الله.. الفصل الأخير من الكتاب!


النتيجة التي يخلص إليها فيلسوف العلم المعروف ” سوليفان ” في فصل (طبيعة العقل) من كتابه المعروف (حدود العلم) هو أنه ليس في نظريات علم النفس كافة شيئاً من شأنه أن يغيّر جدّياً في قناعتنا بأن هذا العلم لا يمكن اعتباره علماً حتى الآن. وأن المعارف (الإنسانية) الأخرى أيضاً مثل علم الاجتماع والاقتصاد وما إلى ذلك، تتضمن بعض النواحي التي لا تعتبر مرضية من وجهة النظر العلمية. والعلم هو أقوى ما يكون عليه عندما يتناول العالم المادي. أما مقولاته في المواضيع الأخرى فتعتبر نسبياً ضعيفة ومتلجلجة!!

وهي نفس النتيجة التي ينتهي إليها (الكسيس كاريل) في (الإنسان ذلك المجهول) : إن السيطرة على عينة من العالم المادي لغرض فهمها ممكنة إلى حدّ ما، أما السيطرة على عينة يدخل فيها الإنسان، والعقل، والحياة، طرفاً، فتكاد تكون مستحيلة. ومن قبل سئل الرسول  عن الروح : معجزة الإنسان، وسرّ العقل، ومفتاح الحياة، فأجاب القرآن الكريم عنه : {ويسألونك عن الروح قل الروح من امر ربي وما أوتيتم من العلم إلاّ قليلا}.

ومع تهافت المعطيات المعرفية الوضعية التي لا تؤمن بالله، بتساقط رموز العلمانية الملحدة التي تنكرت لله.. والإيمان.. ماركس.. فرويد.. وغيرهما كثيرون. ثم ها هو ذا جان بول سارتر، زعيم الوجودية الإلحادية، ينتهي إلى المصير نفسه، بيده هو وباختياره هذه المرة. إنه يقول فيما ترجمه الدكتور محمد جابر الأنصاري بعنوان “المحاورة الأخيرة بين سارتر ودي بوفوار” ونشرته مجلة الدوحة القطرية في مايو 1982 م : “أنا لا أشعر بأني مجرد ذرة في غبار ظهرت في هذا الكون، وإنما أنا ككائن حسّاس تم التحضير لظهوره، وأحسن تكوينه، أي بإيجاز ككائن لم يستطع المجيء إلاّ من خالق”!

ثم ها هو ذا الدكتور أحمد أبو زيد يذكر في مقال له بعنوان : “هل مات دارون حقاً؟” (نشرته مجلة العربي في تموز 1982 م) كيف أنه صدر في إنكلترا في أواخر عام 1981 م كتاب يحمل عنواناً طريفاً هو : “التطور من الفضاء Evolution From Space” قام بتأليفه عالم الفلك الشهير  (سير فريد هويْل) وعاونه في ذلك أستاذ هندي يدرّس في جامعة (كارديف). ويعترف الأستاذان بصراحة في ذلك الكتاب بأنهما ملحدان ولا ينتميان لأي دين أو عقيدة، وأنهما يعالجان أمور الفضاء وحركات الكواكب بأسلوب علمي بحت ومن زاوية عقلانية خالصة لا تحفل ولا تتأثر بأي موقف ديني. ويدور الكتاب حول مسألة احتمال وجود حياة على الكواكب الأخرى، ويتناول بالبحث الدقيق الفكرة التي سادت في بعض الكتابات التطورية عن ظهور الحياة تلقائياً من الأوحال الأولى نتيجة لبعض الظروف والتغيّرات البيئية، ومع أن هناك نظريات معارضة لهذا الاتجاه وهي نظريات ترى أن احتمال ظهور الحياة من هذه الأوحال (أو الطين) الأولى لا تزيد عن 1 : 10 (واحد إلى عشرة)، فان (هويل) يرى بعد حسابات رياضية معقدة وطويلة ودقيقة، أن هذا الاحتمال لا يزيد بحال عن 1 : 10 : 40.000 (أي واحد إلى عشرة أمامها أربعون ألف صفر). مما يعني أنه لا تكاد توجد فرصة لظهور الحياة عن طريق التوالد التلقائي من هذا الطين، وبالتالي فإن الحياة لا يمكن أن تكون نشأت عن طريق الصدفة البحتة، وأنه لابدّ من وجود عقل مدبّر يفكر ويبدّل لهدف معيّن.

وعلى الرغم من اعتراف المؤلفين الصريح ـ كما قلنا ـ بإلحادهما، فانهما لا يجدان أمامهما مفرّاً من أن يكتبا الفصل الأخير من الكتاب تحت عنوان : “الله ـ God”!!

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>