الرسالة الثامنة : ذهاب الخشوع من صلاة الناس


أيها الأحبة!

إن المصلي حقاً من يقيم الصلاة كاملة الفرائض والأركان، مستوفية الشروط والواجبات والآداب، يستغرق فيها القلب، ويتفاعل من خلالها الوجدان، ويحافظ عليها محافظةً تامةً قدر الطاقة، يبعثه على ذلك قلبٌ يقظ، وشعور صادق، وإحساس مرهف، وضمير حي، فينصرف بكليته إلى الصلاة؛ لأن الخشوع فيها إنما يحصُل لمن فرَّغ قلبه لها، واشتغل بها عما عداها، وآثرها على غيرها، ومنزلة الخشوع من الصلاة كمنزلة الرأس من الجسد، فالذي يجعل الصلاة مرتعاً للتفكير في أمور دنياه، ومحلاً للهواجس في مشاغله.. قلبه في كل واد، وهمه في كل مكان، يختلس الشيطان من صلاته بكثرة التفاته، وعبثه بملابسه ويده ورجله وجوارحه، وربما أخل بطمأنينيتها، ولم يعِ ما قرأ فيها، فيُخْشى أن ترد عليه صلاته، فقد ورد عند الطبراني وغيره أن صلاةَ مَن هذه حالُه: >تُلَفُّ كما يُلَفُّ الثوبُ الخلِق، ثم يُرْمَى بها وجه صاحبها< والعياذ بالله..

إنه لما طال بالناس الأمد، وقست قلوبهم، وأساءوا فهم شعائر الإسلام، أصبَحْتَ ترى مَن يخل ببعض شروط الصلاة وأركانها وواجباتها، فلم تعمل الصلاة عمَلَها في قلوب الناس، ولم تؤثر في حياتهم، فهل مَن يؤديها ولكن لا تنهاه عن الفحشاء والمنكر، ولا تمنعه مما يخدش العقيدة أو يخالف السنة أو يناقض مبادئ الإسلام، ولا تمنعه من تعاطي الربا، واقتراف الزنا، والرشوة، والغش، وشرب المسكرات، وتعاطي المخدرات، والتساهل في حقوق العباد، والوقيعة في أعراضهم، وما إلى ذلك من المحرمات، هل أولئك قد أقاموا الصلاة وأدَّوا حقها؟! والله لو فعلوا ذلك لانتهوا عن كل محرم، وأقلعوا عن كل ما يخالف شرع الله، ولكنه إضاعة جوهر الصلاة، ولا حول ولا وقوة إلا بالله!

ولذلك نجد قول رسول الله  : >إن أول علمٍ يُرْفع من الناس الخشوع، فيوشك أن تدخل المسجد الجامع فلا ترى فيه رجلاً خاشعاً< فالله المستعان!

ما هي حالنا اليوم مع هذه الفريضة العظيمة؟!

أجسادٌ تهوي إلى الأرض، وقلوبٌ غافلة، وأفئدة متعلقة بالدنيا، إلا من رحم الله.. ولذلك نجد أن ذات يوم رأى النبي  رجلا في الصلاة وهو يعبث بلحيته فقال:>لو خشع قلبه لخشعت جوارحه<.. وقال عليه الصلاة والسلام: ألا أخبركم بأسوأ الناس سرقة؟ قالوا: من هو يا رسول الله؟ قال: الذي يسرق من صلاته! قالوا: وكيف يسرق من صلاته؟ قال: لا يُتم ركوعها ولا سجودها!!

حال السلف في الصلاة

* عن الحكم بن عتيبة ] قال: >من تأمل في صلاته من عن يمينه وعن شماله فلا صلاة له<.

* وعن مسلم بن يسار ] أنه كان يقول لأهله (زوجته وأولاده) :”إني إذا كنت في الصلاة فحدثوا، فإني لست أسمع حديثكم”!

* ولقد حلى لنا التاريخ عن صحابي بُترت (قُطعت) ساقه لأنه أصيب بسهم فيها وذلك أثناء صلاته!! فانظروا كيف يعيش هؤلاء صلاتهم..

* وذكر عن رابعة العدوية رحمها الله أنها كانت في صلاة، فسجدت على البواري فدخلت قطعة من قصب في عينيها فلم تشعر بذلك حتى أنهت صلاتها..

* ويروى عن الحسن بن علي ]، أنه كان إذا حضرت الصلاة وأخذ الماء للوضوء اصفر وجهه، فيسأل عن ذلك، فيقول: أتدرون بين يدي من سأقوم؟؟

* وهذا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه إذا حضر وقت الصلاة ارتعدت فرائصه، وكان يقول: حضر وقت أداء الأمانة التي أشفقت منه السماوات والأرض، وحملها الإنسان.. فلا أدري أأحسن أداء ما حملت أم لا؟

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *