدهم وقد تفننوا في أشكال من الأعمال المفسدة للصيام والقيام بالليل والنهار.

فمن المسلسلات الهابطة، والسكيتشات المبتذلة والأغاني الماجنة، إلى المهرجانات الماكرة والسهرات الفاضحة، والكتابات المضللة والمزورة والصور العارية… كل هذا وغيره كثير مما لا يتسع المجال لذكره ينظم بحجة الاحتفال برمضان المعظم(زعموا).

كلهم ينافس في الوصلات الإشهارية على الشاشات التلفزية، وعلى صفحات الشبكة العنكبوتية، وعلى اللوحات العملاقة، وبواسطة الأبواق المتحركة وهي تجوب الشوارع والأزقة بأصواتها المزعجة للمؤمنين والمغرية للماجنين، وعلى صفحات الجرائد والمجلات المقززة، كلهم ينادي ويصيح ولسان مقالهم يقول : “رمضان مَعِي أحلى” وأما لسان حالهم فكان وما يزال يقول : >يا باغي الشر أقبل ويا باغي الخير أقصر<.

فهل يحتفى بشهر ا لقرآن بغير القرآن؟

وكل يدعي وصلا بليلى

وليلى لا تقر لهم بذاك

وكل يدعي إحياء ليالي رمضان لكن رمضان لا يقر لهم بذلك.

فمن أراد أن يحتفل برمضان فليكن كما احتفل به من نزل عليه القرآن.

ومن أراد أن يحيى ليالي رمضان فعلى منهج من كان خلقه القرآن.

ومن أراد أن يحتفل برمضان فتأسيا بمن كان قرآنا يمشي على الأرض.

ألا فلْيَعْلُوَنَّ من تعالى

هكذا هكذا وإلا فلا لا

وبالمثال يتضح المقال :

أما الصنف الثاني فيسقي أمته لبنا سائغا، ويطعمها تمراً طرياً وعسلا صافياً، ويسمعها صوتاً بالقرآن شجياً، ويُرِيها صوراً بالدين والأخلاق بهية، ويعطرها مسكاً ندياً، كل هذا وأكثر تجلى في برامج بعض القنوات الفضائية الرسالية، متأسية بعمل السلف الصالح الذي كان يعيش السنة كلها مع رمضان يدعو في نصفها الأول بالقبول ويرجو في نصفها الثاني بلوغ رمضان القادم، فكانوا -جزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خيراً- يجتهدون ويتنافسون طوال العام لإنتاج المفيد للأمة، رغبة منهم في النهوض بها وإحياء ما أُخْفِيَ من حضارتها العظيمة {وفي ذلك فليتنافس المتنافسون}.

سقاية ورفادة :

يا من يرى عباد الله الصالحين وقد تأسوا بأهل مكة في السقاية والرفادة، في جو ليس له مثيل، ترى المساجد وقد نشط فيها قوم اختارهم الله تعالى واصطفاهم لخدمة ضيوفه في بيوته، بدءاً بالماء البارد المعد سلفاً، وانتهاء بتوزيع التمر والحليب على الصائمين قبل موعد الإفطار {وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الاعلى}.

وجمعيات أخرى حملت على عاتقها إدخال الفرحة والسرور على المحتاجين، فتراهم يوزعون الغذاء والكساء على ذوي الحاجة، اقتداء بسيد الخلق أجمعين الذي كان أجود ما يكون في رمضان.

وهيآت رسمية، وجمعيات ثقافية سهرت على تنظيم مسابقات القرآن، وسرد أحاديث النبي العدنان، وتنظيم ندوات العلم والعرفان، ومساجد تسابقت في جلب أجود القراء لإمتاع المصلين وإسماعهم خير ما أنزل إليهم من ربهم.

 وزرابي مبثوثة :

يا من يرى مسجد البركة بإمامه الحافظ المتقن، وبساحته الكبيرة وقد غصت بالمؤمنين، يا من يرى حلق المؤمنين جالسين وواقفين جماعات، جماعات بعد انتهاء صلاة التراويح كل ليلة. وقد نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة، حتى إن الكثيرين كان هذا الجو الرباني يذكرهم بجو مكة المكرمة، وقد تعودوا على مشاهدته وتتبع الصلوات المنقولة على الهواء مباشرة من المسجد الحرام، فكانوا يعيشون جو العمرة بملء السمع والبصر عبر قنوات الخير.

يا من يرى مسجد الغفران وجنباته، ويوسف بن تاشفين وإمامه، ومسجد معاذ بن جبل  وأكنافه.. والقائمة طويلة، فالزرابي مبثوثة في جنبات المساجد التي ضاقت بالمصلين في مشهد جميل تجلت فيه معاني الاحتفال بالقرآن، وبرزت فيه الأسرة المؤمنة في انسجامها حيث ترى الأب والأم والأطفال مهرولين في جو أسري رائع، يُنْبِئ بعودة راشدة إلى هذا الدين القيم إن شاء الله تعالى، تراهم وقد تأبطوا زرابيهم، وتزودوا بقنينات الماء البارد يروون به عطشهم بين تسليمة وأخرى.

يا من يرى المؤمنين وهم يتناقلون أخبار مزامير داود فكل واحد يبلغ صاحبه بأن هناك إماما من الطراز الرفيع تم اكتشافه في مسجد كذ،ا ويرغبه في الصلاة خلفه، وكأن المؤمنين قد تحولوا إلى وكالات أنباء إيمانية.

يا من يرى تناقل خبر ختم القرآن في مساجد المدينة الذي كانت تسير به الركبان وحتى على مواقع الشبكة العنكبوتية.

هذه الأجواء الربانية هي التي تجعل من رمضان أحلى : فرمضان كان أحلى ما يكون، لكن ليس مع الصنف الأول وإن قالوا إن بعض وسائل الإعلام نظمت مسابقة القرآن وأدرجنا بعض الدروس أقول : خلطوا عملا صالحاً وآخر سيئا.

لقد طغت مرارة البرامج المعروضة على حلاوة البرامج الإيمانية، ورمضان لن يكون معهم أحلى حتى تطغى حلاوة الطاعة على مرارة المعصية.

> عبد الحميد الرازي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *