وأنذرهم يوم الآزفة


قال تعالى : {وأنذرهم يوم الازفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين، ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع، يعلم خائنة الاعين وما تخفي الصدور والله يقضي بالحق والذين تدعون من دونه لا يقضون بشيء إن الله هو السميع البصير}(غافر : 18- 19).

هل فكرت مرة في يوم الآزفة وأحواله؟ وشدائده وأهواله؟ وهل سألت عن واقع الناس فيه؟ كيف يكون المحسن وكيف يكون المسيء؟ ما خبر الفسقة والظالمين؟ كيف يحشرون؟ وماذا يقولون؟

اقرأ معي قصة مجموعة من الناس مع آية من كتاب الله فيهم الصالح والطالح، والكبير والصغير سمعوها فنفعهم الله بها، فلعلك تنتفع كما انتفعوا.

عن رجاء بن ميسور المجاشعي قال : كنا في مجلس صالح المري وهو يتكلم، فقال لفتى بين يديه : اقرأ يا فتى، فقرأ الفتى {وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين، ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع} فقطع صالح عليه القراءة وقال : كيف يكون لظالم حميم أو شفيع، والمطالِبُ له رب العالمين؟ إنك والله لو رأيت الظالمين وأهل المعاصي يُساقون في السلاسل والأنكال إلى الجحيم، حفاة عراة مسودة وجوههم، مزرقة عيونهم، ذائبة أجسادهم، ينادون : ياويلنا يا ثبورنا، ماذا نزل بنا؟ ماذا حل بنا؟ أين يُذهب بنا؟ ماذا يراد منا؟ والملائكة تسوقهم بمقامع النيران، فمرة يجرون على وجوههم ويسحبون عليها منكبين، ومرة يقادون إليها مُقرَّنين، من بين باكٍ دماً بعد انقطاع الدموع، ومن بين صارخ طائر القلب مبهوت، إنك والله لو رأيتهم على ذلك لرأيت منظرا لا يقوم له بصرُك، ولا يثبت له قلبُك، ولا تستقر لفظاعة هوله على قرارٍ قدمُك، ثم نحب وصاح : يا سوء منظراه! يا سوء منقلباه! وبكى، وبكى الناس، فقام فتى من الأزد به تأنيث، فقال : أكل هذا في القيامة يا أبا بشر؟ قال نعم والله يا ابن أخي، وما هو أكثر، لقد بلغني أنهم يصرخون في النار حتى تنقطع أصواتهم، فما يبقى منهم إلا كهيئة الأنين من المندنف، فصاح الفتى : إنا لله، واغفلتاه عن نفسي أيام الحياة! واأسفاه على تفريطي في طاعتك يا سيداه! واأسفاه على تضييعي عمري في دار الدنيا! ثم بكى، واستقبل القبلة فقال : اللهم إني أستقبلك في يو مي هذا بتوبة لا يخالطها رياء لغيرك، اللهم فاقبلني على ما كان في، واعف عما تقدم من فعلي، وأقلني عثرتي، وارحمني ومن حضرني، وتفضل علينا بجودك وكرمك، يا أرحم الراحمين، لك ألقيت معاقد الآثام من عنقي، وإليك أنَبْتُ بجميع جوارحي صادقا لذلك قلبي، فالويل لي إن لم تقبلني!

ثم غُلب فسقط مغشيا عليه، فحمل من بين القوم صريعا، فمكث صالح وإخوته يعودونه أياما، ثم مات رحمه الله وحضره خلق كثير يبكون عليه، ويدعون له، فكان صالح كثيرا مايذكره في مجلسه<(1).

لقد بلغهم نذير القيامة، فبكى من بكى، واستغاث بالله من استغاث، وتاب إلى الله من تاب، وأناب إلى سيده ومولاه من أناب.

ولقد جاء دورك، فأسرع، واطرح الشك والارتياب، وأقبل على ربك قبل أن يفجأك الموت، أو يدركك يوم الحساب، وأنب إلى الله وتب إليه، واعمل صالحا قبل أن يغلق هذا الباب، والله يعينك ويوفقك للإنابة والمتاب، ونحن معك بفضله وكرمه، إنه هو الكريم الوهاب.

—-

1- دموع الندامة ص 174- 175.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *