ابتداء التفكير في نقل الدعوة لمكان جديد بعد وفاة خديجة وأبي طالب


1) ما أصاب رسول الله  بعدهما:

قال ابن إسحاق: ثم إن خديجة بنت خُوَيلد وأبا طالب هَلَكا في عام واحد، فتتابعت على رسول الله  المصائب بِهُلْكِ خديجة، -وكانت له وَزِيرَ صِدْقٍ على الإسلام: يشكو إليها-، وبِهُلْكِ عمه أبي طالب، وكان له عَضُداً وَحِرْزاً في أمره وَمَنَعَة وناصراً على قومه، وذلك قبل مُهاجَره إلى المدينة بثلاث سنين.

فلما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله  من الأذى ما لم تكن تطمع به في حياة أبي طالب، حتى اعترضه سَفيهٌ من سفهاء قريش فَنَثَرَ على رأسه تراباً.

قال ابن إسحاق : لما نثر ذلك السفيه على رأس رسول الله  ذلك التراب دخل رسول الله  بيته والتراب على رأسه، فقامت إليه إحدى بناته فجعلت تغسل عنه التراب وهي تبكي، ورسول الله  يقول لها: >لاَ تَبْكِي يَابُنَيَّةُ فَإنَّ اللهَ مَانِعٌ أباكِ< قال: ويقول بين ذلك >مَا نَالَتْ مِنِّي قُرَيْشٌ شيئاً أكرَهُهُ حتى مات أبو طالب<.

قال ابن إسحاق: ولما اشتكى أبو طالب وبلغ قريشاً ثِقْلُه قالت قريش بعضها لبعض: إن حمزة وعمر قد أسلما، وقد فشا أمر محمد في قبائل قريش كلها، فانطلقوا بنا إلى أبي طالب فَليأخُذْ لنا على ابن أخيه ولْيُعْطِهِ مِنا، والله ما نأمن أن يَبْتَزُّونا أمرنا.(1)

2) أشراف قريش يطلبون عهدا من أبي طالب قبيل وفاته :

قال ابن إسحاق بسنده : عن ابن عباس، قال: فمشوا إلى أبي طالب فكَلَّموه -وهم أشراف قومه: عُتْبة بن ربيعة، وشَيْبة بن ربيعة، وأبو جهل بن هشام، وأمَيَّةُ بن خلف، وأبو سُفْيان بن حرب، -في رجال من أشرافهم فقالوا : ياأبا طالب، إنك منا حيث قد علمت، وقد حضرك ما ترى، وتَخَوَّفْنَا عليك، وقد علمت الذي بيننا وبين ابن أخيك، فادْعُه فخذْ له منا، وخذ لنا منه، لِيَكُفَّ عنا ونَكُفَّ عنه، ولِيَدَعَنا وديننا ونَدَعَه ودينه.

فبعث إليه أبو طالب، فجاءه، فقال: ياابن أخي، هؤلاء أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليعطوك وليأخذوا منك، قال: فقال رسول الله  : >يَاعَمُّ، كلمة واحدة تُعْطونيها تملكون بها العرب، وتَدِينُ لكم بها العجم< فقال أبو جهل: نَعَمْ وأبيك وعَشْر كلمات، قال: >تقولون لا إله إلا الله وتَخْلَعونَ ما تعبدون من دونه< قال: فصفَّقوا بأيديهم، ثم قالوا: أتريد يامحمد أن تجعل الآلهة إلهاً واحداً؟ إن أمرك لعجب، ثم قال بعضهم لبعض: إنه والله ما هذا الرجل بمعطيكم شيئاً مما تريدون، فانطلقوا وامْضُوا على دين آبائكم حتى يحكم الله بينكم وبينه، قال: ثم تفرقوا.

3) رجاء الرسول  إسلام عمه أبي طالب :

فقال أبو طالب لرسول الله  : والله ياابن أخي ما رأيتك سألتهم شَطَطاً قال: فلما قالها أبو طالب طمع رسول الله  في إسلامه، فجعل يقول له: > أيْ َعٌم فأنت فَقُلْها أسْتَحِلَّ لكَ بِها الشَّفاعةَ يومَ القِيامَةِ< قال: فلما رأى حِرْصَ رسول الله  عليه قال: ياابن أخي، والله لولا مخافةُ السُّبَّة عليك وعلى بني أبيك من بعدي وأن تَظُنَّ قريش أني إنما قلتها جزعا من الموت لَقُلْتُها، لا أقولها إلا لأَسُرَّكَ بها، قال: فلما تقارب من أبي طالب الموت نظر العباس إليه يُحَرِّكُ شفَتيه، قال: فأصغى إليه بإذنه، فقال: ياابن أخي والله لقد قال أخي الكلمة التي أمرْتَهُ أن يقولها، فقال رسول الله  : >لم أسمع<.

4) ما نزل في طالبي العهد من مشركي قريش:

قال : وأنزل الله تعالى في الرهط الذين كانوا اجتمعوا إليه وقال لهم ما قال وردوا عليه ما ردوا {ص والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ، كم أهلكنا من قَبْلِهم من قَرْن فنادَوْا ولات حين مناص وعَجِبُوا أن جاءهم مُنذِرُ منهم فقال الكافرون هذا ساحر كذّاب أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهاً وَاحِداً إنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ وَانْطَلَقَ الـمَلأُ مِنْهُمْ أنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى ءَالِهَتِكُم إنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ مَا سَمِعْنَا بِهَذَا في الـمِلَّةِ الآخِرَةِ إنْ هَذَا إلاَّ اخْتِلاَقٌ}(ص : 1- 7). ثم هلك أبو طالب.

5) إسلام الطُّفَيل بن عَمْرو الدَّوْسيّ

قال ابن إسحاق: وكان رسول الله  -على ما يرى(2) من قومه- يَبْذُل لهم النصيحة، ويدعوهم إلى النجاة مِما هُم فيه، وجعلت قريش حين مَنَعَه الله منهم يُحذِّرونَه الناس ومَنْ قَدِم عليهم من العرب.

وكان الطُّفَيل بن عَمْرو الدَّوْسيّ يُحدِّث أنه قَدِم مكة ورسول الله  بها، فمشى إليه رجال من قريش، وكان الطُّفَيل رجلاً شريفاً، شاعراً، لَبِيباً، فقالوا له : ياطُفَيْل، إنك قدِمْتَ بلادَنا، وهذا الرجلُ الذي بين أظْهُرِنا قد أعْضَلَ(3) بنا، وقد فَرَّقَ جماعتنا، وشتَّت أمرنا، وإنما قولُه كالسحر: يُفَرِّقُ بين الرجل وبين أبيه، وبين الرجل وبين أخيه، وبين الرجل وبين زوجته، وإنا نَخشى عليك وعلى قومك ما قد دَخَل علينا، فلا تُـكَلِّمْه، ولا تَسْمَعَنَّ منه شيئاً.

قال : فوالله ما زالوا بي حتى أجمعت ألا أسمعَ منه شيئاً ولا أكلمه، حتى حشوت في أُذْنَيَّ حين غَدَوتُ إلى المسجد كُرْسُفاً(4) فَرَقاً(5) من أن يبلغني شيء من قوله، وأنا لا أريد أن أسمعه، قال: فَغَذَوْتُ إلى المسجد فإذا رسول الله  قائم يُصَلِّي عند الكعبة، قال: فقمت منه قريباً، فأبى الله إلا أن يُسْمعني بعضَ قوله، قال: فسمعت كلاماً حسناً،  فقلت في نفسي: وَاثُكْلَ أمي، والله إني لرجل لَبِيبٌ شاعر ما يَخفى عليَّ الحَسَنُ من القبيح، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول؟ فإن كان الذي يأتي به حسنا قبِلتُه، وإن كان قبيحا تركته، فمكَثْتُ حتى انصرف رسول الله  إلى بيته، فأتبعتُه حتى إذا دخل بيته دخلتُ عليه، فقلت: يامحمد، إن قومك قد قالوا لي كذا وكذا، للذي قالوا، فوالله ما بَرِحوا يُخَوِّفونني أمْرَكَ حتى سَدَدْت أذني بكُرْسُفِ لئلا أسمع قولك، ثم أبى الله إلا أن يسمعني قولك، فسمعته قولاً حسناً، فاعْرِضْ عليَّ أمْرَكَ، قال: فعرض عليَّ رسول الله  الإسلام، وتلا عليَّ القرآن، فلا والله ما سمعت قولاً قَطُّ أحسَنَ منه، ولا أمراً أعدل منه، فأسلمت، وشهدت شهادة الحق، وقلت: يانبيَّ الله، إني امرؤ مُطاعٌ في قومي، وأنا راجع إليهم، وداعيهم إلى الإسلام، فادعُ الله أن يجعل لي آيةً تكون لي عَوْناً عليهم فيما أدعوهم إليه ، قال: >اللَّهُمَّ اجْعَلْ لَه آيةً< .

فخرجت إلى قومي، حتى إذا كنت بثَنِيَّةِ(6) تُطْلعني على الحاضر(7) وقع نورٌ بين عَيْنَيَّ مثلُ المصباح، قلت: اللَّهُمَّ في غير وجهي، إني أخشى أن يَظُنُّوا أنها مُثْلَة وقعت في وجهي لفراقي دينهم، قال: فتَحَوَّلَ فوقع في رأس سَوْطي، قال: فجعل الحاضرُ يَتراءَوْنَ ذلك النور في سَوْطي كالقنديل المعلَّق، وأنا أهبط إليهم من الثَنِيَّة، قال: حتى جئتهم، فأصبحت فيهم(8).

إسلام والد الطُّفَيل وامرأته:

قال: فلما نزلت أتاني أبي -وكان شيخاً كبيراً- قال: فقلت: إلَيكَ عَنِّي ياأبتِ، فلستُ منك ولستَ مني، قال: لِمَ يابُنَيَّ؟ قال: قلت: أسلمت وتابعت دين محمد  ، قال: أيْ بُنَيَّ فديني دينك، قال: قلت: فاذهب فاغتسل وطَهِّرْ ثيابك ثم تعال حتى أعَلِّمَك ما عُلِّمْتُ، قال: فذهب فاغتسل وطهر ثيابه، ثم جاء فعرضتُ عليه الإسلام فأسلم.

ثم أتتني صاحبتي(9)، فقلت: إليك عني فلستُ منكِ ولستِ مني، قالت: لِمَ بأبي أنتَ وأمي؟ قال: فَرَّقَ بيني وبينكِ الإسلام، وتابعتُ دينَ محمد  ، قالت: فديني دينك، قال: قلت: فاذهبي إلى حِمَى ذي الشرَى(10) فَتَطَهَّرِي منه، وكان ذو الشرَى صَنَماً لدَوْس، وكان الحِمَى حِمىً حَمَوْهُ له، به وَشَلٌ(11) من ماء يَهْبِطُ من جبل.

قالت : بأبي أنت وأمي، أتخشى على الصِّبْيَة من ذي الشرى شيئاً؟(12) قال: قلت: لا أنا ضامن لذلك، قال: فذهبت فاغتسلت، ثم جاءت فعرضت عليها الإسلام، فأسلمت، ثم دعوتُ دَوْساًً إلى الإسلام، فَأَبْطَؤوا عليَّ، ثم جئت إلى رسول الله  بمكة، فقلت له: يانبيَّ الله، إنه قد غلبني على دَوْس الزنا(13) فادْعُ الله عليهم، فقال: >اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْساً، ارْجِعْ إلى قَوْمِكَ فَادْعُهُمْ وَارْفُقْ بِهِمْ< قال: فلم أزل بأرض دَوْس أدعوهم إلى الإسلام حتى هاجر رسول الله  إلى المدينة ومضى بدر وأحد والخندق، ثم قدمت على رسول الله  بمن أسلم معي من قومي ورسول الله  بخَيْبَر، حتى نزلت المدينة بسبعين أو ثمانين بيتا من دَوْس، ثم لحقنا برسول الله  بخَيْبَر فَأَسْهَم لنا مع المسلمين، ثم لم أزل مع رسول الله  ، حتى إذا فتح الله عليه مكة قلت: يا رسولَ الله، ابْعَثْني إلى ذي الكَفين -صَنَمِ عَمْرو بن حُمَمة- حتى أحرقه(14).

رؤيا الطُّفَيل وتعبيرها:

قال: ثم رجع إلى رسول الله  ؛ فكان معه بالمدينة حتى قَبَضَ اللهُ رسوله  ، فلما ارْتَدَّتِ العرب خرج مع المسلمين، فسار معهم حتى فَرَغوا من طُلَيْحة(15)، ومن أرض نجد كُلِّها، ثم سار مع المسلمين إلى اليمامة ومعه ابنه عَمْرو بن الطُّفَيل، فرأى رؤيا وهو مُتوجِّه إلى اليمامة(16) فقال لأصحابه: إني قد رأيت رؤيا فاعْبُروها لي(17): رأيت أنَّ رأسي حُلِقَ، وأنه خَرَجَ من فمي طائر، وأنه لقِيَتْني امرأة فأدخلتني في فرجها، وأرى ابني يطلبني طلباً حَثِيثاً، ثم رأيته حُبِس عني، قالوا: خيراً، قال: أما أنا والله فقد أَوَّلْتُها، قالوا: ماذا؟ قال: أما حلق رأسي فوضعه، وأما الطائر الذي خرج من فمي فَرُوحي، وأما المرأة التي أدخلتني فرجها فالأرض تُحْفَر لي فأُغَيَّب فيها، وأما طَلَبُ ابني إياي ثم حبسه عني فإني أراه سيجهد أن يصيبه ما أصابني، فقتل رحمه الله شهيداً باليمامة، وجرح ابنه جراحة شديدة ثم اسْتَبَلَّ منها(18) ثم قتل عام اليَرْمُوك في زمن عمر ] شهيداً.

——

1- يبتزونا أمرنا : يتسلطون علينا عنوة وقهرا.

2- على ما يرى من إذاية قومه له.

3- قد أعضل بنا: أي قد جعلنا في معضلة لا ندري كيف الخلاص منها، وأعضل به الأمر : اشتد وضاقت عليه فيه الحيل.

4- كُرْسُفاً: قطناً.

5- فرقا: خوفا والفرق: شدة الخوف والفزع.

6- الثَنِيَّة: الممر بين الجبلين بين المرتفعات.

7- تطلعني على الحاضر: تجعلني مطلا على منزل القبيلة قرب الماء.

8- أي وصلت إليهم صباحا.

9- صاحبتي: زوجتي.

10- ذو الشرى : صنم لهم كانوا يعبدونه، وكان بالقرب من الصنم ماء يغتسلون به التماسا لبركته ـفي ظنهم-.

11- الوشل: شبه الشلال أو هو شلال صغير.

12- أي أتخشى أن ينتقم منا بأطفالنا فيصيبهم بشر وأذى.

13- أي كان الزنا شائعا فيهم والمراد بالزنا هنا اللهو وعدم شغل القلب بالطموحات العالية.

14- وكان صنما من خشب.

15- طُلَيْحة أحد الكذابين اللذين خرجا بعد وفاة رسول الله  والآخر مسيلمة.

16- لقتال مسيلمة الكذاب إذ كان مقامه وقومه في أرض اليمامة.

17- أي فسروها لي.

18- استبل منها: شفي مما أصابه.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *