الإكرامات الربانية للرسول الصابر المحتسب


5) قصة المعراج :

حديث المعراج وما شاهد فيه النبي صلى الله عليه وسلم من الآيات :

قال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتهم، عن أبي سعيد الْخُدرِيّ رضي الله عنه، أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: >لما فَرَغْتُ مما كان في بيت المقدس أُتِيَ بالـمِعْرَاج، ولم أر شيئاً قطّ أحسن منه، وهو الذي يَمُدُّ إليه ميتُكم عينيه إذا حُضِرَ، فأصْعَدَني صاحبي فيه، حتى انتهى بي إلى باب من أبواب السماء يقال له باب الحَفَظَة عليه مَلَك من الملائكة يقال له إسماعيل تحت يديه اثنا عشر ألف مَلَكِ تحت يَدَي كل مَلَكٍ منهم اثنا عشر ألف مَلَك< فقال: يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حدث بهذا الحديث {وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هُوَ}(لمدثر: 31) قال: >فلما دُخِل بي قال: من هذا ياجبريل؟ قال: محمد، قال: أَوَ قَدْ بُعِثَ؟ قال: نعم، قال: فَدَعَا لي بخير وقاله<.

وقال ابن إسحاق: وحدثني بعض أهل العلم، عمن حدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: >تَلَقّتْني الملائكة حين دخلتُ السماء الدنيا، فلم يَلْقني مَلَكٌ إلا ضاحكاً مستبشراً، يقول خيراً ويدعو به، حتى لقيني ملك من الملائكة، فقال مثل ما قالوا، ودعا بمثل ما دعوا به، إلا أنه لم يضحك، ولم أر منه من البشْر مثل ما رأيت من غيره، فقلت لجبريل: ياجبريل، من هذا الملك الذي قال لي كما قالت الملائكة ولم يضحك، ولم أر منه من البِشْر مثل الذي رأيت منهم؟ قال: فقال لي جبريل: أما إنه لو كان ضَحِكَ إلى أحد كان قبلك أو كان ضاحكا إلى أحد بعدك لضحك إليك، ولكنه لا يضحك، هذا مالِكٌ خازن النار<، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: >فقلت لجبريل وهو من الله تعالى بالمكان الذي وَصَف لكم {مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ}(التكوير : 21) : ألا تأمره أن يريني النار، فقال: بلى<.

يامالك أرِ محمداً النار، قال: >فكشف عنها غطاءها فَفَارَتْ وارتفعت حتى ظننت لَتَأْخُذَنَّ ما أرى، قال: فقلت لجبريل: ياجبريل، مُرْهُ فَلْيَرُدَّها إلى مكانها، قال: فأمره، فقال لها: اخْبِي، فرجعت إلى مكانها الذي خرجت منه، فما شَبَّهْتُ رجوعها إلا وُقُوع الظل، حتى إذا دخلتْ من حيث خرجت رَدَّ عليها غِطاءها<.

آدم وأرواح بنيه :

قال أبو سعيد الْخُدرِيّ في حديثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : قال: >لما دخلت السماء الدنيا رأيت بها رجلاً جالساً تُعْرَض عليه أرواح بني آدم فيقول لبعضها إذا عرضت عليه خيراً ويُسَرُّ به، ويقول: روح طيبة خرجت من جسد طيب، ويقول لبعضها إذا عرضت عليه: أفّ، ويَعْبِسُ بوجهه، ويقول: روح خبيثة خرجت من جسد خبيث، قال: قلت: من هذا ياجبريل؟ قال: هذا أبوك آدم، تُعْرَض عليه أرواح ذُرِّيته فإذا مرت به روح المؤمن منهم سُرَّ بها وقال: روح طيبةٌ خرجت من جسدٍ طيب، وإذا مَرَّت به روح الكافر منهم أفَّفَ منها وكرهها وساءه ذلك، وقال: روح خبيثة خرجت من جسد خبيث<.

صفة أكلة أموال اليتامى ظلماً:

قال: >ثم رأيت رجالاً لهم مَشَافِرُ كمشافر الإبل، في أيديهم قِطَعٌ من نار كالأفهار يقذفونها في أفواههم فتخرج من أدبارهم، فقلت: مَن هؤلاء ياجبريل؟ قال: هؤلاء أكَلَةُ أموال اليتامى ظلماً<.

صفة أكلة الربا :

قال: >ثم رأيت رجالاً لهم بطون لم أرَ مثلها قطّ بسبيل آل فرعونَ(1) يَمُرُّونَ عليهم كالإبل الـمَهْيُومة(2) حين يُعرَضون على النار يَطَؤونهم لا يَقدِرون على أن يتحولوا من مكانهم ذلك، قال: قلت مَنْ هؤلاء ياجبريل؟ قال: هؤلاء أكَلَةُ الربا<.

صفة الزناة :

قال: >ثم رأيت رجالاً بين أيديهم لَحمٌ سمين طيبٌ إلى جنبه لحم غثٌّ مُنْتِنٌ يأكلون من الغثّ المنتن ويتركون السمين الطيب، قال: قلت: من هؤلاء ياجبريل؟ قال: هؤلاء الذين يتركون ما أحل الله لهم من النساء ويذهبون إلى ما حرَّم الله عليهم منهن<.

صفة النساء الزانيات :

قال: >ثم رأيت نساءً مُعَلَّقاتِ بِثُدْيّهِنَّ، فقلت: مَن هؤلاء ياجبريل؟ قال: هؤلاء اللاتي أدخلن على الرجال مَن ليس من أولادهم<. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: >اشْتدَّ غَضَبُ الله على امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم(3) فأكل حَرَائِبَهُمْ(4) وَاطَّلَعَ على عَوْراتِهِم<(5).

عود إلى حديث أبي سعيد رضي الله عنه :

ثم رجع إلى حديث أبي سعيد الْخُدرِيّ، قال: >ثم أصْعَدَني إلى السماء الثانية، فإذا فيها ابْنَا الخالةِ عيسى ابن مريم ويَحيَى بن زكريا.

>ثم أصعدني إلى السماء الثالثة، فإذا فيها رجل صورته كصورة القمر ليلة البدر، قال: قلت: مَن هذا ياجبريل؟ قال: هذا أخوك يوسف بن يعقوب، قال: >ثم أصعدني إلى السماء الرابعة، فإذا فيها رجل، فسألته مَن هو؟ فقال: هذا إدريس، قال: يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً}(مريم : 57).

>ثم أصعدني إلى السماء الخامسة، فإذا فيها كَهْلٌ أبيض الرأس واللحية عظيم العُثْنُونِ(6) لم أر كهلا أجملَ منه، قال: قلت: مَن هذا ياجبريل؟ قال: هذا الـمُحَبَّبُ في قومه هارون بن عِمران: >ثم أصعدني إلى السماء السادسة، فإذا فيها رجل آدَمُ طويل أقْنَى كأنه من رجال شَنُوءة، فقلت له: مَن هذا ياجبريل؟ قال: هذا أخوك موسى بن عمران.

ثم أصعدني إلى السماء السابعة، فإذا فيها كهل جالس على كرسي إلى باب البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف مَلَكٍ لا يرجعون فيه إلى يوم القيامة، لم أرَ رجلاً أشبه بصاحبكم ولا صاحبكم أشبه به منه، قال: قلت: مَن هذا ياجبريل؟ قال: هذا أبوك إبراهيم.

ثم دخل بي إلى الجنة، فرأيت فيها جارية لَعْسَاءَ(7) فسألتها لِمَن أنتِ؟ -وقد أعجبتني حين رأيتها-، فقالت: لزيد بن حارثة، فَبَشَّرَبها رسول الله صلى الله عليه وسلمزَيْد بن حارثة<.

6)  فرض الصلوات الخمس:

قال ابن إسحاق: ومن حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما بلغني أن جبريل لم يَصْعَد به إلى سماء من السَّماوات إلا قالوا له حين يَستأذن في دخولها: من هذا ياجبريل؟ فيقول: محمد صلى الله عليه وسلم، فيقولون: أوَ قَدْ بُعِثَ إليه؟ فيقول: نعم، فيقولون: حَيَّاهُ الله من أخ وصاحب، حتى انتهى به إلى السماء السابعة، ثم انتهى به إلى ربه، فَفَرَضَ عليه خمسين صلاةً كل يوم.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فَأقْبَلْتُ راجعاً، فلما مررتُ بموسى بن عمران، ونِعْمَ الصاحبُ كان لكم، سألني كَم فرضَ عليك من الصلاة؟ فقلت: خمسين صلاة كل يوم، فقال:إن الصلاة ثقيلةٌ، وإن أُمَّتُكَ ضعيفةٌ، فارجع إلى ربك فاسأله أن يخفَّفَ عنك وعن أُمَّتُك، فرجعتُ فسألت ربي أن يخفف عني وعن أمتي، فوضع عني عشراً، ثم انصرفتُ فمررتُ على موسى، فقال لي مثل ذلك، فرجعت، فسألت ربي أن يخفف عني وعن أمتي، فوضع عني عشراً، ثم انصرفت، فمررت على موسى، فقال لي مثل ذلك، فرجعت، فسألت ربي، فوضع عني عشراً، ثم رجعت، فمررت على موسى، فقال لي مثل ذلك، فرجعت، فسألته، فوضع عني عشراً، فمررت على موسى، ثم لم يزل يقول لي مثل ذلك كلما رجعت إليه، قال: فارجع فاسأل، حتى انتهيت إلى أن وضع ذلك عني إلا خَمْسَ صلوات في كل يوم وليلة، ثم رجعت إلى موسى، فقال لي مثل ذلك، فقلت:>قد راجَعتُ رَبِّي وسألته حتى اسْتَحْيَيْتُ منه، فما أنا بفاعل، فَمَنْ أدَّاهُنَّ منكم إيماناً بهن واحتساباً لَهُنَّ كان له أجر خمسين صلاةً< صلوات الله على محمد صلى الله عليه وسلم.

7- إيمان الجن به صلى الله عليه وسلم:

أرسل الله تعالى للرسول صلى الله عليه وسلم وفداً من الجن فاستمعوا إليه وآمنوا به وصدقوه،ورجعوا إلى قومهم يدعونهم لله تعالى، انظر قصة ذلك في سورتي الأحقاف والجن.

أ.ذ. المفضل الفلواتي

——————–

1- أي يجلسون في الطريق التي يمر بها آل فرعون الذين وعدهم الله سبحانه وتعالى بأشد العذاب.

2- المهيومة: المصابة بداء العطش تشرب ولا ترتوي فتنتفخ بطونها من كثرة الماء في أجوافها.

3- أي حملت من الزنى ونسبت ولدها من الزنى لزوجها وقومه.

4- أي يأكل أموالهم وخيراتهم خلال فترة تربيته وفي الميراث الذي يرثه ممن نسب إليه باطلا.

5- لأنه يطلع على أخوات وبنات الرجل الذي نسب إليه باطلا ولا يحل له.

6- عظيم العثنون: المراد أنه عظيم اللحية.

7- أي في شفتيها سمرة وهو أمر مستحب في النساء.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *