5- الوجود والتواجد(الأخيرة)


تحدثنا في الحلقة الماضية عن جانب من التعليل الثالث الذي سقناه دليلا على عدم الترادف بين كلمتي التواجد والوجود وعرضنا ما تيسر من دلالات صيغة (فعول)، وجانبا من دلالات (تفاعل) الذي هو المشاركة بين اثنين أو أكثر وفي هذه الحلقة نعرض بقية وظائف صيغة (تفاعل) الدلالية مع خلاصة لكل ما سبق وذلك كما يلي :

2- وقد تأتي صيغة (تفاعل) لايراد بها اشتراك اثنين أو أكثر في فعل واحد كما رأينا في أمثلة ا لحلقة الماضية : (المحجة عدد 312) وتُضبط دلالتها (أي دلالة الكلمة التي جاءت على وزن تفاعل) بضوابط أخرى غير ضابط المشاركة بين اثنين أو أكثر، وذلك مثل قوله تعالى : {تبارك الله أحسن الخالقين}(المومنون : 14)، ولاشك أن الفاعل هنا المسند  إليه فعل (تبارك) الذي جاء على وزن (تفاعل) واحد هو الله تبارك وتعالى وفي مثل هذه الحال، أي عندما يكون فاعل الكلمة التي جاءت على وزن (تفاعل) ومفرداً نحدد بإذن الله قاعدة عامة تساعدنا على محاولة ضبط الدلالة الأصوب لتلك الكلمة، وذلك بأن ننظر إلى الدلالة المعجمية لأصل الفعل المجرد، أي دلالة الكلمة قبل الزيادة، ونحتفظ بتلك الدلالة لنضيف إليها ما يمكن أن يضاف إليها بسبب الحرفين الزائدين على الأصل (التاء) في أول الفعل، والألف في وسطه ((ت) فَـ(ا) عَلَ. وهذه القاعدة هي المعتمدة بإذن الله في تحديد بقية وظائف (تفاعل) الدلالية ومنها :

أ- تفاعل (للمفرد) : للدلالة على استعظام فعل فاعل مثل قوله تعالى : {تبارك الله أحسن الخالقين}، يقول القرطبي وهو بصدد تفسير قوله تعالى : {تبارك الذي نزّل الفرقان على عبده}(الفرقان : 1).

>تبارك : اختلف في معناه، فقال الفراء هو في العربية وتقدس واحد، وهما للعظمة، وقال الزجاج : تبارك : تفاعل من البركة، قال :  ومعنى البركة : الكثرة من كل ذي خير، وقيل : تبارك عطاؤه، أي : زاد وكثر، قال الشاعر  :

تباركت لامُعْطٍ لشيء منعته

وليس لما أعطيت ياربّ مانِعُ<

(الجامع لأحكام القرآن 1/13).

هكذا نلاحظ في كل من الآية الكريمة {تبارك الذي نزل الفرقان…} وقول الشاعر : >تباركت لامعط..< استعظام فعل الفاعل بصيغة (تفاعل)، والفاعل هنا هو الله تعالى، والملاحظ أن للدلالة اللغوية المعجمية في مثل هذا الحال دوراً في تأسيس معنى الفعل الذي يأتي على وزن (تفاعل). والأصل هنا هو فعل (ب-ر-ك) وفي معنى هذا الأصل يقول ابن منظور : >برك : البركة : النّماءُ والزيادة.. وفي حديث الصلاة على النبي  : وبارك على محمد وعلى آل محمد، أي أثْبِت له وأدِمْ ما أعطيته من التشريف والكرامة، وهو من برَك البعير إذا أناخ في موضع فلزمه، وتطلق البركة أيضا على الزيادة، والأصل الأول<(ل ع 395/10- 396).

هكذا يتضح من دلالة فعل (برك) الذي يفيد الثبوت والدوام في دلالته الحسية التي هي ملازمة البعير للموضع الذي يرقد فيه، أن الدلالة المعنوية المكتسبة من زيادة التاء والألف على الأصل (برك) ليصير ((ت) بَ(ا) رَكَ) تقيد المعنى نفسه. وهذا ما يوضحه ابن منظور بقوله : >ويقال : بارك لك وفيك، وعليك، وتبارك الله، أي بارك الله؛ مثل قاتل وتقاتل…<(ل ع 396/10). لكن لما أسند الفعل (تبارك) إلى الفاعل الذي هو الله، اقتضى الاستعظام.

ولو تتبعنا بقية وظائف (تفاعل) للمفرد لوجدنا أن هذه القاعدة تتحكم فيها، وما دام المقصود من هذه الدراسة قد اتضح وهو عدم تطابق دلالة (تفاعل) و(فعول) ومن ثم عدم مطابقة معنى (تواجد) لمعنى (الوجود).

مادام هذا القصد قد حصل. فإنّنا نكتفي بعرض بعض أمثلة (تفاعل) للمفرد زيادة في الإيضاح دون تحليلها ومن ذلك : أن تفاعل للمفرد تفيد :

– حدوث الفعل شيئا فشيئا، مثل قوله تعالى : {(يتوارى) من القوم من سوء ما بشر به}(النحل : 59).

– وتفيد : الدلالة على أن الفاعل يتظاهر بحال ليس هو فيها وذلك مثل (تعامى) و(تغافل) و(تجاهل) قال الشاعر :

إذا (تخارزت) وما بي من خرز

وتفيد : الدلالة على المطاوعة مثل (ناولته فـ(تناول)…الخ والخلاصة أننا رأينا في بداية هذا العرض بأن استعمال (التواجد) بمعنى (الوجود) لا يقبله نظام اللغة العربية. وكانت الحجج التي سقناها لتصحيح هذا الخطأ ثلاثة :

أولا : غنى أصل المادة (و ج د) بدلالاته الفرعية، وقد بسطنا القول فيها في العدد 305 من هذه الجريدة، ورأينا أن تغيير شكل الكلمة بزيادة حرف أو أكثر على الأصل (و ج د) أو تغيير شكل الكلمة بتغيير حركة من حركاتها، يواكبُه تغييرٌ في المعنى. وهذا أمْرٌ لا يسمَح بتاتاً بتطابق دلالة (تواجد) لدلالة (الوجود) نظرا لما بينهما من اختلاف في الشكل أيضا.

ثانيا : اختصاص كل صيغة بانتمائها إلى مجال معين من مجالات مادة التصريف، حيث رأينا أن صيغة (فعول) تخص بالمصادر، وأن (تفاعل) مختصة بنوع من الافعال المزيدة بحرفين، واتضح من خلال تحديد مجال كل صيغة أن الخطأ فادح عند مستعملي كلمة (التواجد) بمعنى (الوجود)، وقد فصلنا القول في ذلك في عدد 306 من هذه الجريدة.

ثالثا : اختصاص كل صيغة بوظائف دلالية معينة (عدد 312) وقد اتضح أن وظائف كل صيغة على حدة لا تمت بصلة دلالية إلى وظائف الصيغة الأخرى!

هذا نموذج واحد من بين النماذج الكثيرة من الأخطاء التي تتردد على السنة الكثيرين من أبناء الأمة العربية مما يعني بجلاء أن أبناء الأمة بدأوا يفقدون حِسّ الانتماء الحضاري في جانب اللغة بكامل الأسف.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *