الإكرامات الربانية للرسول الصابر المحتسب 2/1


1) عداس يومن بالرسول ويقبّل الرجل التي أُدْميت :

فلما وضع رسول الله  في القِطف من العنب يده قال: (بسم الله)، ثم أكل، فنظر عَدَّاس في وجهه ثم قال: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد، فقال له رسول الله  : >ومن أهل أيِّ البلاد أنت يا عَدَّاس؟ وما دينك؟< قال: نصراني وأنا رجل من أهل نينوى(1)، فقال له رسول الله  : >من قرية الرجل الصالح يُونُسَ ابْنِ مَتَّى ؟< فقال عَدَّاس: وما يدريك ما يونس بن متى؟ فقال رسول الله  : >ذاكَ أخي، كان نَبِيّاً وأنا نبي< فأكبَّ عَدَّاس على رسول الله  يقبل رأسه ويديه وقدميه، فصار يقول ابنا ربيعة أحدهما لصاحبه: أما غلامك فقد أفسده عليك.

فلما جاءهما عَدَّاس قالا له: ويلك يا عَدَّاس!! ما لك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه؟ قال: ياسيدي ما في الأرض شيء خير من هذا، لقد أخبرني بأمر ما يعلمه إلا نبي، قالا له: ويحك ياعَدَّاس!! لا يَصْرِفَنَّكَ عن دينك، فإن دينك خير من دينه.

2) نزول ملك الجبال :

بعد التضرع الخاشع >اللهم إليك أشكو ضعف قوتي< على إثر انصراف الرسول  من الطائف مهموماً مكلموما، حيث لم يستفق إلا بقرن الثعالب -اسم لمكان- رفع  رأسه فإذا هو بسحابة قد أظلته، فنظر فإذا هو جبريل ، قال  >فناداني، فقال : إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردُّوا عليك، وقد بعث إليك مَلَكَ الجبال لتأمُرَه بما شئت فيهم، قال : فناداني ملك الجبال، وسلّم علي، ثم قال: يا محمد إن الله قد بعثني إليك وأنا ملك الجبال لتأمرني بأمرك، فما شِئت؟! إن شِئتَ أن أُطْبِق عليهم الأخْشَبَيْن؟! -جَبلاً مكة : أبو قُبيس وقَيْقُعان- فقال النبي  : بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، ولا يشرك به شيئا<.

وفي بعض الروايات : فقال له ملك الجبال : >أنتَ كما سماك ربك رؤوف رحيم<(2).

3) استجابة الجن للدعوة:

قال: ثم إن رسول الله  انصرف من الطائف راجعاً إلى مكة، حين يئس من خير ثقيف، حتى إذا كان بنَخْلَة(3) قام من جوف الليل يصلي، فمَرَّ به النَّفَرُ من الجن الذين ذكرهم الله تبارك وتعالى، وهم -فيما ذكر لي- سبعةُ نَفَرٍ من جن أهل نَصِيبين(4)، فاستمعوا له، فلما فرغ من صلاته وَلَّوْا إلى قومهم مُنْذرين، قد آمنوا وأجابوا إلى ما سمعوا، فقص الله خبرهم عليه  ، قال الله عز وجل: {وَإِذْ صَرَفْنَا إلَيْكَ نَفَراً من الجِنِّ يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قُضي ولَّوْا إلى قومهم منذرين قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدِّقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم، يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم وَيُجِرْكُم من عذاب أليم}(الأحقاف: 29 – 31) وقال تبارك وتعالى: {قُلْ أوحِيَ إليّ أنه استمع نَفَرٌ من الجِنِّ}(الجن: 1) إلى آخر القصة من خبرهم في هذه السورة.

4) الإسراء والمعراج :

قال ابن إسحاق : ثم أُسْرِيَ برسول الله  من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وهو بيت المقدس، من إيلياء(5)، وقد فَشَا الإسلامُ بمكة في قريش وفي القبائل كلها.

وكان من الحديث -فيما بلغني عن مَسْراه  ، عن عبد الله بن مسعود، وأبي سعيد الْخُدرِيّ، والحسن بن أبي الحسن، وابن شِهاب الزُّهْرِيّ، وقَتَادة، وغيرهم من أهل العلم، وأمّ هانئ بنت أبي طالب- ما اجتمع في هذا الحديث، كلٌّ يحدث عنه بعض ما ذكر من أمره حين أُسْرِي به  ؛ وكان من مَسْراه وما ذكر منه بَلاَءٌ وتَمْحِيصٌ وأمرٌ من أمر الله في قُدْرته وسُلطانه، فيه عبرةٌ لأولي الألباب، وهُدىً ورحمة وثَبات لمن آمن بالله وصَدَّق، وكان من أمر الله على يقين، فأسْرَى به كيف شاء وكما شاء لِيُريَهُ من آياته ما أراد، حتى عايَنَ ما عاين من أمره وسلطانه العظيم، وقدرته التي يصنع بها ما يريد.

رواية عبد الله بن مسعود لحديث الإسراء:

فكان عبد الله بن مسعود -فيما بلغني عنه- يقول: أُتِيَ رسول الله  بالبُرَاق -وهي الدابة التي كانت تحمل عليها الأنبياء قبله: تَضَعُ حافرها في مُنْتهى طَرْفِها- فَحُمِلَ عليها، ثم خرج به صاحبه يرى الآيات فيما بين السماء والأرض، حتى انتهى إلى بيت المقدس، فوجد فيه إبراهيم وموسى وعيسى في نَفَرٍ من الأنبياء قد جُمعُوا له فَصَلَّى بهم، ثم أُتِيَ بثلاث أوانٍ : إناء فيه لبن، وإناء فيه خَمْر، وإناء فيه ماء، فقال رسول الله  : >فَسَمِعْتُ قائِلاً يقولُ حين عُرِضَتْ عَليَّ : إنْ أخَذَ الـمَاءَ غَرقَ وغَرِقَتْ أُمَّتُهُ، وإنْ أخَذَ الخَمْرَ غَوَى وغَوَتْ أُمَّتُهُ، وإنْ أخذ اللَّبَنَ هُدِيَ وهُدِيَتْ أُمَّتُهُ< قال: >فَأَخَذتُ إناءَ اللَّبَنِ فَشَرِبْتُ مِنهُ، فقال لي جبريل : هُدِيت وهُدِيَتْ أُمَّتُك يامحمد<.

رواية الحسن :

وحُدِّثْتُ عن الحسن أنه قال: قال رسول الله  : >بينما أنا نائم في الحِجْرِ إذ جاءني جبريل، فَهَمَزَني بِقَدَمه فجلست، فلم أر شيئاً، فَعُدْتُ إلى مَضْجعي، فجاءني الثانية، فَهَمَزَني بِقَدَمه فجلست،  فلم أر شيئاً، فَعُدْتُ إلى مَضْجعي، فجاءني الثالثة، فَهَمَزَني بِقَدَمه، فجلست، فأخذ بعَضُدِي، فقمت معه، فخرج إلى باب المسجد، فإذا دابَّةٌ بيضاء بين البَغْلِ والحمار في فخذيه جَناحان يَحْفِزُ بهما رجليه(6) يضعُ يده في منتهى طَرْفه(7)، فحملني عليه، ثم خرج معي لا يَفُوتني ولا أفوته<.

وحُدِّثْتُ عن قَتَادة أنه قال: حُدِّثْتُ أن رسول الله  قال: >لَمَّا دَنَوْتُ منه لأركبه شَمَسَ(8)، فَوَضَعَ جبريل يده على مَعْرِفَته، ثم قال: ألا تَسْتَحي يابُرَاق مِما تصنع، فوالله يابُرَاق ما رَكِبَكَ عبدٌ لله قبلَ محمدٍ أكرمُ على الله منه، قال: فاستحيا حتى ارْفَضَّ عَرَقاً(9)، ثم قَرَّ(10) حتى رَكبْتُه<.

قال الحسن في حديثه: فمضى رسول الله  ، ومضى جبريل معه، حتى انتهى به إلى بيت المقدس، فوجد فيه إبراهيم وموسى وعيسى في نفر من الأنبياء، فأمَّهُمْ رسول الله  ، فصلَّى بهم، ثم أُتِيَ بإناءين في أحدهما خَمْر وفي الآخر لَبَنٌ، قال: فأخذ رسول الله  إناء اللبن فشرب منه، وترك إناء الخمر، قال: فقال له جبريل: هُدِيتَ لِلفِطْرَةِ وهُدِيتْ أُمَّتُك يامحمد، وحُرِّمَت عليكم الخمر.

فلما أصبح غَذا على قريش، فأخبرهم الخبر، فقال أكثَرُ الناس: هذا والله الأمْرُ (11) البَيِّنُ، والله إنَّ العِير لَتُطْردُ(12) شهراً من مكة إلى الشام مُدْبرةً وشهراً مُقْبِلةً، أفيذهب ذلك محمدٌ في ليلة واحدة ويرجع إلى مكة؟.

قال: فارتَدَّ كثير ممن كان أسلم، وذهب الناس إلى أبي بكر، فقالوا له: هل لك يا أبا بكر في صاحبك؟ يزعم أنه قد جاء هذه الليلة بيت المقدس وصلى فيه ورجع إلى مكة!! قال: فقال لهم أبو بكر: إنكم تَكْذبون عليه، فقالوا: بلى، هاهو ذاك في المسجد يُحدِّث به الناس، فقال أبو بكر: والله لئن كان قاله لقد صدق، فما يُعجِبكم من ذلك؟ فوالله إنه لَيُخْبِرُني إن الخبر ليأتيه من الله من السماء إلى الأرض في ساعة من ليل أو نهار فأصدقه، فهذا أبْعَدُ مما تعجبون منه، ثم أقبل حتى انتهى إلى رسول الله  ، فقال: يانبي الله أحَدَّثْتَ هؤلاء القوم أنك أتيت بيت المقدس هذه الليلة؟ قال: >نعم< قال: يانَبِيَّ الله فَصِفْهُ لي فإني قد جِئْتُه، قال الحسن: فقال رسول الله  : >فَرُفِع لي حتى نظرتُ إليه< فجعل رسول الله  يصفه لأبي بكر، ويقول أبو بكر: صَدَقْتَ، أشهد أنك رسول الله، كُلَّمَا وصَفَ له منه شيئاً قال: صدقت، أشهد أنك رسول الله قال: حتى انتهى، فقال رسول الله  لأبي بكر: >أنت ياأبا بكر الصِّدِّيقُ< فيومئذ سماه الصديق.

قال ابن إسحاق: قال الحسن: وأنزل الله تعالى فيمن ارتد عن إسلامه لذلك: {وَما جَعَلْنَا الرُّءْيَا التي أَرَيْنَاكَ إلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ والشَّجَرَةَ الـمَلْعُونَةَ في القُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزيدُهُمْ إلا طُغْياناً كَبيراً}(الإسراء : 60) فهذا حديث الحسن عن مَسْرَى رسول الله ، وما دخل فيه من حديث قَتَادة.

رسول الله  يصف من رأى من الأنبياء :

قال ابن إسحاق: وزعم الزُّهْرِيّ عن سعيد بن الـمُسَيِّب أن رسول الله  وصف لأصحابه إبراهيم وموسى وعيسى حين رآهم في تلك الليلة، فقال: >أما إبراهيم فلم أر رجلاً أَشْبَهَ بصاحبكم ولا صاحبكم أشبه به منه، وأمــــا موسى فــــــــرجل آدمُ طويل ضَـــرْبٌ(13) جَعْـــدٌ(14) أقْنَى(15) كأنه من رجال شَنُوءة(16)، وأما عيسى ابن مريم فرجل أحْمَرُ بين القصير والطويل سَبْطُ الشعر كثير خِيلانِ الوجه(17) كأنه خرج من دِيماسِ(18) تَخَالُ رأسه يقطر ماء وليس به ماء أشبه رجالكم به عُرْوة بن مسعود الثقفي<.

حديث أم هانئ في الإسراء:

قال محمد ابن إسحاق: وكان فيما بلغني عن أم هانئ بنت أبي طالب رضي الله عنها (واسمها هند) في مَسْرَى رسول الله  أنها كانت تقول: ما أُسْرِي برسول الله  إلا وهو في بيتي، نائم عندي تلك الليلة في بيتي، فصلى العشاء الآخرة، ثم نام ونمنا، فلما كان قبيل الفجر أهَبَّنا(19) رسول الله  ، فلما صلى الصبح وصلينا معه قال: >يا أمَّ هانئ، لقد صَلَّيتُ معكم العشاء الآخرة كما رأيت بهذا الوادي، ثم جئت بيت المقدس فصليت فيه، ثم قد صليت صلاة الغداة معكم الآن كما تَرَيْنَ< ثم قام ليخرج فأخذت بطَرَف ردائه فتكشَّفَ عن بطنه وكأنه قُبْطِيَّةٌ مَطْوِيَّةٌ(20)، فقلت له: يانَبِيّ الله، لا تحَدِّث بهذا الحديث الناسَ فيكذبوك ويؤذوك، قال: >والله لأُحَدِّثَنّهُمُوهُ< فقلت لجارية لي حبشية: ويحك!!! اتبعي محمداً رسول الله  حتى تسمعي ما يقول للناس، وما يقولون له، فلما خرج رسول الله  إلى الناس أخبرهم، فعجبوا وقالوا: ما آية ذلك يامحمد فإنا لم نسمع بمثل هذا قطّ؟.

قال: >آية ذلك أني مَرَرْتُ بعِيرِ بني فلان بوادي كذا وكذا فأنْفَرَهُمْ حِس الدابة، فَنَدَّ(21) لَهُم بعير، فدَلَلْتُهُم عليه، وأنا مُوَجِّه إلى الشام، ثم أقبلت حتى إذا كنت بضَجَنان(22) مررت بعِيرِ بني فلان فوجدت القوم نِياماً، ولهم إناء فيه ماء قد غَطّوا عليه بشيء، فكشفتُ غِطاءه وشربت ما فيه ثم غطيتُ عليه كما كان.

وآية ذلك أن عِيرَهُم الآن تُصَوِّبُ من البيضاء ثَنِيَّة التنعيم(23) يَقْدُمها جَملٌ أوْرَقُ عليه غرارتان إحداهما سوداء والأخرى برقاء<، قالت: فابْتَدَر القومُ الثَنِيَّة فلم يَلْقَهُمْ أوَّلُ من الجمل(24) كما وصف لهم،. سألوهم عن الإناء، فأخبروهم أنهم وضعوه مملوءاً ماءً ثم غَطَّوْهُ، وأنهم هَبُّوا فوجدوه مُغَطَّى كما غطوه ولم يجدوا فيه ماء، وسألوا الآخرين وهم بمكة فقالوا: صدق والله، قد أنْفَرَنا في الوادي الذي ذكره، ونَدَّ لنا بعير فسمعنا صوت رجلٍ يدعونا إليه حتى أخذناه.

————-

1- نينوى: هي الاسم الكلداني القديم لمدينة الموصل وما زالت خرائبها قائمة إلى اليوم بجانب المدينة الجديدة.

2- رواه الشيخان، واللفظ لمسلم، انظر السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة 404/1.

3- المقصود بطن نخلة وهو موضع على بعد ليلة من مكة.

4- نَصِيبين: اسم مدينة معروفة.

5- إيلياء : هو الاسم القديم للقدس الشريف وكان يُطلق عليها وعلى ما حولها معا.

6-  يحفز بهما رجليه : يدفع بهما رجليه.

7- ينقُل يده في كل خطوة إلى منتهى بصره.

8-  شمس: نفر وحرن، ويقال للدابة الحرون التي تنفر فلا تسمح لأحد أن يمتطيها دابة شموس.

9- أي حتى سال عرقه.

10- قر: هدأ واستقر في مكانه لا يتحرك.

11- الأمر : المنكر العجب من الأمور، و الأمر البين: أي الأمر المنكر الواضح والمقصود أنهم يكذبونه .

12- أي تسير مسرعة مدة شهر لتصل من مكة إلى الشام.

13- الضرب: الرقيق الجسم الخفيف اللحم.

14- أي أجعد الشعر.

15- أقنى الأنف أي أنفه مرتفع الأرنبة.

16- أي إزدشنوءة: وهي قبيلة من قبائل العرب.

17- خيلان: ج خال وهو الشامة السوداء.

18- الديماس: الحمام.

19- أهبنا: دعانا إلى أن نهب من نومنا أي أيقظنا.

20- القبطية واحدة القباطي: وهي أثواب مصرية نسبة للأقباط لأنهم كانوا هم من ينسجها أو يبيعها.

21- فندّلهم بعير : فرّ، ونفر، وهرب، فأريتهم مكانه.

22- ضجنان: اسم موضع على بعد حوالي 24 ميلا عن مكة.

23- أي تنزل قافلتهم من الموضع المسمى البيضاء إلى ثَنِيَّة التنعيم.

24- أي لم يلقوا جملا يسبق الجمل الذي وصفه لهم رسول الله  والمقصود: أنهم وجدوا الأمر كما وصفه الرسول .

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *