رسالة إلى من يتهم الإسلام بالبربرية :


هل الإسلامُ -الذي ينفي الإيمانَ عمَّن باتَ شَبْعان وجـارُه جـائع- برْبَرِيٌّ؟!
وهـلْ المسْلمون الـذِين يـدْعُـون إلـى هـذا الديـن بـرابِرة؟!

جاء هذا الاتهام للإسلام والمسلمين في معْرَض مناقشةِ إفْلاس النظام الاقتصادي الرأسماليّ إفلاساً تامّاً على إحدى الشاشات الفضائية، في معرض البحث الجادِّ عن طرُق تصحيحه -إن كان بقي فيه ما يقبل التصحيح-، وإلا فينبغي دفْنُه وإهالة التراب عليه، غير مأسوفٍ عليه.

لكن السؤال كان : >ماهُو البَديل؟!< في البحث عن البديل كان التّناطُحُ والتشاحُن، إلا أن التجاذُب كاد ينحصِر في أن سبَبَ الإفلاس هو غياب مراقبة الدّولة للأسواق المالية، حيث فوّضت الأمْر في ذلك للأفراد والشركات بناءً على مقولة المنظِّر الأكبر للرأسمالية، >دَعْهُ يعْمَلْ، دَعْهُ يَمُرّ< أي لا تسْألْه من أين يَكْسَب؟! وكيف يكسب؟! ولا تسأله من أين ينفق؟! وكيف ينفق؟! ولا حقّ للدولة -أيضا- في مساءلته عن ثروته؟! أو تحْديد سَقْف هذه الثروة؟! ولو بلغتْ مقدارَ ما يمكن أن يُسْتعبَدَ بها شعْبٌ بأرضه وسمائه وناسه؟! فالمُهِمُّ أن يعيش قارُون هنيئا منعّماً، وسيداً مطاعاً ولو جاَعَتْ ملايين الأفواه، أو أُزْهِقَت ملايين الأرواح، أو شُرِّدَت ملايين المهجَّرين؟! أو استُعْمِرت شعوبٌ ونُهِبتْ خيراتُها وثرواتُها نهباً فظيعاً؟!

وكم وقَعَ الترحُّمُ على ماركس وكيْلُ المديح لهُ بما لم يحْلُم به في حياته؟! فما بالُك بالحصول علىه بعد مماته، وهو الذي تناوشتْهُ الحِرابُ منذ نادى بفكرة وجُوبِ تدخُّل الدولة في المال مكسباً وتوزيعاً، وتأميماً ومراقبةً صارمةً حتى يكون المال في خدِمة المجتمع، وليس في خدمة الأفراد الذين لا حدَّ لجَشَعِهم وشرَهِهِم وأطماعهم المعوجة غالبا، والظالمة غالبا.

وعلى الرغم من أن نظرية الإسلام في الإقتصاد لمْ تُطْرحْ في النقاش كبَديلٍ يُمْكن أن ينقِذَ البشرية في الغد المأمُول، لأن أصحابَها لم يحضُروا، أو لم يُرغَبْ في حُضُورِهم أو تحْضِيرهم، -ربّما للرّقابة الإعلاميَّة المفرُوضة، وربما للهيمنة العولميّة- المُتجاهِلة -قصداً- للإسلام، في كل شؤون الحياة سِياسةً، واقتصاداً، واجتماعاً، وحُكْما، وقيادةً، وتخطيطاً، وعلما، وسفينة إنْقاذٍ للغارقين.

إلاّ أن التجاذُبَ عندما بقي محصوراً بيْن المتحمس لصلاحيّة الرأسمالية صلاحيّةً مطلقة بعد إفساح المجالِ لتدخُّل الدولة لتُرَمِّمَ ما فَسَدَ منها، وبيْن الحاكم عليها بالفساد المطلق، لأن أصْلَ فكرتها فاسِدٌ من الأساسِ، لأنها أصْلاً أُسِّسَتْ لجعْل طبقةٍ من المرَابين والمُحْتكرين -وهم طبقةٌ قليلةٌ- يتحكّّمُون في رقاب شعوب العالم، وثرواتِ العالم، سلماً وحرْباً، واحتكاراً للقرار، والعِلْم، والتكنولوجيا، والسّلاح، والقوّة الرادعة، لحماية مصَالحها فقط.

عندما بقي التجاذُب محصوراً بين هذه الأفكار، كأن المدافعَ عن الرأسمالية شعر بشيء من الإحباط، وأن الحوار يكادُ يُفْضي إلى البَحْث عن طريق ثالث، فخاف أن يُطرحَ البديلُ الإسلاميُّ، فسارع -بدون مقدمات- إلى سَدِّ هذا الباب قبل أن يُفْتح، فخوّف منه، قبل أن يخوِّفَه أحدٌ منه. حيث قال -بكل ما في نفسه من مخزُون عدائي حاقد- >الخَوْف من البرْبَرية الإسلاموِيّة والقوْموِيّة< هكذا بهذه النسبة القدْحيّة المُتعارَف عليها بين أمثال هؤلاء القوم.

فالبريريّة عنده لا يقصد بها الجنسَ البربريّ الذي عُرفتْ له حضَارةٌ غيْرُ منكورَةٍ في التّاريخ، ولكنهُ يقصد بها كُلّ معاني الوحشيّة والهمجيّة، وطبعاً هذا البربريُّ المتبربر لا يُمْكن أن يُلامَ على سفاهته، لأنه ارتَضَع البربريّة -بمعناها الذي يقصد- من معْدنها وحُقّ له أن يصف الإسلام بالبربرية، لأن المغروسَ في الأرض لا يُمكن أن يُطاوِل السماء، فمن أيْن له أن يعرف أن المُلْك لله، وأن المَال مالُ الله، وأن الإنسانَ مجرّدُ مسْتخلَفٍ فيه، ومِن واجب المستخلَف ألاّ يقْرَبَ مالَ الله إلا بإذنه كسْباً وإنفاقاً، ومِن حقِّ المُسْتخْلِف أن يحاسِب من استخْلَفَه في مُلْكِه ومالِه، هكذا قال ربّ المُلك، وربّ المال، وربّ الدّنيا {آمَنوا باللّه ورسُولِه وأنْفِقُوا ممّا جعَلَكم مُسْتخلفين فيه فالذِين آمَنُوا مِنْكم وأنْفَقُوا لَهُم أجْرٌ كَبِير}(الحديد : 7) وقال في العناية بالمستضعفين والعبيد والجواري : {وآتُوهُم من مَالَ اللّه الذِي آتاكُم}(النور : 33) وقال في تِبْيَان أن الإنسان -في الحقيقة- لا يملك شيئاً {ومَا لَكُم ألاّ تُنْفِقُوا في سبيل اللّه وللّهِ مِيراثُ السّماوات والأرْض}(الحديد : 10).

هذا التقرير الرباني هو الحقيقة الكبرى التي لا يعرفها المتَبربِرون الجدد، وهي أن الملك لله، ولا حَقّ لأحدٍ أن يتصرّف فيه بدون إذْنه، وإلا سحَقَهُ الله سحْقاً، وقَصَمَ ظهره قصْماً:، كما قصم ظهْر الرأسماليين، ومن قبلهم قصَم ظهْر الشُّيُّوعيين فـ>دَعْه يعمل، دعْه يمُرّ< يمكن أن تكون لها مصداقية لو أن الإنسان خلَق نفسه بنفسه، وخلق رزْقه ومُلْكه لنفْسه، وكتبَ لنفْسه الدّوام والخلود، أما مادام مخلوقاً مملوكاً مقهُوراً فإما أن يسْتقيم أو يُُسْحَق،.

أمّا الحقيقةُ الكُبْرى الثانية فهي أن الدّورة الماليّة لا تدورُ دوْرةً عادِلةً إلا إذا وزّعت توزيعا عادلاً على الأغنياء والفقراء والمساكين والعجزة واليتامى والأرامل بدون مَنٍّ ولا استئثار، ولا تسلُّط ولا انتهاب، بل بأريحيّة وشرف وتآخٍ وإيثار، فالإسلام لا يعرف الجَشَع والاستئثار، ولا يعرف التكديسَ والاحْتكار، لا ستعباد الأحرار، كلُّ هذا، وأكثر من هذا تضمَّنَه قول الله تعالى في بعض آية واحدة معجزة، هي {مَا أفَاءَ اللّه على رسُولِه مِن أهْلِ القُرَى فلِلّهِ وللرّسُول ولِذِي القُربَى واليَتاَمى والمساكِين وابْنِ السّبِيل كيْ لا يُكُون دولةً بيْن الأغنِياءِ مِنْكُم}(الحشر : 7) نصف آية مثّلَتْ أعْظَم دستور اقتصاديّ للمسلمين، طبَّقُوه يوْم كانوا صادقين فسعِدوا وأسْعَدُوا الحضارة به، وعندما انْجَرُّوا وراء عُباد المادة شقُوا وأشْقَوْا.

وتأسيساً على هذه القاعدة الدستورية، نستنتج ما يلي :

> كان مُنعدم الإيمان من بات شبعانَ وجارُه جوعانُ وهو يعلم.

> وكان المجتمع مسؤولا مسؤولية جنائية إذا أصْبح فيهم امرؤ جائعاً >أيُّما أهْل عرْصةٍ أصْبح فِيهِم امرُوٌ جائعاً فقَدْ برِئتْ منهُم ذِمَّةُ اللّه ورسُوله<.

> وكان الإنسان مسؤولا عن ماله من أين اكتسبَه؟! وفِيم أنفقه؟!

> وكان سحْبُ الشّرعية عن كل مالٍ مغصُوب أو مسروق، أو اكتُسب عن طريق التطفيف أو الغش أو الرشوة، أو الربا، أو المتاجرة في المحرّم من الخمور والحشيش والخنازير أو الأعراض. فلا تجوز ا لصلاة في الثياب المغصوبة، ولا يقبل دُعاءٌ من غُذّى بالحرام، ولا يُقْبل حجٌّ بمال حرام، ولا تُقْبل صدقةٌ من مال حرام….

> وكان عقابُ الآخرة أشدّ وأنْكى، انظر إلى عقاب الرأسماليين القدماء {ويْلٌ لكلّ هُمَزةٍ لمُزة الذِي جمع مالاً وعدّده يحْسِبُ أنّ ماله أخْلدَهُ كلاّ ليُنْبَذَنّ في الحُطَمة وما أدْراك ما الحُطمة نارُ اللّه المُوقدة التي تطّلِع على الأفْئدة إنّها عليْهم موصدَة في عَمَد ٍممدّدة}(سورة الهمزة).

وهذا الرأسمالي أبو لهب قال فيه تعالى {ما أغْنَى عنْهُ مالُه وما كَسَب سَيَصْلى ناراً ذات لهَب}.

وهذا الرأسمالي قارون قال فيه تعالى {فخَسَفْنا به وبدَارِه الأرض}(القصص : 81).

وهذا الرأسمالي صاحبُ الجنتين لم يشْكُر الله فقال تعالى فيه {وأحِيط بثُمره فأصْبح يُقلّب كفّيه على ما أنْفقَ فِيها وهيَ خاوِية على عرُوشِها ويقُول يا ليْتَنِي لمْ أُشْرك برَبِّي أحداً}(الكهف : 11).

وهذا واحد من الرأسماليين يقول يوم يعرف الحقائق : {ما أغْنَي عنِّي مالِيَة هلَكَ عَنِّي سُلْطانية}(الحاقة : 28).

> وكان فرضُ الزكوات، وتشريع الصدقات، والكفارات حتى لا يبقى محتاجٌ أو محروم.

> وكان تشديدُ الرقابة على المال الخاص والعام {ولا توتُوا السُّفَهاء أمْوالَكم التِي جَعل اللّه لكُم قِيماً}(النساء : 5) والسفيه هو الذي لا يعرف كيف يكسب المال من الحلال وينفقه في الحلال سواء كان صغيراً أو كبيراً، وزيراً أو أجيراً.

> وكان إمْهَال المدين المُعْسِر إلى حين الميْسُرة، فإذا عجز تُصُدِّق عليه بذلك الدّين وذلك خيرٌ، أو أُدِّي ديْنُه من صندوق الزكاة، بدون أن يتعرض لمصادرة الضروريات من حاجته.

أما إذا كان موسراً وأراد أن يتلاعب بأموال الناس فالمصادرة والمعاقبة {وإن كانَ ذُو عُسْرةٍ فنِظِرةٌ  إلى ميْسُرة وأن تصّدّقُوا خيرٌ لكُم إن كنْتُم تعْلَمُون}(البقرة : 279).

هذا غَيْضٌ من فَيْضٍ من النظرة الإسلامية للاقتصاد الاسلاميِّ الكفيل بإسعاد البشرية لو وجَدَ الأمة المسلمَة حقّاً فبَلْورتْهُ فِكْراً وعَمَلاً وخُلُقاً ومقصداً ومنهجاً واضحاً في السياسة الاقتصادية الوسطية التي لا تميل لا ذاتَ اليمين ولا ذَات اليسار.

أفمن عنده هذا الدّين يُعتبر بربرياَ؟! وأمَنْ يدعو إلى إنْقاذ الإنسانية من جحيم الشقاء والعبودية المغلّفة زوراً بالحقوق الإنسانية، والنُظم الديمقراطية، يعتبر بربريّاً؟!

العيبُ ليس على من وصف المسلمين بالبربريّة، ولكن العَيْبَ على من انجرَّ وراء البرابرة حقا، فصدق عليهم قول الله تعالى : {إنّا أطَعْنا سَادَتَنا وكُبَرَاءَنا فأضَلُّونا السّبِيلا}(الأحزاب : 67).

فالبربرية بمعناها الجنسي أشْرَفُ وأنْبَلُ، أما البربرية بمعناها الهمجي فمن معدنهم نبتَتْ، وفي بلادِهم جرّبَتْ.

ولكن المثل العربي يقول >رَمَتْنِي بِدَائِها وانْسَلَّتْ<.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *