خير الإسلام إطعام الطعام وإفشاء السلام


عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رجلا سأل رسول الله  : >أيُّ الإسلام خيرٌ؟ قال : >تُطعم الطعام وتقرأ السلام على مَن عرفت ومن لم تعرف<(رواه البخاري ومسلم).

تـــقــديــم :

إن الله تعالى قد آخى بين المؤمنين وألّف بين قلوبهم، وجعل تآلفهم وتراحمهم سبب عزتهم ونصرتهم، ورخائهم وسعادتهم، وأمنهم وأمانهم، وسلمهم وسلامتهم واستقرارهم وطمأنينتهم.

ولقد علمنا رسول الله  كيف نجلب المحبة وننشر المودة، سواء بالقول أو العمل، ومن ذلك ما ورد في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رجلا سأل رسول الله  : >أيُّ الإسلام خيرٌ؟ قال : >تُطعم الطعام وتقرأ السلام على مَن عرفت ومن لم تعرف<.

الـمعـنـى الإجــمالـي :

خير الإسلام إطعام الطعام وإفشاء السلام.

الـمعاني الجـزئـية :

إن رسول الله  يوجهنا في هذا الحديث إلى أمرين اثنين هما :

1- إطعام الفقراء والمساكين والمحتاجين، ويعتبر ذلك شكلا من أشكال الإنفاق في سبيل الله الذي أمر به عباده المؤمنين في مثل قوله تعالى : {آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه، فــالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهـــم أجـــر كبير}(الحديد : 7).

2- إفشاء السلام بين عامة الناس وخاصتهم، وتبادل التحية بينهم، لأن القصد من السلام والغاية منه أن يحصل التعارف بين الناس، ويستأنس بعضهم ببعض، ويألف بعضهم بعضا، وتتوطد بينهم أواصر المحبة، وتتقوى روابط. المودة لذلك أعطى الرسول الكريم قضية السلام جانبا كبيراً من اهتمامه، وحضّ على تطبيقه، وحبب فيه، لِما يعلم من أثره الكبير في تفجير ينابيع الحب في النفوس، وإحكام وشائج الود والتقارب بين الأفراد والجماعات، حتى إنه جعله سبب المحبة  التي تفضي إلى الإيمان الموصل إلى الجنة، وذلك في قوله  من حديث أبي هريرة ] : >لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أَوَلاَ أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم<(رواه مسلم).

وفي صحيح مسلم كذلك من حديث أبي هريرة ] أن رسول الله  قال : >حق المسلم على المسلم سِتٌّ< قيل : ما هن يا رسول الله ؟ قال : >إذا لقيته فسلِّم عليه، وإذا دعاك فأجِبْه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا  عطس فحمد الله فشمِّتْه، وإذا مرض فعُدْه، وإذا مات فاتَّبِعْه< حيث جعل  السلام إحدى الوصايا التي وجب علينا الالتزام بها في حياتنا الاجتماعية.

وحرصا منه  على التنافس في الخير والتسابق إليه بيّن لنا مكانة من يبدأ الناس بالسلام حيث جعله أولى الناس بالله ومرضاته ونعمه وخيراته، فقال  : >إن أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام<(رواه أبو داود بإسناد جيد، والترمذي وقال حديث حسن).

مـســتــفــادات :

1- إطعام الطعام له وجوه متنوعة ومراتب مختلفة منها :

> أن تشتري ما تيسَّر لك من الطعام وتقدمه لبعض الفقراء والمساكين والمحتاجين، ومن منافع ذلك أن تسود أجواء الألفة والمودة والمحبة بين أفراد الأمة.

> أن تهيئ الطعام في بيتك، ثم تحمله إلى من يستحقه من الفقراء والمساكين والمحتاجين في بيوتهم ومقرات سكناهم، ومن منافع ذلك إلى جانب سيادة أجواء المودة والمحبة أن غيرك من أفراد أسرتك يشاركونك هذا العمل ويتقاسمون معك الأجر والثواب.

> أن تهيىء الطعام وتُعِدَّه ثم تدعوَ إليه بعض الفقراء والمساكين والمحتاجين وتستضيفهم عندك في بيتك وتجمعهم على مائدتك، ومن منافع ذلك إلى جانب ما سبق ذكره أنك بهذا الأمر تعوِّدُ نفسك وتربي أبناءك على تسخير ما عندك من متاع الدنيا في خدمة المؤمنين المستضعفين فرحاً بهم وإكراما لهم، وشكراً لله عز وجل على عطائه وفضله وإحسانه، وطاعة لأمره، ورجاء في ثوابه، وطمعا في عفوه ومغفرته، وأملا في رحمته، مصداقا لقوله تعالى : {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون}(آل عمران : 92) وقوله سبحانه : {الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المومنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم}(الأنفال : 3- 4).

2- لقد ورد الأمر بإطعام الطعام في آيات كثيرة من كتاب الله عز وجل، منها قوله تعالى : {وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه إن أنتــم إلا في ضلال مبين}(يس : 47).

وقد نفهم من هذه الآية أن إطعام الفقراء والمساكين وذوي الحاجة كان عند العرب أكثر أنواع الانفاق.

ونظراً لأهمية الإطعام وأثره في النفوس ودوره في نشر المحبة والوئام بين المسلمين فإن الشرع الحنيف يأمر به فدية وكفارة في حالات مختلفة :

> قال تعالى في كفارة الأيْمان : {لا يواخذكم الله باللغو في أيْمانكم ولكن يواخذكم بما عقّدتم الأيْمان فكفارته إطعام عشَرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة..}(المائدة : 89).

> وقال تعالى في كفارة الظهار : {والذين يظّهّرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير. فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا، فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا….}(المجادلة : 3- 4).

> وقال تعالى في فدية العجز عن الصيام : {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مساكين}(البقرة : 184).

> وقال تعالى في كفارة الصيد للحاج المحرم : {يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حُرُم، ومن قتله منكم متعمداً فجزاء مثل ما قتل من النّعم يحكم به ذوا عدل منكم هدْياً بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين..}(المائدة : 95).

> وقال تعالى للحجاج الذين يقصدون بيت الله الحرام : {فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير}(الحج : 28).

> وقال تعالى في سنة أضحية العيد : {والبُدْن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير، فاذكروا اسم الله عليها صوافّ فإذا وجبت جُنُوبُها فكلوا منها وأطعموا القانع والمُعْتَر}(الحج : 36).

3- إطعام الطعام يرقى بالمؤمن إلى درجة الأبرار الذين وصفهم الله تعالى بقوله عز وجل : {إنّ الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافوراً، عينا يشرب بها عباد الله يُفجرونها تفجيراً، يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا، ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيراً إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا}(الإنسان : 5- 9).

4- إطعام الطعام والحض عليه سبب من أسباب النجاة من النار وعذاب جهنم، قال تعالى : {أرايت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين}(الماعون : 1- 3)، وقال تعالى : {كل نفس بما كسبَتْ رهينة إلا أصحاب اليمين في جنات يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين..}(المدثر : 38- 45) وقال تعالى : {خذوه فغُلُّوه ثم الجحيم صلُّوه ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعاً فاسلكوه، إنه كان لا يومن بالله العظيم ولا يحض على طعام المسكين..}(الحاقة : 30- 34).

5- يعتبر إفشاء السلام من الآداب الإسلامية الأصيلة، فقد أمر به رب العزة سبحانه في كتابه العزيز، ونظم قواعده رسول الله  في أحاديث كثيرة أفردها المحدثون بباب مستقل سموه (كتاب السلام) أو (باب السلام).

فقد أمر الله تعالى المؤمنين بالسلام في محكم كتابه حيث قال : {يا أيها الذين آمنوا لاتدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها}(النور : 27).

كما أمر بِرَدِّ التحية، وذلك بتحية أحسن منها أو بمثلها، ومن ثم كان واجب على كل من سمع تحية أن يردها ولا يتجاهلها أو يتهاون في ردها، قال تعالى : {وإذا حُييتم بتحية فحيُّوا بأحسن منها أو ردوها}(النور : 61).

فتبادل التحية والسلام له فضل عظيم وأثر كريم، ومن فوائده إشاعة روح المحبة والتعاون والإخاء بين المسلمين، حيث تتآلف القلوب وتتصافى النفوس وتتسامى الأرواح، فكم جُلِبَ من خير ودُفِع من شر بسبب تبادل التحية وإفشاء السلام وكم من أشخاص تسامحوا وتصافحوا فكانت التحية والسلام دليلا على الوئام.

والمسلم إذا قابل أخاه وتعود أن يلقي السلام عليه ويصافحه فإنه مهما كان بينهما من شقاق وخصام فإن السلام يدرأ عنهم الخلاف والخصام والشقاق، ويحدث بينهم الوفاق.

6- ورد في كيفية السلام صيغة واحدة يحسن بالمسلم أن يلتزم بها وهي أن يقول المسلِّم (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته) فيأتي بضمير الجمع وإن كان المسلَّم عليه واحداً، ويقول المجيب (وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته) ويأتي بواو العطف في قوله (وعليكم)، وهذه الصيغة هي تحية الإسلام التي اصطفاها الله تعالى لخلقه منذ خلق آدم وأمره أن يحيِّيَ بها الملائكة، وأراد لذريته على مدى العصور واختلاف الأمصار أن تتمسك بها لما تحمل من معنى السلام الذي هو أحب شيء للإنسان في كل زمان ومكان. وهي الصيغة التي التزم بها جبريل عليه السلام كما بينه الحديث المتفق عليه، عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال لي رسول الله  : >هذا جبريل يقرأ عليك السلام< قالت : قلت : وعليه السلام ورحمة الله وبركاته<.

7- يُستحب السلام عند دخول البيت مصداقا لقوله تعالى : {فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحيــة من عند الله مباركة طيبة}(النور : 61).

وعن أنس ] قال : قال لي رسول الله  : >يا بني إذا دخلت على أهلك فسلِّم يَكُنْ بركةً عليك وعلى أهل بيتك<.

8- كما يكون السلام عند بداية اللقاء، أو الدخول إلى المجلس، يكون كذلك عند نهاية اللقاء، أو حين القيام من المجلس، وفي ذلك يقول رسول الله  : >إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فلْيُسَلِّم، فإذا أراد أن يقوم فلْيُسَلِّم، فليْسَتِ الأُولَى بأحقَّ من الآخرة<(رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن).

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *