منهج القرآن في التربية على شروط النهوض الحضاري


د. محمد ناصري – أستاذ بدار الحديث الحسنية –

المبحث   الثالث  : منهج القرآن في التربية على الاستجابة الطوعية لأحكام النظام

لقد قدمنا أهمية النظام في النهوض الحضاري، وبينا المقصود منه، وأن غيابه هو الفساد بعينه، وأنه لا يقوم إلا بتحقيق أمور مطلوبة واجتناب أمور ممنوعة.

وكل مصلح يريد أن يسهم في النهضة الحضارية إنما يسعى إلى تحقيق النظام بالعمل على تحجيم الفساد، وتحقيق أكبر قدر من الصلاح، ولا سبيل له إلى ذلك إلا بتعريف المخاطَبين بما يُفْسِد وما يُصْلِح، وأي غافل لهذه القاعدة سيظل سعيه بورا، لأن السعي سوف يكون بدون هدف وهو محال.

وما لم يستجب المخاطبون طواعية من غير إكراه فان العمل أيضا معرض للفتور وربما التراجع. ومن ثم لا يتحقق نظام ولا نهوض حضاري.

ومادام الأمر بهذه الخطورة فإن الحاجة ماسَّةٌ إلى ما يكفل الثبات على هذه الاستجابة لما قد يتطلبه الأمر من وقت قد يطول كثيرا. حتّى يحصل التأثير الطبيعي إذ لا خلاف في تبادل التأثير بين الطباع والأحاسيس، الذي يصير معه حال أفرادٍ نمط حياةٍ لجماعة ، والأمر هنا ليس بالعدد ولكن بالصفة، فكم من واحد تأثرتْ به جماعات، وكم من جماعة لم تؤثر في واحد.

ولقد وجه القرآن لهذه المسألة عناية المسلمين بالأمثال والسنن فمن ذلك  قوله تعالى: {ألَمْ تَرَ كَيف ضرب الله مثلاً كلمةً طيبةً كشجرةٍ طيِّبَة أصْلُها ثابِتٌ وفَرْعُها في السَّمَاء، تُؤتي أُكْلَها كل حين بإذْن ربِّها، ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون.  ومثلُ كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتُثَّت من فوق الأرض مالها من قرار}(إبراهيم : 24- 26).

وقصة قارون حيث تمنَّى من رآه أن يكون مثْلَه قبل أن يعلم حاله.

وقال  :>مثَلُ الجليس الصالح وجليس السوء كبائع المسك ونافخ الكير…<(1).

وهذه كلها أدلة على صفة القدرة على التأثير.

وهكذا فإن الاستجابة الطوعية شرطٌ لازمٌ لتحقيق الإصلاح، لأن حظوظ النفس دائمة المنازعة، فلابد من وسائل لمقاومة نزعات النفس والتدافع القائم بسبب التأثير المتبادل بين الطباع والإكراه المعنوي المسلط على الفئة المستهدفة، إذ كُلٌّ من المتدافعَيْن يسلط على الآخر إكراها معنويا بما يراه صحيحا، سواء أكان ذلك صحيحا في نفسه أو إغراء واستدراجا. وهذا التدافع أشار إليه ربنا في صور منها: {ولولا دفاعُ الله الناس بعضهم ببعضٍ لفسَدَت الأرض}(البقرة : 249) وقال تعالى: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًّا شياطين الإنس والجن}(الأنعام : 112).

ولما كان الأمر هكذا، والصلاح مطلوبا والإصلاح واجبا فقد جاء القرآن بما يحقق التحلية بالصلاح والتخلية من الفساد، معتبرا كل هذه الموانع، متحديا لها، بمنهج واضح لخصه سبحانه في قضيتين:

أولاهما العلم،

وثانيهما الخشية؛

قال تعالى لموسى وهارون: {اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينًا لعله يتذكَّرُ أو يخشى}(طه : 44).

فطلب منهما إحداثَ واحدة من الغايتين: إما التذكير وهو العلم، وإما الخشية، وهو الخوف من الله وتقواه.

وقال تعالى : {وكَذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرَّفْنا فيه من الوعيد لعلهم يتَّقُون أو يُحْدِث لهم ذكرا}(طه : 113) وهكذا تتلخص معالم هذا المنهج في:

> أولا: وجود الفئة الوارثة علم النبوة :

وهي لم تكتسب هذه الصفة وحيا أوحي إليها، أو سلعة اشترتها، أو ملكا ورثته، بل كُلُّ الناس في تحصيل واكتساب ما اتصفتوا به وبوأهم ذلك المقام سواءٌ. وقد تقدم الحديث عن أهم صفاتها، وكيفية تحصيل أوصافها.

> ثانيا : تحقيق العلم بهذه الأوصاف والأحكام :

ويشمل ذلك معرفة أعيان الأحكام وأثرها الدنيوي والأخروي وحتى أهل القانون يقولون بأنه لا يحمي المغفلين.

وهذا العلم بهذه الصفات والأحكام يحصُل بعرضها مؤصلةً، وقد يبدو الأمر مستشكلا إذ هذه الطريقة تخص فئة المجتهد أو طالب علم ذلك على سبيل التفقُّه، وجوابه أن تحقيق العلم يكون لكل الناس على اختلاف قدراتهم العقلية، ومراحلهم العمرية، إذا علمنا أن العلم بالشيء يحصُل بطرق متعددة:

فمنها ما يرجع إلى المصدر أي المشرع والواضع فكَوْن الأمر من الله تعالى أو من رسوله  لدى المسلم هو  كاف لأن يُتقبَّل ويمتثل له ويحصل له العلم الداعي للعمل.

ومنها ما يصير أثره الحسن معلوما ضرورة بالحس والمشاهدة لصيرورته عُرْفًا وعادة مؤثرة، وذلك كله لما علم واقعا نفعه للأفراد والجماعة، كصفة الصدق، إذا بلغت للشخص أنَّها سبيلٌ للجنة، وسبيل لتحقيق ما يرجع إلى حظوظ النفس من نفع عاجل وأمن بين الناس؛ وأن الاتصاف بخلافها سبيل للنار. وهذا العلم مما يرغب في العمل بها.

والسرقة إذا أُخبر المرء بأن الله تعالى حرمها وأن حدها شرعا كذا وكذا وأنها سبيل إلى النار، وسبب للترويع والفوضى حصل العلم بضرورة تجنبها.

والعلم في مثل هذا درجات متفاوتة، إذ كلما كثر تردادُُّ هذا على الألسن والمسامع، ووجد العدد من الناس الذين يشتركون في اعتقاد هذا، كلما تحقق العلمُ الذي يكُف عن ارتكاب هذا الممنوع، ويحمل أداء هذا الواجب، وهكذا سائر الصفات الحسنة المطلوبة والصفات السيئة الممنوعة.

> ثالثا: دوام التذكير والوعظ :

إن هذا العلم الذي سبق الحديث عنه قد يطرأ عليه ما يكون مانعا من امتثال مقتضياته، منها الهوى أو إغراء أو فتور، أو غفلة ونسيان، فيحتاج الأمر حينها إلى التذكير والوعظ، والأمر هنا من أجل إحداث الخشية المطلوبة، لأنه لولاها لن يكون امتثال طوعيٌّ. وأهم عناصر التذكير والوعظ :

– التهوين من أمر الدنيا المبنية على الحرام.

– تعظيم شأن الآخرة وما فيها من حساب وما يترتب على ذلك من جزاء.

ولقد ذكرت الآخرة في القرآن بنفس العدد الذي ذكرت به الدنيا حوالي 136 مرة إيذانا بضرورة دوام التذكير.

وذكر الله والآخرة في القرآن تكرر في سياق الترهيب والترغيب مع كل الأحكام التي يتشكل منها النظام إيذانا بضرورة استحضارهما في حياة الإنسان اليومية لتحقيق أكبر نسبة للاستجابة الطوعية، التي بها يكون النظام متحققا.

وإن الذي يجمع هذا ويجعله مختلطا بالدم هو حِفْظ القرآن الذي هو أصل العلوم حفظا مقترنا بروح النبوة التي تنتقل مع معلميه، فإن النفس تبقى منتعشة ما بقي القرآن يتلى منها، ولقد جعل الله تعالى تلاوته عبادة، وإنما ذلك لآثاره التي دل عليها في كتابه العزيز، وأيُّما إغفال عن هذه الأمور فلا امتثال لقانون ولا إصلاحَ لأحوال.

وأيضا تحفيظ الأحكام الشرعية وتلقينها للناشئة بالأسلوب الذي يفيد العلم واليقين على نحو ما أشرت إليه، لأن النظام لايختل عادة إلا بتمرُّد هذه الفئة عليه، لفراغها من معاني النظام، وهشاشة بنيتها الفكرية الضابطة للنزوات. وقد رأينا مع لقمان الحكيم عليه السلام هذا المنهج الحكيم، فلنعتبر.

وقد عُلم بالحس والمشاهدة وعادة الناس أن المحفوظ يكون له تأثير قلّ أو كثر، فلنتصور  كيف سيكون التأثير إذا كان القرآن محفوظا علما وعملا.

وواقع العالم لدى أعرق المجتمعات في التربية على القانون خير دليل، فقد فشلت معها كل أساليب التربية، لعدم وجود المحفز الداخلي. والتهاون في التلقين بسبب موقفهم من المسلمات والمطلقات، فصار كل شيء نسبيا غير ثابت فلم يجد القرارَ في النفس، ولا اطمأنت إليه، فخلطوا بين ما لا يصلح فيه إلا التلقينُ والحفظُ، ومالا يصلح فيه ذلك، وهو ما يكفي فيه الفهم، وإن كنت أرى أن أصل العلوم كلّ العلوم لابد فيه من قدر من الحفظ.

والله أعلم والحمد لله رب العالمين.

1- أخرجه البخاري كتاب البيوع باب في العطار وبيع المسك.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *