دور الدين في الحياة الاجتماعية


لكل مجتمع إنساني نظام يتخذه أساسا لتنظيم الحياة الاجتماعية، وتنسيق العلاقات التي تربط أفراد هذا المجتمع بعضهم ببعض، وتربطهم بغيرهم، وهذا النظام يتنوع إلى انواع مختلفة، فمنه ما يتعلق بشؤون السياسة ونظام الحكم، ووظائف السلطات المشرعة والمنفذة، وعلاقاتها بعضها ببعض، وعلاقاتها بالأفراد، وصلة هذا النظام بدول أخرى. ومنه ما يتعلق بشؤون الاقتصاد وأوضاع المِلكية الفردية والجماعية، وأساليب التجارة الداخلية والخارجية، والروابط الاقتصادية التي تربط الحكومة والشعب، ومنه ما يتعلق بشؤون الأسرة من زواج وطلاق وقرابة وميراث ونفقة وحضانة، ومنه ما يتعلق بشؤون القضاء لرد الحقوق إلى أصحابها ومحاربة الجريمة، ومنه ما يتعلق بشؤون الأخلاق والآدب والمثل العليا، ومنه ما يتعلق بشؤون التربية والتعليم وإعداد النشء للمستقبل، ولكن لا تستقيم حياة المجتمع ولا تستقر إلا إذا توافر في هذا النظام شرطان اساسيان :

- الشرط الأول : أن يكون هذا النظام مناسبا لطبيعة المجتمع، منسجما مع ظروفه وأوضاعه، محققا لمصالحه.

- الشرط الثاني : أن يكون لهذا النظام في نفوس الأفراد قدسية وحرمة وقيمة.

إن توافر هذين الشرطين في أي نظام اجتماعي، يختلف تبعا لاختلاف المصدر الذي يُستمد منه هذا النظام، فهو إما أن يكون غير مستمد من أي دين، وإما أن يكون مستمدا من دين غير سماوي، وإما أن يكون مستمدا من تشريع سماوي ودين صحيح. فإذا كان هذا النظام غير مستمد من دين ما، ومعروفا أنه من وضع البشر، اختل فيه الشرط الثاني، فلا يكون له في نفوس الأفراد قدسية ولاحرمة ولا قيمة، لان هذه الصفات تختص بها أمور الدين والعقيدة الصحيحة.

وإذا كان هذا النظام مستمدا من معتقد غير سماوي كقوانين الديانة البوذية والهندوسية ـ مثلا ـ فقد توفر في نظامها الشرط الثاني فيحظى نظامها لدى الأفراد بالقدسية لأنه يرتبط بإيمانهم وعقائدهم، ولكن قد يختل فيه الشرط الأول.

أما إذا كان هذا النظام مستمدا من تشريع سماوي ودين صحيح، كما هو الشأن بالنسبة لديننا الإسلامي الحنيف، الذي ارتضاه الله تعالى لنا دينا، فالله سبحانه عليم بطبيعة كل مجتمع إنساني ولا يفرض عليه من الشريعة والدين إلا ما يناسب وينسجم مع أوضاعه، ويحقق مصالحه، وبذلك يتوافر فيه الشرط الأول.

والتشريع السماوي يرتبط بالإيمان والعقيدة، فيكون له في نفوس معتنقيه قدسية وحرمة وقيمة، فيتمسكون به عن رغبة ووازع داخلي فطري، ابتغاء مرضاة الله، وبذلك يتوافر فيه الشرط الثاني.

ومن هنا يظهر جليا دور الدين الصحيح ـ الإسلام ـ في شؤون المجتمع، ويتبين أنه ضرورة لا تستقيم الحياة الاجتماعية بدونه، فقد أتم الله علينا نعمته، وأكمل لنا ديننا الإسلامي الذي لم يغادر أي شيء من شؤون الحياة إلا وضع له أمثل القواعد وأيسرها وأكثرها تحقيقا لمصالح الفرد والجماعة. قال تعالى : {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا}(المائدة : 4).

ومن أعظم ثمرات الدين أنه يجعل المؤمن يستحضر مراقبة الله له، في أعماله وأقواله وخطراته، ويحاسب نفسه قبل أن يحاسبه غيره، ويلتزم صراطه المستقيم، ولا يُقدم على عمل حتى يعلم حكم الله فيه، وينشأ عند المؤمن تبعا لذلك الخوف من الله القائم على المراقبة لله، والخشية من عقابه، فترى المسلم المؤمن يسارع إلى الطاعة والمبادرة بالعمل الصالح على الدوام وفي كل الأحوال. قال عبد الله بن المبارك لرجل : راقب الله تعالى. فسأله الرجل عن معنى ذلك، فقال له : كن أبدا كأنك ترى الله، وجاء في الحديث : >الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك<(مسلم).

قال الشاعر :

إذا ما خلوتَ الدهر يوماً فلا تقل

خلوتُ ولكن قل عليَّ رقيبُ

ولا تحسبنَّ الله يغفل ساعةً

ولا أن ما تخفيه عليه يغيبُ

فما أحوج المجتمع إلى وجود هذه الفضيلة بين أفراده، لأن انعدام وازع المراقبة (الوازع الديني) عند الإنسان يجعله كالبهيمة، ولو وُجد الوازع الديني عند الإنسان لأصبح أمينا على أموال الناس وأعراضهم، خائفا أن لا يُقبل منه عمل. قال تعالى : {قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم}(الانعام : 16). فهذا الوازع يمنع الإنسان المؤمن سواء كان موظفا أو عاملا أو مدرسا أو منتخبا من أخذ الرشوة، والتقاعس عن العمل، وعن الغيبة والنميمة، والمماطلة والمحاباة، والتكبر، ويرشده هذا الوازع إلى الوفاء بالعهد وأداء الأمانة وإتقان العمل، وتحمل المسؤولية، بقلب راض ونفس مطمئنة مخلصة.

وحتى يكون الوازع الديني (الضمير بالمفهوم الحديث) عاملا مؤثرا في الإنسان يجب تجديد الإيمان بالله، والخوف منه، والطمع في رحمته، وبهذا كله يستقيم الفرد، ويحسن المعاملة مع أفراد المجتمع الذي يعيش فيه، محافظا على تماسكه، محافظا على مصالح الجماعة، ولكننا ـ مع الأسف ـ استبدلنا ذلك بنظم وقوانين أخرى وضعية استوردناها من مجتمعات تختلف عنا كل الاختلاف في أوضاعها وبيئاتها وحضارتها وتاريخها وتقاليدها وأخلاقها ومقاييسها للفضيلة والرذيلة، فاختل في هذه القوانين الشرطان كلاهما السابق ذكرهما، وهما شرط القداسة، وشرط الاتفاق مع طبيعة المجتمع، وهذا هو السبب الرئيس الذي يرجع إليه جميع ما نعانيه في حياتنا الاجتماعية والاقتصادية والقضائية والتربوية، وشؤون العقود والالتزامات والمسؤوليات من خلل واضطراب.

وفضيلة الوازع الديني نعمة من الله يمن بها على من يشاء من عباده. نسأل الله أن يهدينا الصراط المستقيم ويلهمنا الفهم الصحيح لشريعة الإسلام وتعاليمه، ويقوي فينا الوازع الديني، ويشفينا من مرض الإعجاب بالغرب ونظمه وقوانينه.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>